أوباما ألغى قضية تغير المناخ من جدول أعماله

  • 21 فبراير 2010

في دفع قوي للجدل المتعلق بقضايا "المناخ – غيت، وأنهار الجليد – غيت، والأمازون – غيت" التي تحيط حالياً باللجنة الحكومية الدولية للتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة، خص الاقتصادي المستشرف والمخطط الرئيسي للثورة الصناعية الثالثة، البروفيسور جيرمي ريفكن، موقع مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية على الإنترنت بمقابلة متبصرة وصريحة.

في هذه المقابلة، التي أجريت على هامش مشاركته في المؤتمر السنوي الخامس عشر الذي عقده المركز في الفترة من 1-3 فبراير 2010، بعنوان: "مخرجات التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون"، تحدث مؤسس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية ورئيسها بإسهاب عن الخطط والآليات المتعددة لتحقيق الثورة الصناعية الثالثة الكونية؛ من أجل إنقاذ العالم من الخطر الثلاثي المتمثل بالأزمة المالية العالمية وأزمة الطاقة والتغير المناخي. وقد انتقد البروفيسور ريفكن افتقار إدارة أوباما إلى الإرادة السياسية لمجابهة خطر الاحتباس الحراري. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: دار كثير من الجدل مؤخراً حول الاحتباس الحراري، وأثر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في تغير المناخ. وسمعنا عن فضيحتي "المناخ – غيت" و"الأمازون – غيت" وموضوع أنهار الجليد في جبال الهملايا وغيرها. يدعي العديد من المعلقين بأن القوى الغربية تحتاج إلى ثورة صناعية جديدة لعكس اتجاه القوة الاقتصادية نحو آسيا. وهذا هو السبب وراء ترويجهم لثورة الطاقة. كيف ترد على هذا الادعاء؟

ج: ما يسمى بقضية "المناخ – غيت" هي لا شيء، وليس لها علاقة بالقوى الغربية. هل يمكن لنحو 2500 عالم و125 دولة أن يكونوا جزءاً من مؤامرة؟ أشك في ذلك. إذا ألقيت نظرة على التقرير التقييمي الثالث للجنة الحكومية الدولية للتغير المناخي لعام 2001، وقارنته مع التقرير الرابع لعام 2007، يبدو الأمر مرعباً. فما صدمنا، في تقرير 2007، هو أن كل ما فهمناه طوال الثلاثين عاماً الماضية عن تغير المناخ كان خطأً. لقد قللنا من سرعة التغير المناخي بسبب حلقات التغذية المرتدة. والحق أنه من الصعوبة بمكان وضع نموذج لحلقات التغذية المرتدة. لقد اكتشفنا أن وتيرة التغير المناخي تسير بسرعة أكبر مما كنا نعتقد. في عام 2001، تنبأت النماذج الموضوعة بأن الأنهار الجليدية سوف تذوب في القرن الثاني والعشرين، فيما كشف تقرير 2007 بأن ما يزيد عن 60 بالمائة من الذوبان سوف يحصل في منتصف هذا القرن. وذلك أقرب بكثير مما توقعنا.

س2: ولكن اللجنة نفسها، أي اللجنة الحكومية الدولية للتغير المناخي، أقرت بأن العام 2035، وهو التاريخ النهائي لذوبان الأغطية الجليدية في جبال الهملايا، هو تاريخ خاطئ.

