أوروبا الكبرى … انتقام من صفقة يالطا

  • 16 ديسمبر 2002

منذ 2500 عام تحدث المؤرخ هيرودوت عن أوروبا فقال: "من أكثر الأمور مدعاة للفضول أن أوروبا نشأت في آسيا وانطلقت من فينيقيا (لبنان حاليا) لتصل إلى كريت ومنها إلى لوسيا (تركيا حاليا)" حديث هيرودوت هذا كان يصلح كخلفية يتأملها قادة الدول الخمس عشرة الأعضاء بالاتحاد الأوروبي خلال قمتهم التاريخية في العاصمة الدانمركية كوبنهاجن مؤخرا لبحث مصير "أوروبا الكبرى" وتوسيعها من 15 إلى 25 دولة. وهذا الحلم التاريخي غير المسبوق يثير الجدل بين الخبراء والمتخصصين حول جدواه وانعكاساته، وربما كان أحد دوافع هذا الجدل أن حلم أوروبا الكبرى المزدهرة والديمقراطية ليس له سابقة في التاريخ، فهي بحق خطوة تستحق هذا العناء رغم ما يحيط بها من متاعب ومسارات شاقة لبلورة اتفاق على إشكاليات مثل الحدود النهائية للاتحاد الأوروبي، والتي لا تتعلق بتركيا فقط ولكنها تطرح أيضا مع بيلاروسيا "روسيا البيضاء" وأوكرانيا ومولدافيا، وربما روسيا يوما ما.

وصعوبة القفز من 15 إلى 25 دولة تعني الكثير من الناحية الإحصائية، فالحديث في الحالة الثانية يدور عن متطلبات بناء مستقبل مزدهر لنحو 455 مليون أوروبي، ويدور أيضا حول ضرورة توافر صيغ توافقية في ظل فروقات كبيرة وفسيفساء إثنية وقومية تتطلب القفز على الآلام ونسيان تجارب الماضي المريرة، فأوروبا الكبرى ستصبح بداية من عام 2004 ثالث مجموعة سكانية في العالم بعد الصين والهند، حيث يضاف إليها -بعملية التوسيع- 75 مليون نسمة جديدة على الاتحاد الأوروبي مع دخول بولندا والمجر وتشيكيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وقبرص ومالطا، والفارق بين تعداد سكان أكبر دولة من هؤلاء وأصغر دولة يعادل نحو مائة ضعف، فتعداد سكان بولندا يبلغ نحو 39 مليون نسمة في حين لا يزيد تعداد سكان مالطا، أصغر الدول المرشحة للانضمام، على 390 ألف نسمة. أما الفروقات الاقتصادية بين الأعضاء القدامى والجدد في الاتحاد الأوروبي فحدّث ولا حرج.

تحديات الاندماج الثقافي والاقتصادي والسياسي التي تواجه حلم أوروبا الكبرى ليست بسيطة، ولكن الأوروبيين سعداء بهذه التجربة، وليس أدل على ذلك من إجماع الصحف الأوروبية على الترحيب باتحاد أوروبي جديد يضم 25 دولة، فقد عنونت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية صفحتها الأولى أمس الأول بكلمة "مرحبا" كتبت بالفرنسية وبلغات الدول العشر التي ستنضم إلى الاتحاد، فيما بدت سعادة الشريك "الأطلسي" الأمريكي واضحة على اعتبار أن "توسيع الاتحاد الأوروبي هو انتصار كبير للولايات المتحدة" كما قالت صحيفة "هيرالد تريبيون" الأمريكية التي اعتبرت أن توسيع الاتحاد الأوروبي بهذا الشكل "يدمر طموحات الذين حلموا بنفوذ أوروبي عالمي".

توسيع حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي هما عمليتان متكاملتان تعزز كل منهما الأخرى ولكن الجميع ينظرون إلى عضوية الاتحاد الأوروبي باعتبارها تذكرة لعبور بوابة الرخاء الأوروبي، بينما تستدعي عضوية الحلف التزامات جديدة في ميزانيات الدفاع رغم أن الحلف يجلب لمنتسبيه ضمانات عسكرية أمنية ومقعدا على طاولة الكبار.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات