أوروبا والدستور والدور

د. مصطفى علوي: أوروبا والدستور والدور

  • 21 يونيو 2005

الاتحاد الأوروبي لاعب كبير ومهم على الساحة الدولية المعاصرة. وقد كانت أوروبا خلال القرون الممتدة من صلح وستفاليا عام 1648 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، اللاعب الأكبر والأهم في العلاقات الدولية. ورغم أن الدول الأوروبية المهزومة والمنتصرة في الحرب العالمية الثانية كانت قد خرجت من تلك الحرب منهكة اقتصادياً ومتعبة سياسياً ومدمرة عسكرياً، فإن ستاً من هذه الدول كانت قد بدأت حركة اندماج اقتصادي بعد نهاية تلك الحرب بسنوات معدودة. واتسعت حركة الاندماج الأوروبي بتزايد عدد الدول الأعضاء فيها من 6 دول إلى 9 دول إلى 12 دولة إلى 15 دولة ثم إلى 25 دولة، وذلك في الفترة من عام 1957 حتى عام 2004. كما تعمقت حركة الاندماج الأوروبي باستيعابها خططاً وعمليات وإجراءات وسياسات في مجالات التجارة والجمارك والاستثمار والضرائب والمشروعات المشتركة، وتحرير حركة الأموال والسلع والخدمات والتكنولوجيات ثم الأفراد فيما بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وقد تم التعبير عن عملية تعميق الاندماج بين هذه الدول بالانتقال من مفهوم "الجماعة الاقتصادية الأوروبية" إلى مفهوم "الجماعة الأوروبية" ثم إلى مفهوم "الاتحاد الأوروبي". ومع هذا الأخير، لم تعد حركة الاندماج الأوروبي مقصورة على منطقة للتجارة الحرة ولا على اتحاد جمركي ولا على سوق مشتركة، بل تحولت تلك الحركة إلى عملية تأسيس لسوق واحدة ذات عملة أوروبية موحدة (اليورو)، وبنك مركزي أوروبي واحد، بل إن الاتحاد الأوروبي أخذ يتطلع في السنوات الأخيرة إلى تحقيق إنجاز مهم في الأبعاد السياسية والأمنية والدفاعية، بحيث يبدأ السير في اتجاه بناء سياسة خارجية وأمنية موحدة، ونواة لقوة دفاع أوروبية مستقلة عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإن نسقت معه عن قرب.

والاتحاد الأوروبي بدوله الخمس والعشرين الممتدة من المملكة المتحدة غرباً إلى قبرص شرقاً يملك الكثير من عناصر القوة المالية والاقتصادية والتكنولوجية، بل وتملك دوله، أو بعض دوله، من عناصر القوة العسكرية أيضاً، ما يمكـّـن الاتحاد من أن يحتفظ بكلمة قوية ومؤثرة في صياغة الأحداث والقرارات الدولية.

فالاتحاد الأوروبي هو أكبر كتلة أو قوة اقتصادية في عالم اليوم بمعيار الناتج المحلي الإجمالي لدوله الأعضاء مجتمعة كنسبة من الناتج الإجمالي للعالم كله، وهو شريك كبير، أو هو الشريك الأكبر في حركة التجارة الدولية تصديراً واستيراداً، وهو من أكبر المستثمرين سواء في مجال الاستثمار المباشر أو غير المباشر، وهو ثالث قوة تكنولوجية في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان. كما أن اليورو يُعد ثاني أهم عملة دولية بعد الدولار.

وعلى المستوى الثقافي، فإن مركز الاتحاد الأوروبي يراوح بين الأول والثاني عالمياً وذلك في الإنتاج الثقافي والفني والأدبي والعلمي، كما تتمتع دول الاتحاد بثراء وغنى وتنوع في ثقافتها العامة والسياسية لا يوجد له مثيل في العالم المعاصر، وكل ذلك يتيح لدول الاتحاد الأوروبي فهماً أعمق وتصوراً أصح لشؤون العالم "غير الأوروبي" حتى إذا ما قورن بالولايات المتحدة، وخصوصاً في هذه المرحلة التي يسيطر فيها الفكر المحافظ المتشدد على المجتمع الأمريكي.

وسياسياً، فإن اثنتين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تحتلان مقعدين دائمين في مجلس الأمن؛ أهم أجهزة الأمم المتحدة، وهما أيضاً في الوقت ذاته دولتان نوويتان معلنتان أو رسميتان، وهما بريطانيا وفرنسا.

