أوبك وتطورات أسعار النفط

  • 14 يونيو 2011

تشكل الفترة الحالية (بداية النصف الثاني من عام 2011) مرحلة دقيقة بالنسبة إلى تطورات أسعار النفط؛ نظراً للخلافات التي بدأت تظهر، لأول مرة منذ عقد تقريباً، بين الدول الأعضاء في منظمة أوبك حول مستوى الأسعار وحجم الإنتاج المطلوب، والتي برزت خلال الاجتماع الوزاري الأخير للمنظمة في 8 حزيران (يونيو). فقد فشل وزراء المنظمة في إصدار بيان مشترك، وهي حالة نادرة في تاريخ المنظمة. وكما هي العادة في هذه الحالات، تختلف الأسباب التي تكمن وراء مثل هذه الخلافات. وسنحاول هنا تلخيص عناصر الخلاف بين دول المنظمة، ومن ثم الولوج إلى بحث أثر تطورات الأسعار على كل من المنتجين والمستهلكين.

تمحورت الخلافات العلنية بين الدول الأعضاء حول مسيرة الطلب العالمي على النفط الخام خلال النصف الثاني من هذا العام، وما إذا كان سيرتفع إلى ما يزيد عن 30 مليون برميل يومياً، كما توقعت سكرتارية منظمة أوبك، أم سيستقر عند معدل أقل من ذلك بكثير. فقد استشهدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بالأرقام والتوقعات التي قدمتها سكرتارية المنظمة؛ لتطالب برفع سقف الإنتاج بنحو 1.5 مليون برميل يومياً تضاف إلى مستوى الإنتاج الفعلي لدول أوبك الذي بلغ في شهر نيسان (أبريل) الماضي نحو 28.8 مليون برميل يومياً، من أجل المحافظة على نوع من التوازن بين العرض والطلب في الأسواق. وفي الوقت نفسه عارضت دول مثل الجزائر وأنغولا والإكوادور، هذا الاقتراح، وصرحت بما معناه أن الطلب سيرتفع في الأشهر المقبلة، لكن ليس بهذا المستوى المرتفع، وأن الدول الصناعية لديها مخزون تجاري كاف لتعويض أي نقص طارئ إذا ما عجزت طاقة أوبك الإنتاجية الفائضة عن سد النقص.

وعارضت  إيران وفنزويلا اقتراح زيادة سقف الإنتاج، ومن غير المعروف حتى الآن، ما إذا كان هذا الاعتراض مبنياً على أسس سياسية بحتة، أم  على أسباب أخرى. وثمة مخاوف من أن تشكل هذه المعارضة بالذات محوراً سياسياً داخل المنظمة يضعف سياسة التوافق التي هيمنت على عملها خلال العقد الماضي. وسيتبين هذا الأمر بصورة أوضح في الاجتماعات المقبلة. ففي حال استمراره، سيشكل خطورة على وحدة المنظمة وقوتها ونجاحها مستقبلاً في تنفيذ سياسات جماعية ذات مصداقية.

أخيراً، فإنه لا يمكن الاستهانة بالعراقيل والصعوبات التي واجهت الاجتماع الوزاري الأخير للمنظمة، فمشاركة ستة وزراء جدد في الاجتماع خلق صعوبات أمام عقد مباحثات ومشاورات ناجحة قبل الاجتماع الوزاري وخلاله، بالذات لأنه تم استبدال بعض الوزراء القدامى بوزراء جدد قبل أيام من موعد الاجتماع، كما أن رئاسة إيران الدورية للاجتماع بشخص وزير مكلف قبل أيام فقط بمهام وزارة النفط، وعدم درايته الكافية بطرق عمل المنظمة وأهمية الوصول إلى حلول توفيقية جماعية، كان له، أيضاً، دوره في إخفاق الاجتماع في التوصل إلى اتفاق.

ومن المتوقع أن تتأثر الأسواق لفترة طويلة نسبياً بخلافات اجتماع أوبك الوزاري الذي عقد في 8 حزيران/يونيو الحالي، كما يتوقع أن تزداد نسبة المضاربات وقيمتها في أسواق النفط لجني أعلى الأرباح خلال تذبذبات الأسعار، ومشاركة المنتجين أرباحهم.

إن النتيجة المتوقعة من هذه الخلافات بين الدول الأعضاء والمضاربات الناتجة عنها هي اتجاه الأسعار نحو الارتفاع، يعزز من ذلك الأوضاع السياسية المضطربة في منطقة الشرق الأوسط، واحتمال توقف الإنتاج أو تراجع حجمه في أكثر من دولة بالمنطقة، كما هي الحال اليوم مع كل من ليبيا (الإنتاج قبل الثورة نحو 1.7 مليون برميل يومياً والتصدير نحو 1.3 مليون برميل يومياً) واليمن (الإنتاج حتى منتصف شهر آذار/ مارس نحو 300 ألف برميل يومياً، يستعمل ثلثه تقريبا في الاستهلاك المحلي). ورغم ضآلة حجم إنتاجها، فإن أهمية اليمن بالنسبة للأسواق تكمن في موقعها الاستراتيجي، فهناك مخاوف من امتداد وتوسع أعمال القرصنة في المحيط الهندي لتشمل عصابات من اليمن، ومن ثم إضافة عراقيل جديدة أمام الإبحار في مضيق باب المندب، أو توسع نفوذ القاعدة إلى دول الخليج العربي المجاورة في حال انفلت الوضع السياسي والأمني وشاعت الفوضى على نحو واسع.

