أوبك وسياسة الانتظار

أحمد السيد النجار: أوبك وسياسة الانتظار

  • 25 مارس 2009

العنوان العام لنتائج المؤتمر الوزاري الـ 152 لمنظمة  الدول المصدرة للنفط "أوبك"، الذي عقد يوم 15 مارس/آذار 2009 هو "الانتظار"؛ حيث قررت المنظمة الإبقاء على سقف إنتاجها الحالي البالغ نحو 24.8 مليون برميل يومياً من دون إجراء أي تخفيض جديد، على الرغم من أن الأسعار ما زالت متدنية وتدور حول مستوى 45 دولاراً للبرميل من خام برنت أو نحو 40 دولاراً للبرميل من سلة خامات أوبك. لكن المنظمة أكدت ضرورة التزام أعضائها بحصصهم الإنتاجية بصورة دقيقة بعد أن تمّ تخفيض تلك الحصص مرتين بمقدار 2.4 مليون برميل من الإنتاج اليومي في العام الماضي، تحت وطأة تراجع الطلب على النفط نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. ولأن حجم تجاوز دول الأوبك لحصصها الإنتاجية يصل إلى قرابة 900 ألف برميل يومياً في الوقت الراهن؛ فإن مثل هذا الالتزام سيعني تخفيض الإنتاج والمعروض النفطي من دول الأوبك بهذه الكمية نفسها.

ومع أن بعض الدول، مثل الجزائر وفنزويلا، كانت ترغب في إقرار مزيد من التخفيض لحجم إنتاج منظمة الأوبك بهدف تحسين الأسعار والارتفاع بها إلى مستوى قريب من السعر المستهدف من منظمة الأوبك وهو 70 دولاراً للبرميل، فإن الأمر لم يؤد إلى انقسام المنظمة إلى صقور وحمائم كما حصل في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، بل تم التفاوض والتوصل إلى قرار إبقاء الإنتاج على ما هو عليه بصورة هادئة وجماعية، وهو مؤشر على تماسك المنظمة وتوافقها على الانتظار لما ستسفر عنه حركة الأسعار في السوق حتى موعد الاجتماع الاستثنائي المقرر في أواخر مايو/أيار 2009. وهذا التماسك ربما يكون القاعدة الأقوى والأهم التي يمكن للمنظمة أن تلوذ بها في مواجهة واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في التاريخ الاقتصادي الحديث للعالم بكل تأثيراتها على الطلب على النفط وأسواقه وأسعاره.

وإذا كانت منظمة الأوبك قد قررت في اجتماعها الأخير أن تعقد اجتماعاً استثنائياً في 28 مايو/أيار المقبل، أي قبل أربعة أشهر من موعد اجتماعها العادي؛ فإن ذلك يعد بدوره رسالة للأسواق وللدول المستهلكة، بأن المنظمة في حالة انتظار وترقب، وأنه إذا لم تتحسن الأسعار فإن المنظمة قد تكون مضطرة لاتخاذ إجراءات جديدة لتحقيق هدفها برفع السعر إلى 70 دولاراً على الأقل. لكن المنظمة لم تناقش فكرة السعر الإرشادي أو الموجه لأسعار النفط، كآلية لتحديد أسعار عادلة ومعتدلة للنفط بعيداً عن عبث المضاربين والشركات في الأسواق، وهو أمر ينبغي على المنظمة تداركه في اجتماعها القادم، بحيث تتحكم بصورة عاقلة في الأسواق سواء تمّ ذلك بشكل منفرد، أو بالتوافق مع الدول المستوردة للنفط، وذلك من خلال تحديد أسعار أساسية للزيت الخام الخفيف والثقيل والمتوسط، يتم تغييرها كل ثلاثة شهور بناء على حركة معدل التضخم في العالم.

وإذا كانت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قد أشارت في نهاية العام الماضي إلى أن الطلب اليومي على النفط سينخفض بمقدار 450 ألف برميل في العام 2009؛ فإن الركود الاقتصادي الذي يضرب الاقتصادات الكبرى المستوردة للنفط في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وكوريا الجنوبية، والذي فاق كل التوقعات، سيعني أن الطلب سينخفض أكثر من هذه الكمية في الأرباع الثلاثة الأولى من هذا العام، بما يتطلب من منظمة الأوبك، التفاعل بصورة واقعية مع هذا التغيّر في الطلب، حتى لا تتدنى الأسعار لأقل من مستوياتها المتدنية في الوقت الحالي.

وعلى أي حال، فإن الأسعار الحالية للنفط سوف تؤثر سلبياً على اقتصادات دول الخليج وموازينها التجارية والجارية وميزانياتها العامة وفرص العمل المتوفرة لديها ومستويات المعيشة فيها. كما ستؤثر سلبياً على الخطط الاستثمارية النفطية المطلوبة لمواكبة التطور المتوقع في الطلب العالمي على النفط عندما تنجلي الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، حتى لا يحدث نقص في المعروض من الزيت الخام أو المنتجات عندما يرتفع الطلب مجدداً مع الانتعاش الاقتصادي المحتمل في العام القادم.

وإذا كانت الإيرادات النفطية قد شكلت نحو 73.4% و70.9%  من إجمالي الإيرادات الحكومية في البلدان العربية إجمالاً في عامي 2006 و2007 على الترتيب؛ فإن التقديرات الأولية تشير إلى أن هذه النسبة ارتفعت إلى 75% عام 2008، نتيجة الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط خلال هذا العام. ومن المؤكد أن هذه النسبة أعلى كثيراً في دول الخليج المعتمدة بصورة أكبر على القطاع النفطي بالمقارنة بباقي البلدان العربية، وبالتالي فإن المستوى الراهن لأسعار النفط وعدم اتخاذ إجراءات فعالة لتحسين الأسعار في الاجتماع الأخير لمنظمة الأوبك، سيعني حدوث عجز في الموازنة العامة في العديد من الدول الخليجية التي ستضطر إلى السحب من احتياطياتها أو الاستدانة المحلية. وترجح بعض الدراسات أن يبلغ العجز في مجموع الموازنات العامة لدول الخليج نحو 5 مليارات دولار في العام الحالي (2009)، مقارنة بفائض بلغ نحو 225 مليار دولار في العام الماضي (2008). وتشير التقديرات الواردة في الموازنة العامة للمملكة العربية السعودية لعام 2009 على سبيل المثال، إلى أن العجز فيها سيبلغ نحو 65 مليار ريال سعودي، أو نحو 17.3 مليار دولار، فيما يتوقع أن تستمر بعض دول المجلس في تحقيق فائض في موازنتها العامة خلال هذا العام، الأمر الذي سيسهم في تخفيض العجز الكلي لدول المجلس. كما أن الأسعار الراهنة للنفط ستؤثر سلبياً على ميزان الحساب الجاري لدول الخليج ليصبح صفراً، بعد أن حققت في مجموعها فائضاً في موازينها الجارية بلغ 350 مليار دولار عام 2008.

ومن البديهي أن انخفاض أسعار النفط وما يعنيه من انخفاض في القيمة المضافة والناتج في القطاع النفطي العملاق في بلدان الخليج، سيعني تلقائياً تراجع معدلات النمو فيها لمستويات بالغة التدني تقترب من الصفر في بعض البلدان. وكان قطاع الصناعات الاستخراجية المحصورة تقريباً في النفط والغاز، قد أسهم بنحو 380 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لبلدان الخليج، أو نحو 47.3% من ذلك الناتج في عام 2007، وهو وزن نسبي مرتفع بصورة تجعل أي تغير في هذا القطاع يؤثر بقوة في قيمة الناتج المحلي الإجمالي ونموه. ومن المؤكد أن انخفاض أسعار النفط والناتج في القطاع النفطي سوف يؤدي إلى تراجع الوزن النسبي لإسهام هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، لكنه سيعاود الارتفاع عندما ترتفع أسعار النفط مجدداً؛ لأن مثل هذه التغيّرات مرتبطة بحركة أسعار النفط، وليس بالتغيّر في هيكل الاقتصاد وتنوعه، الذي يحتاج إلى بناء استراتيجيات واضحة وخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لتحقيق هذا التغيّر، بالتركيز على الاستثمار العام والخاص في قطاع الصناعة التحويلية التي تحتاجها المجتمعات الخليجية، والصناعات عالية التقنية التي تشكل مدخلاً لعالم من التقدم التقني يدعم القدرة على المنافسة في كافة القطاعات.

وإضافة إلى قضية الأسعار وضبط السوق النفطية العالمية؛ فإن منظمة الأوبك استمرت في تجاهل قضية تسعير النفط بالدولار وضرورة التحول عنه إلى تسعير الخام بسلة عملات حرة رئيسية ومن ضمنها الدولار بالطبع، وهي قضية لا بدّ لها أن تُفتح، وأن يتم كسر حاجز التخوف من التغيير والتحفظات السياسية غير المنطقية وغير الاقتصادية في هذا الشأن؛ لأنه ليس من المنطقي أن يتم تسعير النفط بعملة واحدة، الأمر الذي يؤدي إلى جعل القدرة الشرائية الدولية لإيرادات الدول المصدرة له مضطربة دائماً ومرتبطة بحالة الاقتصاد الأمريكي وموازينه الخارجية، وما يترتب على ذلك كلّه من تغيير لحركة أسعار الدولار مقابل العملات الحرة الرئيسية الأخرى.

Share