أوباما ونتنياهو: عود على بدء

  • 31 مايو 2011

في التاسع عشر من شهر مايو الحالي (2011)، وفي أول خطاب شامل للرئيس الأمريكي عقب ربيع التغيير في الوطن العربي، دعا إسرائيل للمرة الأولى إلى العودة إلى حدود1967، وأكد أن الدولة الفلسطينية المقبلة يجب أن تقام على هذه الحدود مع تبادل للأراضي مع إسرائيل. وهو ما يتفق إلى حد كبير مع موقف السلطة الفلسطينية من التسوية، مع أن الشيطان يكمن في التفاصيل، لكن الغريق يتعلق بأي شيء يتخيل أنه يمكن أن ينقذه.

لم تكن هذه هي الحسنة الوحيدة في خطاب أوباما بالنسبة للمتفائلين دوماً بمستقبل التسوية، وإنما سرهم ما بدا من أن أوباما يحاول بصفة عامة أن يتحدث بنوع من التوازن عن الطرفين. صحيح أنه تبنى وجهة النظر الإسرائيلية بخصوص المصالحة بين فتح وحماس، ووصف الاتفاق الذي تم بشأنها في القاهرة بأنه "يثير تساؤلات عميقة ومشروعة داخل إسرائيل، إذ كيف يتسنى لأحد التفاوض مع طرف سبق أن أظهر عدم استعداده للاعتراف بحقك في الوجود، ولذا فإنه سيتعين خلال الأسابيع والأشهر القادمة على القادة الفلسطينيين تقديم إجابة يمكن الوثوق بها على هذا السؤال". لكنه بالمقابل تحدث عن "خوف" الإسرائيليين على أمنهم و"ذل" الفلسطينيين من الاحتلال، وعن استمرار أنشطة الاستيطان الإسرائيلية وانسحاب الفلسطينيين من المفاوضات، وهي ثنائيات توحي بأنه يرى العدل في مطالب الطرفين ورؤاهما، وهو ما يرضي "عرب التسوية" إلى حد بعيد.

ويقال إن بعض مستشاري أوباما حاولوا إثناءه عن تضمين الفقرة الخاصة بحدود1967 في الخطاب على ضوء خبرته السابقة الفاشلة في إقناع إسرائيل بوقف الاستيطان مقابل استئناف المفاوضات، ولا شك في أن يكون هؤلاء الخبراء أكثر دراية منه بكثير بحقائق الصراع العربي-الإسرائيلي الذي يشير سجله إلى أن الولايات المتحدة لم تنجح منذ نشأة إٍسرائيل في إقناعها بوجهة النظر الأمريكية التي تختلف أحياناً مع مثيلتها الإسرائيلية اللهم إلا ذلك المثل اليتيم في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور، والذي أجبر فيه إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة الفلسطيني عقب تواطئها في العدوان على مصر في عام 1956 مع كل من بريطانيا وفرنسا. لكن أوباما كما هو واضح لم يستمع إلى النصيحة المخلصة.

كان رد الفعل الإسرائيلي متوقعاً بطبيعة الحال؛ لأن إسرائيل تعتبر العودة إلى حدود 1967 انكشافاً لأمنها، وتعريضاً للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية للخطر بعد أن يحكمها الفلسطينيون. وبالفعل في اليوم التالي مباشرة لإلقاء الخطاب استقبل أوباما رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد أشار الرئيس الأمريكي عقب اللقاء إلى وجود "خلافات مع إسرائيل في شأن عملية السلام". وتأكيداً لذلك صرح نتنياهو بأنه "مستعد للتنازل، إنما لا يمكن العودة إلى خط حدود 1967". وكان قد تسرب أن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قد خاضت سجالاً حاداً مع نتنياهو في اتصال هاتفي سبق خطاب أوباما بساعات، وأن الأخير اعترض على تضمين الخطاب فقرة عن العودة إلى حدود 1967، وإن كان اعتراضه لم يؤخذ به مع الإشارة إلى أن كلينتون ساعدت أصلاً في تضمين هذه الفقرة في النص.

قام أوباما بشن "هجومه المضاد" في الخطاب الذي ألقاه في الثاني والعشرين من شهر مايو، أي بعد ثلاثة أيام فقط من الخطاب الذي أشار فيه إلى حدود 1967 كأساس للتسوية وظهور دولة فلسطينية. ألقى أوباما خطابه هذا في المؤتمر السنوي للإيباك (أقوى تنظيم بين جمعيات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة). ونستطيع بداية أن ندرك مدى انحياز الخطاب لإسرائيل عندما نعلم أنه قوطع بالتصفيق أكثر من أربعين مرة، لكنه قد يكون من المناسب التركيز على شرح أوباما موقفه من مسألة حدود 1967. فقد أشار أوباما إلى أن موقفه في هذا الصدد قد أسيء تفسيره مرات عديدة، ثم أضاف ما نصه: "دعوني أعيد التأكيد على معنى حدود 1967 مع تبادل أراضٍ يتفق عليها الطرفان. بالتعريف هذا يعني أن الطرفين سوف يتفاوضان للتوصل إلى حدود سوف تكون مختلفة عن تلك التي كانت موجودة في 4 يونيو1967" (تصفيق).