ج: كلا، أنا لا أتكلم عن الهملايا. ما أعنيه هو أنه عند النظر إلى سلاسل الجبال حول الكرة الأرضية، مثل الإنديز والألب، فإننا نرى أن ذوبان الأغطية أو الأنهار الجليدية يحدث بوتيرة أسرع مما توقعنا في 2001. وإليك نقطة أخرى تتعلق بخليج المكسيك. في عام 2001، كانت التوقعات تشير إلى أننا سوف نشاهد تزايداً لنشاط الأعاصير في تلك المنطقة في القرن الثاني والعشرين. ولكن في عام 2007، ومع أعاصير كاترينا وريتا وغوستاف وآيك، رأينا أن كثافة الأعاصير تضاعفت في السنوات العشرين الماضية. وبشكل مماثل، فإن القطب الشمالي كان مصدر صدمة كبيرة. في التقرير الثالث (2001)، حُدد بأن المياه المفتوحة في القطب الشمالي سوف تظهر في صيف القرن الثاني والعشرين. ولكن عند صدور التقرير الرابع (2007)، كانت المياه المفتوحة موجودة بالفعل، وخلال ثلاثة فصول صيف متلاحقة. لم نشاهد هذا الأمر منذ ثلاثة ملايين سنة. هذا الأمر ليس ظاهرة مؤقتة أو عارضة. لقد وُجد الإنسان منذ 175000 سنة. لم تكن هناك من مياه مفتوحة في القطب الشمالي منذ ثلاثة ملايين سنة. وهم يقولون إن هذا تغير طبيعي! كلا، إنه ليس كذلك. مثال آخر هو حالة الجمد السرمدي في سيبيريا، والذي تم ذكره في التقرير الرابع (2007). وقد أثارت فينا الدراسات المتعلقة به في التقرير ذعراً شديداً. ما يوجد تحت الجمد السيبيري هو قنبلة موقوتة تشكل كل الترسبات العضوية للعصر ما قبل الجليدي. لقد كانت سيبيريا فيما مضى منطقة خضراء كثيفة مليئة بالحيوانات والنبات. وعندما تتغير درجة حرارة الأرض، فإنها تتغير تغيراً دراماتيكياً. وقد بدأ الجمد في سيبريا بالذوبان بشكل كبير. هناك كمية من الكربون في مناطق الجمد تزيد عن تلك الموجودة في كل الغابات المطيرة مجتمعة، وسوف يخرج منها كل ثاني أكسيد الكربون في حالة ذوبانها. وفي الواقع، فإن المناطق المتجمدة لا تخزن أسفلها الكربون فقط، بل هناك أيضاً غاز الميثان الذي تفوق قدرته على رفع درجة الغلاف الجوي 22 ضعفاً قدرة غاز الكربون. ومنذ سنة ونصف تقريباً، تم نشر ذلك في مجلتي الطبيعة Nature والأكاديمية الملكية للعلوم Royal Academy of Science. وبعد 12 شهراً، فإن وتيرة الذوبان كانت أسرع ست مرات مما توقعنا. هذه واحدة فقط من القنابل الموقوتة.

وعلى الرغم من ذلك يدعي المشككون في التغير المناخي بأن هذا الأمر هو مجرد مؤامرة حاكتها الأعمال التجارية. كلا، إنها ليست كذلك. لقد حاربت الأعمال التجارية هذا الموضوع دائماً، ولاسيما شركات الطاقة وشركات الخدمات. ولكن فجأة أصبح الأمر مجرد مؤامرة للأعمال التجارية؟!! كلا، إني أعرف الشركات التي تتحرك باتجاه الثورة الصناعية الثالثة لأنني جمعتها معاً بنفسي. لقد اقتنعوا أخيراً بالثورة الصناعية الثالثة بسبب وجود فرص تجارية لهذا الموضوع، مثل الحال مع شركات المقاولات والشركات العقارية وشركات تقنية المعلومات وبعض شركات الخدمات والنقل التي قامت بهذا التغيير؛ لأنهم يرون أن الطرق القديمة لأداء الأعمال التجارية لا تعمل، وأن نسب الأرباح تنخفض. وهم يدركون بأن هذا الأمر يقدم فرصاً جديدة. في الواقع، من الجيد قيامهم بالاستفادة من فرص الأعمال الجديدة.

س3: كيف تستطيع الثورة الصناعية الجديدة المعتمدة على الطاقة النظيفة إيجاد فرص للأعمال والوظائف في المجتمعات؟

