أهميّة تجاوز الأزمة في‮ ‬العراق

  • 12 يناير 2012

يعيش العراق أزمة معقّدة ومتعدّدة الجوانب، حيث التوتر السياسي الذي يهدّد العملية السياسية من ناحية، والتهديد الأمني الذي يجسّده تنظيم “القاعدة”، الذي ما زال يمثّل خطراً كبيراً على الأمن والاستقرار في البلاد، من ناحية أخرى، إضافة إلى محاولة قوى التطرّف والعنف تأجيج التوترات الطائفية وإعادة العراق مرة أخرى إلى حالة الاحتقان الطائفي الدموي التي سادت بشكل خاص بعد “تفجير سامراء” عام 2006

في ظل هذا الوضع فإنه من الضروري أن تتحرّك القوى السياسية المختلفة نحو طاولة الحوار من أجل تجاوز المأزق السياسي الحالي وعدم ترك الأمور إلى مزيد من التفاقم والتعقيد ومن ثم إدخال البلاد في منزلق حرج، خاصة أن تحدّيات إعادة البناء، المادي والسياسي، من الضخامة بحيث لا يمكن التعامل معها إلا عبر إطار وطني جامع يقوم على حالة من التوافق والوحدة الوطنية من أجل التأسيس القوي للعراق الجديد الموحّد والقائم على المواطنة والتعايش بين الطوائف والمذاهب والأعراق المختلفة.

وإذا كان العراق يعيش حالة من التوتر السياسي والأمني تصاعدت حدّته خلال الفترة الأخيرة، فإن الصورة ليست كلّها قاتمة، وإنما هناك إدراك يتزايد ويتسع لخطورة استمرار هذا الوضع وأهميّة التحرّك من أجل الخروج منه وهذا جانب إيجابي من المهم البناء عليه والدفع في مساره بكل قوة، وفي هذا السياق تأتي دعوة الرئيس العراقي، جلال طالباني، إلى الوئام الوطني وبناء الشراكة الوطنية الحقيقية لإدارة البلاد، كما يأتي الحديث عن انعقاد المؤتمر الوطني، الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، في نهاية الشهر الجاري، والسّعي نحو عقد لقاء سداسي خلال الأيام المقبلة يضمّ رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس إقليم كردستان ورئيس “القائمة العراقية” ورئيس “التحالف الوطني”. هذا الحراك السياسي على الساحة العراقية يعني أن هناك محاولات للسيطرة على التوتر في البلاد، وأن هناك إدراكاً لحقيقة أنه في ظل الخلافات السياسية، لا يمكن أن تخطو البلاد خطوات جديّة إلى الأمام ولا يمكنها التعامل الفاعل مع تحدّياتها والتصدّي للمخاطر التي تحيط بها على مستويات مختلفة، وأن التوافق القائم على الحلول الوسط هو الطريق الأساسي للتعامل مع هذه الخلافات، خاصة أن التجربة أثبتت خلال السنوات الماضية أنه لا بديل للشراكة الحقيقية القائمة على حسن النيّة وجعل مصلحة البلاد العليا فوق كل المصالح الفئوية الضيّقة.

العراق اليوم، بكل قواه وتياراته وطوائفه، في حاجة إلى استلهام المعاني السّامية التي انطوى عليها إقدام ضابطين سنّة مؤخراً على التضحية بنفسيهما من أجل إنقاذ زوّار شيعة كانوا متوجّهين إلى كربلاء، ما جعلهما رمزاً للوحدة الوطنية ومثالاً على أهميّة التضحية من أجل الوطن والقفز فوق الاعتبارات الطائفية وجعل المصلحة الوطنية العليا أكبر من أي مصالح أخرى وأهم منها.

Share