يعني ما سبق أن أوباما قد تراجع ببساطة عن موقفه الذي كان قد سبق له أن أعلنه منذ ثلاثة أيام فحسب، وفي هذه الصياغة الثانية تبدو شبهة الاعتراف بأن الاحتلال العسكري يمكن أن ينشئ حقوقاً إقليمية أقوى من الصيغة الأصلية، وهو ما يتناقض مع ديباجة القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في نوفمبر1967، والذي ارتضته جميع الأطراف أساساً للتسوية، وإن راوغت إسرائيل كعادتها في فهمها للقرار، مستغلة المشكلة اللغوية الشهيرة، وهي عدم وجود أداة التعريف في النص الإنجليزي حيث يكون منطوق القرار بخصوص الانسحاب "من أراضٍ احتلت"، فيما يتمسك العرب بالنص الفرنسي الذي يتضمن أداة التعريف والذي يجعل الانسحاب شاملاً بالتأكيد "من الأراضي التي احتلت"، والواقع بالإضافة إلى ذلك أن كافة المناقشات والمداولات التي سبقت إصدار مجلس الأمن قراره لا تشير من قريب أو بعيد إلى أن الانسحاب لن يكون شاملاً.

لكن رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي لم يكتف بهذا التراجع. فقد ذهب الرئيس الأمريكي إلى جمعية صهيونية أمريكية، فيما اتجه نتنياهو مباشرة إلى الذراع التشريعية للحكومة الأمريكية؛ حيث يثق أن اللوبي الصهيوني يتمتع بنفوذ قوي فيها، وقد قوطع خطاب نتنياهو أمام الكونجرس بالتصفيق الحاد مع الوقوف احتراماً ثماني مرات على الأقل، مع أن المقاطع التي حدث فيها هذا هي بصفة عامة الأسوأ في خطابه من وجهة النظر العربية ولاسيما الفلسطينية. في خطابه أمام الكونجرس وضع نتنياهو كل ما يملك من مقدرة لغوية ساعده عليها إتقانه اللغة الإنجليزية بلكنة أمريكية واضحة نتيجة تكوينه العلمي السابق في الولايات المتحدة. لكن الأهم أنه وظف كل ما يملكه من منطق أعوج يعلم أن أعضاء الكونجرس سيقبلونه طائعين أو مكرهين.

في الخطاب ارتدى نتنياهو ثوب راعي السلام، إذ يجب وفقاً لهذا الخطاب أن نقيم "سلاماً دائماً مع الفلسطينيين"، وهو مستعد لتقديم تنازلات "مؤلمة" من أجل هذا الهدف بناءً على رؤية الدولتين، "كما أننا في سبيل السلام سوف نتنازل عن جزء من وطننا"، غير أن نتنياهو أوضح للكونجرس أنه عاجز عن التقدم في هذا الطريق؛ لأن الطرف الآخر، أي الفلسطينيين، غير قادر على قبول وجود "دولة يهودية". كما أن للسلام شروطاً منها أن إسرائيل لن تعود إلى حدود 1967، وأنها ستحتفظ بالكتل الاستيطانية الكبرى، "لكننا سنكون أسخياء بشأن حدود الدولة الفلسطينية"(!)، كما كرر نتنياهو موقفه الرافض عودة اللاجئين وتقسيم القدس، ودعا الرئيس الفلسطيني إلى تمزيق المصالحة مع حماس والتخلي عن جهود الحصول على وضع الدولة في الأمم المتحدة، وأكد أن إسرائيل ستكون أول دولة ترحب بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة إن اعترف أبو مازن بدولة يهودية.

يتكرر أمامنا من جديد نموذج العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية عامة، وفيما يتعلق بتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي خاصة؛ حيث ترتدي الإدارة الأمريكية ثوب الأسد وتتقدم بخطط لا بأس بها لتحريك جهود التسوية، فتسدد لها إسرائيل ضربة قاضية عن طريق أدوات قوتها في ساحة السياسة الأمريكية. ومع ذلك ينخدع العرب في كل مرة بإمكان أن تفضي المحاولات الأمريكية إلى جديد. أما الموقف الفلسطيني فلا حول له ولا قوة؛ نتفاوض على أساس من رؤية أوباما بصدد العودة لحدود 1967، فإن استمر الرفض الإسرائيلي لها فلن يكون أمامنا سوى الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر للاعتراف بالدولة الفلسطينية فما الذي يعنيه هذا سواء بالنسبة للفلسطينيين أو للعرب؟ وهل ثمة بدائل أمامهم؟ تلك قضية أخرى يمكن العودة إليها لاحقاً.

Share