ج: أحد الأمور التي أدخلناها في نموذج الأعمال هذا هو وضع شروط على الشركات كي يكونوا جزءاً من الشبكة التي أنشأتها (شبكة الهيدروجين الخضراء The Green Hydrogen Network). الشرط الأول هو أن كل الأعمال يجب أن تبقى محلية. مثلاً شركة كيو سل Q-Cell (أكبر مصنعي العالم للخلايا الكهروضوئية للطاقة الشمسية) تستطيع أن تذهب إلى سان أنطونيو في تكساس وإلى روما، ولكن يجب أن يساعدوا على تدريب الشركات المحلية، كما يمكنها الاستثمار فيها. ولكن في النهاية كل الشركات المحلية ستبقى وتتولى الإنتاج. الشرط الثاني هو تحكم الناس في الطاقة. وقد أدخلنا التعاونيات الكبيرة في هذا المجال. فقد جعلنا التحالف التعاوني الدولي ICA يصدر قراراً بهذا الخصوص. وسوف ننشئ تعاونيات للطاقة في المدن (وقد بدأنا ذلك في روما)، مثل تعاونيات الإسكان وتعاونيات البيع بالقطاعي، بحيث يتحكم الناس بالطاقة التي يستخدمونها ليبيعوها مجدداً إلى شبكة الكهرباء. وهذا لا يعني أنهم سوف يملكون شبكة الكهرباء أو يديرونها، بل هذا هو عمل شركات الخدمات، ولكن هذه وسيلة لتطبيق الديمقراطية في مجال الطاقة. ولهذا، فإننا ننظر إلى هذا كنموذج للسوق الاجتماعي للقرن الحادي والعشرين، هدفه النهائي إيصال الطاقة إلى الناس.

س4: هل يمكن أن توضح لنا أكثر هذا النموذج الجديد للأعمال المعتمد على التعاونيات؟

ج: السبب وراء دخول الشركات الكبيرة في شبكة الهيدروجين الخضراء هو أنهم لا يملكون خطة بديلة. إذا قرروا تولي الأمر بمفردهم مثلاً، فلن يستطيعوا الحصول على مدينة أو منطقة كاملة. وقد كان من الغريب بالنسبة لهم العمل مع التعاونيات في البداية، ولكنهم الآن يتفهمون الأمر. فمثلاً، يمكن الآن لشركتي فيليبس وشنايدر الحصول على تطبيق للتكنولوجيا الجديدة على نطاق واسع، من خلال اتفاقيات التوفير المشتركة مع تعاونيات الطاقة. هذه نماذج لأعمال تجارية جديدة تجمع معاً نموذج اقتصاد السوق والنموذج الاجتماعي. إنني من أشد المؤمنين بالفكرة الأوروبية التي توازن بين اقتصاد السوق والنموذج الاجتماعي. ولكن دعني أوضح بأني من أشد المؤمنين بالسوق؛ فقد قمت بالتدريس في أقدم مدرسة للأعمال في العالم (كلية واترون بجامعة بنسلفانيا). إنني أؤمن بالسوق كمحرك لأخذ المجازفات المطلوبة وللإبداع الشخصي، ولكني أؤمن أيضاً أنه إذا ترك السوق حراً تماماً من غير تنظيم، كما فعلنا منذ عهد رونالد ريغان إلى جورج دبليو بوش، فإننا نصل إلى وضع سيئ يمتلك الرابح فيه كل شيء. فالسوق لا يستطيع تنظيم نفسه، وبالتالي يغدو منفلتاً. ولهذا السبب يجب وضع نموذج اجتماعي قوي، مؤلف من المجتمع المدني والحكومة لكي تتوزع نتائج الأعمال بشكل واسع.

س5: ما مدى قربنا من تكميل الإبداع المالي بالإبداع في مجال صناعة الطاقة النظيفة؟ وما مدى سرعة حصول هذه الثورة الصناعية الجديدة التي ستنقذ الاقتصاد العالمي؟

ج: إن التكنولوجيا موجودة. والبنية التحتية رباعية الأعمدة للثورة الصناعية الثالثة (الطاقة المتجددة، المباني التي تخدم كحقول طاقة إيجابية، تخزين الهيدروجين، وشبكات الكهرباء الذكية والآليات ذات المحركات الكهربائية) كلها ذات معنى مقبول. وكل مجال عمل في المدينة والدولة والعالم يقول بأنها ممكنة التحقيق. ولكن هل ستتم في الوقت المناسب؟ هناك الكثير من المصالح القديمة والأعمال المركزية والمصالح السياسية … وطرق التفكير القديمة التي تقف في وجهها. التحدي هو تحدي جيل في الأساس.  يجب أن يكون لدينا خطة عمل تتيح انخراط الجنس البشري كله في الثورة الصناعية الثالثة خلال السنوات العشر القادمة؛ لأنها تحتاج في الحقيقة إلى 30 سنة لتبدأ بالعمل. بالنسبة للدول الصناعية، فيجب أن تسير قدماً باتجاه الثورة الصناعية الثالثة في الخمس سنوات القادمة.

س6: ما الوقت المتبقي لعكس التغير المناخي؟

ج: لن نستطيع عكسه، بل نستطيع إبطاءه. إذا كان أكبر علماء المناخ لدينا محقاً، فإن جيلنا الشاب يواجه مشكلة. ولكننا نتجه في الاتجاه الخاطئ، فقمة كوبنهاجن لتغير المناخ (ديسمبر 2009) كانت كارثة. لا يبدو أن أحداً يريد العودة إلى المسار الصحيح. حتى الولايات المتحدة لا تتعاطى مع التغير المناخي، وقد ألغى الرئيس بارك أوباما هذا البند من أجندة عمل إدارته.

س7: ولكن ميزانية الولايات المتحدة قد خصصت مبالغ كبيرة للأبحاث والتطوير في مجال الطاقة النظيفة؟

ج: في خطاب حالة الاتحاد، كان الموضوع بأكمله عن الطاقة الذرية والفحم، والتنقيب عن الغاز والنفط في الآبار البحرية. ولا يزال الأمريكيون يتكلمون عن المواد المتجددة فقط لإرضاء الجميع. فلا يزال النظام القديم هو السائد مع إضافة طفيفة من الجديد. أعتقد أن على الاتحاد الأوروبي أن يأخذ زمام الأمور وأن يكون أكثر حزماً.

س8: ولكن هل ستكون الثورة الصناعية الثالثة كثيفة رأس المال؟ وهل ستخلق فرص عمل جديدة؟ وهل ستكون البلدان النامية في موقع ضعيف؟

ج: نعم، إن الثورة الصناعية الثالثة كثيفة العمل. وبما أنها تتطلب تغييراً شاملاً للبنية التحتية الاقتصادية في كل دولة، فإنها ستوفر ملايين فرص العمل في مجالات تقنيات الطاقة المتجددة وتقنية المعلومات ومهارات الحوسبة وغيرها.

ففي السنوات الـ 40 القادمة، سوف نحتاج إلى إنشاء بنية تحتية كبيرة للطاقة. يجب أن نستثمر في الطاقة المتجددة، وتحويل كل مبنى إلى محطة طاقة، وإنشاء مخازن للهيدروجين في كل أنحاء البلاد، وإعادة تحويل كل خطوط الطاقة والنقل، وتأسيس صناعة سيارات جديدة وغيرها. وهذا كله يتطلب العمل المكثف، وسوف يخلق الملايين من فرص العمل. وعند الانتهاء من وضع البنية التحتية للثورة الصناعية الثالثة، يجب التفكير بخلق مزيد من فرص العمل في المجتمع المدني؛ لأن قسماً كبيراً من الوظائف سوف يتم بواسطة التكنولوجيا الذكية.

وبالنسبة للدول النامية، قد تكون لها أفضلية إذا ما بدأت التطبيق مبكراً. وفي هذه الحالة، لن تعتمد هذه الدول على استيراد الطاقة، بل سيكون لديها مصادر طاقتها المحلية. وقد يتم وضع ألواح للطاقة الشمسية في كل منزل في هذه البلدان، إذا ما استطعنا تخفيض أسعارها.

وفي الواقع، هناك إمكانية لإعادة صياغة للعولمة من أسفل إلى أعلى. فالواقع الجيوسياسي الراهن تم تشكيله في فترة الوقود الأحفوري. وقد دفع الكثير من الناس حياتهم لتأمين الفحم والنفط والغاز واليورانيوم. ولا حاجة للتذكير بمدى الاستغلال الذي عانته شعوب هذه المنطقة من العالم على يد الاستعمار. ولا أدري لماذا تواجه الفكرة القائلة بأن كل الطاقات المتجددة سوف تكون محلية بصعوبات لجعلها حقيقة. ولكن هذا يتطلب التزاماً بإنفاق البلايين من الدولارات، وليس مجرد 50 بليون دولاراً. كما يتطلب الأمر تغييراً في الجنس البشري وفي القلب البشري؛ يجب أن نرى أنفسنا كعائلة واحدة. وهذا هو التحدي الصعب.

Share