لقد تعهدت السعودية والإمارات والكويت باستعمال الطاقة الإنتاجية الفائضة لديهم لمنع حدوث أي نقص في الإمدادات. وهذا ما حصل بالفعل حتى الآن مع تعويض النقص في النفط الليبي. لكن المشكلة هنا هي أنه كلما زاد التعويض عن الإمدادات المنقطعة عن الأسواق، تنخفض كمية الطاقة الإنتاجية الفائضة، وهذا أمر دقيق ومهم للأسواق، بالذات في هذه المرحلة التاريخية في منطقة الشرق الأوسط المعرضة للاضطرابات والتغييرات. فالأسواق تثق أن الدول ذات الاحتياطات الفائضة ستستخدم الطاقة الإنتاجية الفائضة لديها في سد أي نقص في الإمدادات، لكن كلما ازداد استعمال هذه الطاقة الفائضة ومن ثم نقص حجمها، ازدادت الشكوك في أسواق الدول المستهلكة حول منحى هذه السياسة، وإمكانية الاعتماد عليها فعلا في ظل استمرار حالة الاضطراب التي تشهدها المنطقة. بالطبع، فإن مجرد إثارة هذه الأسئلة يعني ازدياد المضاربات في الأسواق للاستفادة من الزيادات المحتملة في الأسعار نتيجة حال عدم اليقين هذه والشكوك التي تدور حولها.

إن أثر هذه التطورات واضح بالنسبة للمستهلكين، فاضطراب الأسواق سيؤدي تدريجياً إلى ارتفاع الأسعار، والقلق هنا من أن يحدث هذا في فترة يعاني فيها مواطنو الدول النامية من ارتفاع أسعار المحروقات، كما أن موازنات هذه الدول ستعاني كثيراً في سداد فاتورة استيراد النفط الخام أو المنتجات البترولية. كما تأتي هذه التطورات في وقت دقيق للدول الصناعية أيضاً، التي تحاول الخروج من آثار الأزمة المالية العالمية، فالارتفاع في أسعار النفط قد يؤثر على جهودها للخروج من آثار هذه الأزمة، هذا ناهيك عن أننا بدأنا نسمع تصريحات علنية ومكررة من البيت الابيض ووكالة الطاقة الدولية، وبيانات تنشر لأول مرة محذرة بالفعل من احتمال نقصان الإمدادات النفطية العالمية، وخطورة هذا الأمر على الاقتصاد العالمي والاستقرار السياسي الدولي.

فقد أصدرت وكالة الطاقة الدولية بياناً في 8 حزيران (يونيو) بعيد إخفاق اجتماع أوبك، لخصت فيه موقفها، ومواقف الدول الصناعية الغربية الأعضاء في الوكالة، كالآتي: "لقد لاحظنا مع الأسف أن أعضاء أوبك اليوم لم يستطيعوا الاتفاق على تزويد الأسواق بما تحتاجه من النفط الإضافي. لكن المهم في الأمر، هو توفير الإمدادات الكافية للأسواق مع ازدياد الطلب حسب تغيير المواسم. ونحن نحث، في هذا السياق، الدول المنتجة الكبرى على التجاوب مع هذه المطالب. إن استمرار انقطاع الإمدادات، بالإضافة إلى وهن الاقتصاد العالمي، يدعوان إلى زيادة فورية في الإمدادات بطريقة تنافسية مما يسمح لمصافي التكرير زيادة إنتاج المحروقات بطريقة تنافسية ومن تلبية احتياجات المستهلكين المتزايدة حسب المواسم المختلفة. إن البديل لهذه الإجراءات، هو حدوث ضغط أكبر على الإمدادات واحتمال ارتفاع الأسعار بشكل يهدد بإجهاض عملية الانتعاش الاقتصادي بعد الأزمة المالية، وهذا ليس في مصلحة المنتجين أو المستهلكين". وفي اليوم التالي (9 حزيران-يونيو)، صرح المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض في واشنطن بأن إمدادات أوبك من النفط الخام غير كافية أو متناسبة مع الطلب العالمي وأن الولايات المتحدة أجرت محادثات مع الدول المنتجة حول هذا الأمر، كما أعلن أن الرئيس باراك أوباما يدرس البدائل المتوفرة، ومنها استعمال المخزون النفطي الاستراتيجي المتوفر لدى الولايات المتحدة لمواجهة أي ارتفاع في الأسعار.

أما فيما يتعلق بالدول المنتجة، فإن الآثار المترتبة على هذه التطورات قد تكون إيجابية على المدى القصير وتتركز حول ارتفاع أسعار النفط ومن ثم زيادة العوائد المتحققة، غير أن هناك ثمناً باهظاً قد تضطر منظمة أوبك إلى دفعه، إذا استمرت هذه الخلافات بين أعضائها. فبعد كارثة فوكوشيما النووية، والشكوك التي أُثيرت بشأن سلامة المنشآت النووية، وبالذات بعد أن قررت كلٌّ من اليابان وألمانيا وسويسرا عدم تشييد مفاعلات نووية جديدة، في هذا الوقت بالذات الذي أخذت فيه دول العالم تعتمد أكثر على المواد الهيدروكربونية (نفط وغاز)، اختلفت أوبك، وبدأ التساؤل حول مصداقيتها مرة أخرى، لكن التساؤل هذه المرة لم يكن حول مصداقية أوبك في تنفيذ قراراتها، كما كان الأمر سابقاً، بل حول إمكانية أوبك ملاقاة ازدياد الطلب العالمي على الطاقة فعلياً، حتى لا يكون هناك شح في البنزين، ولا ترتفع الأسعار إلى مستويات عالية جداً تفوق إمكانية المستهلكين وقدرتهم على دفعها. هذه هي بعض الأمور التي يتوجب على الدول المنتجة التعامل معها، في حال استمرار الأزمة الحالية.

Share