ولعل النجاحات التي حققها الاتحاد الأوروبي في مسيرته نحو الاندماج وعناصر القوة الكبيرة التي يحظى بها وتحظى بها دوله، هي التي حدت ببعض المحللين إلى القول بأن الاتحاد الأوروبي قد أصبح، أو في طريقه إلى أن يصبح، قوة عظمى تشارك بفاعلية في صنع القرارات والأحداث والتوجهات العالمية أو الدولية. وربما تكون التوقعات التي أخذت في الظهور بشأن ذلك منذ بداية التحول في النظام العالمي مع انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، راجت، إلى حد ما، مع بدء مسيرة الاندماج السياسي للاتحاد الأوروبي، والتي عبرت عنها، على استحياء، أفكار لسياسة خارجية أو أمنية موحدة للاتحاد، ولكن الترجمة الأوضح لها كانت مع طرح مشروع الدستور الأوروبي للاستفتاء في الدول الأعضاء بالاتحاد، بل وتصويت عشر من هذه الدول، أهمها وأكبرها ألمانيا الاتحادية، لصالح ذلك الدستور. فلقد ظن البعض أن الاتحاد الأوروبي قد أصبح يسير في طريق الوحدة السياسية، ومن ثم فإنه سيكون قريباً كياناً سياسياً اندماجياً واحداً يملك إرادة واحدة وقراراً واحداً إزاء قضايا موضوعات السياسة العالمية الملحة والمهمة.

ولكن تصويت نحو 56% من الناخبين الفرنسيين ونحو 62% من الناخبين في هولندا ضد الدستور الأوروبي أوضح أن الطريق إلى الوحدة السياسية ما زال طويلاً. وعلى أثر معارضة الشعب الفرنسي للدستور الأوروبي فضلت دولة أوروبية كبرى أخرى هي بريطانيا إرجاء طرح الاستفتاء على ذلك الدستور، وأغلب الظن أن أغلبية الشعب البريطاني سوف تصوت أيضاً ضده. حقاً إن ألمانيا، وهي إحدى قاطرتي الاتحاد الأوروبي، قد صوتت لصالح الدستور الأوروبي، ولكن فرنسا وهي القاطرة الفكرية والسياسية تاريخياً لمسيرة الاتحاد صوتت ضده. وبغض النظر عن أسباب تصويت الشعب الفرنسي ضد الدستور الأوروبي، رغم رئاسة الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان للجنة صياغة ذلك الدستور، وما إذا كانت الأسباب تتعلق بعدم الرضا عن الأوضاع الاقتصادية الداخلية التي فشلت حكومة رافاران المستقيلة في مواجهتها، أو أنها تعبر عن إدراك الرأي العام الفرنسي أن الوقت ما زال مبكراً للانخراط في عملية دستورية للتوحيد السياسي لبلدان الاتحاد الأوروبي وبعضها ما زال حديث العهد بعضوية ذلك الاتحاد، وأن الكثير من العمل ما زال مطلوباً قبل الوصول إلى تلك النقطة، بغض النظر عن طبيعة تلك الأسباب، فإن الرفض الفرنسي والهولندي والإرجاء البريطاني لعملية الاستفتاء، من شأنه أن يدفع الأمور إلى مراجعة جزئية أو كلية لمسألة الدستور الأوروبي، ولكن في كل الأحوال ستواجه عملية المراجعة مشكلة تتمثل في أن عشراً من الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي قد وافقت في استفتاءات مماثلة على الدستور الأوروبي نفسه الذي رفضه الفرنسيون والهولنديون، وأنه لا يمكن أن تكون هناك صيغتان مختلفتان لذلك الدستور تعرضان على شعوب دوله. ومن ثم فإن الحل الوحيد سيكون في صورة بذل جهد سياسي أكبر من أجل الحصول على موافقة الفرنسيين والهولنديين في جولات قادمة على الدستور الأوروبي الذي سبق لهم أن رفضوه.

معنى ما تقدم، أن عملية الاندماج هي عملية سياسية طويلة صعبة وشاقة. وإذا كان الاندماج الاقتصادي الأوروبي، وهو الأنجح في تجارب العالم خلال الخمسين عاماً الأخيرة، قد احتاج عشرات السنين حتى يصل إلى مستوى "السوق الواحدة"، فإن الاتحاد الأوروبي سيكون في حاجة إلى عقود مماثلة من الزمن حتى ينجح في الوصول إلى مستوى الدولة الواحدة أو الكيان السياسي الاندماجي أو الفيدرالي الواحد، وحتى يتحقق مثل ذلك الحلم سيبقى الدور السياسي للاتحاد الأوروبي في إدارة شؤون العلاقات الدولية دوراً محدداً ومحدوداً، وإن اكتسب مزيداً من النفوذ والتأثير في إدارة شؤون التجارة العالمية والاستثمار والاقتصاد ونقل التكنولوجيا وغيرها من الشؤون غير السياسية وغير الأمنية، أما في الشؤون السياسية فإن الولايات المتحدة ستظل صاحبة النفوذ الأكثر تأثيراً، وحتى إن اختلفت دول الاتحاد الأوروبي، جميعها أو بعضها معها كما حدث قبيل وأثناء الغزو الأمريكي للعراق، فإن عدم اكتمال الاندماج السياسي الأوروبي سوف يدفع الطرف الأوروبي إلى تسوية مثل ذلك الاختلاف، وبالطبع سوف تبادله واشنطن الرغبة ذاتها في الوصول إلى نقطة وسط وأرضية مشتركة. وهو ما يجب علينا فهمه وإدراكه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات