أوروبا في مواجهة كورونا.. التكاتف والتضامن أم التفكُّك وانهيار المنظومة؟

  • 1 أبريل 2020

على الرغم من التفاؤل المشوب بالتوجُّس والحذر، الذي عبَّر عنه مدير الفرع الأوروبي في منظمة الصحة العالمية، هانس كلوغي، يوم الخميس الماضي، حين تحدث عن مؤشرات مشجعة إلى تباطؤ تفشي فيروس كورونا في أوروبا، فإن المؤشرات كافَّة تؤكد أن هذا الوباء العالمي لن يغادر القارة العجوز من دون أن يترك آثاره العميقة على كل جوانب الحياة فيها.

تعاني دول الاتحاد الأوروبي، التي يبلغ عددها 28 دولة، منذ تحول فيروس كورونا إلى جائحة، حالة أقرب ما تكون إلى الفوضى في التعامل مع الوباء، وانعدام التنسيق الفعَّال لمواجهة انتشاره داخل حدودها كالنار في الهشيم؛ الأمر الذي حوَّلها، خلال فترة وجيزة تبلغ شهراً واحداً تقريباً، إلى بؤرة لانتشار الفيروس والمنطقة الأكثر تضرراً منه؛ وهو ما دفع الكثير من دولها إلى إعلان ما يشبه حالة الاستسلام للقدر، وترك شعوبها لمواجهة مصيرها وفقاً لقاعدة «البقاء للأقوى».

لقد تجلَّت حالة الإحباط وخيبة الأمل، تجاه رد فعل الاتحاد وعدم نجاعة الإجراءات التي اتخذها بشكل جماعي لمساندة أعضائه الأكثر تضرراً من الفيروس، على لسان رئيس وزراء إيطاليا، جوسيبي كونتي، الذي تتربَّع بلاده على قمة مؤشرات انتشار المرض، وتُعدُّ حالياً الدولة الأكثر تضرراً منه؛ حيث فاق عدد الإصابات والوفيات الناجمة عنه فيها عدد تلك التي سجلتها الصين «مصدر الفيروس ومهد انطلاقه»؛ إذ قال يوم السبت الماضي، في حديث مع صحيفة «إل سول 24»، إن التكتل الأوروبي كله قد يفقد سبب وجوده إذا واصل تقاعسه وتقصيره في مكافحة فيروس كورونا المستجد؛ وهو ما سيحمّل أبناء الاتحاد عبئاً هائلاً لاقتصاد مدمَّر.

وقد دعا كونتي دول الاتحاد مجتمعةً إلى عدم ارتكاب أخطاء فادحة قد تكون معالجة نتائجها شبه مستحيلة، والمسارعة إلى مواجهة هذا التحدي التاريخي غير المسبوق بإطلاق خطة أوروبية للتعافي وإعادة الاستثمار، تدعم وتنعش الاقتصاد الأوروبي كله. وحذَّر من استمرار الخلافات بين قادة دول الاتحاد، التي تعيش «أزمة تسفر عن عدد كبير من الضحايا من مواطنيها، وتسبب ركوداً اقتصادياً شديداً»؛ وهو الأمر الذي يتطلب منهم تجنُّب اتخاذ خيارات مأساوية كتلك التي اضطرت بلاده إلى اتخاذها، وأن يثبتوا للعالم ولشعوبهم أن أوروبا الموحَّدة على مستوى هذا التحدي.

الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، الذي لم تنضم بلاده رسمياً إلى الاتحاد الأوروبي، وما زالت في طور التفاوض، شنَّ هو الآخر هجوماً غاضباً وقاسياً على الاتحاد، ووصفه بأنه يفتقر إلى أدنى حدود التضامن والتكاتف.

وكانت صحيفة «لاريبابليكا» الإيطالية قد كشفت، في 23 مارس الماضي، عن قضية عمَّقت جراح الوحدة الأوروبية، تمثلت في مصادرة جمهورية التشيك مئات الآلاف من معدات الوقاية الطبية وأجهزة التنفس التي أرسلتها الصين هبة لإيطاليا.

كما رفضت ألمانيا ودول أوروبية أخرى مناشدة تسع دول، من بينها إيطاليا الأكثر تضرراً، من أجل الاقتراض الجماعي من خلال «سندات كورونا»؛ للمساعدة على تخفيف الضربة الاقتصادية للوباء؛ وهو ما دفع صحيفة «لاريبابليكا»، ذات الخط السياسي المؤيد للاتحاد الأوروبي تقليدياً، إلى عنونة صفحتها الرئيسية بـ«أوروبا قبيحة». وذلك في الوقت الذي رأت صحيفة «كورييري ديلا سيرا» أنه «في حال افتقد الاتحاد الأوروبي اتفاقاً بشأن كورونا؛ فإن هذا يعني أن المشروع الأوروبي نفسه قد انتهى».

وقد هاجم رئيس الوزراء البرتغالي، أنطونيو كوستا، الحكومة الهولندية على خلفية تداعيات كورونا، وانتقد ما سمَّاه «التفاهة المتكررة» للحكومة الهولندية، التي تُعَدُّ عادة واحدة من أقوى المدافعين عن الانضباط في ميزانية الاتحاد الأوروبي. وقال: «هذا الحديث بغيض في إطار الاتحاد الأوروبي».

وقد بات الخبراء والمحللون السياسيون يجمعون على أن فيروس كورونا وضع الوحدة الأوروبية على المحك، وكشف بشكل لا يقبل التأويل عن الكثير من جوانب الخلل والقصور في منظومتها الخاصة بمواجهة الكوارث والأزمات، وخصوصاً العالمية منها؛ وهو ما يستدعي من قياداتها اليوم إما العودة إلى العمل على قلب رجل واحد، وتسخير الجهود والمقدرات كافة لإنقاذ المنظومة بشكل جماعي لا على أساس فردي، وإما قبول خيار التفكك، ومن ثمَّ انهيار التكتل العملاق الذي كان يُنظَر إليه على أنه نموذج يحتذى به.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات