أهمية استثمار هذا التحول الإيجابي

  • 21 سبتمبر 2008

الدراسة التي أعدها معهد "بيو" الأمريكي للأبحاث، ونشرت نتائجها، مؤخراً، في وسائل الإعلام، حول موقف المسلمين في العديد من الدول الإسلامية تجاه ابن لادن والعمليات الانتحارية، تشير إلى تحول له دلالته المهمة، في إطار الحرب المستمرة والمعقدة ضد الإرهاب. حيث أكدت نتائج الدراسة أن عدد المسلمين المؤيدين لزعيم تنظيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، والذين يعتبرون أن العمليات الانتحارية مقبولة، قد تراجع بشكل كبير، خلال الأعوام الستة الأخيرة.

السؤال المهم هنا هو: ماذا تعني هذه النتائج؟ تعني أكثر من أمر: الأول هو أن الإرهاب، وبرغم أنه ما زال قادرا على الضرب هنا وهناك وتنفيذ عملياته في مناطق مختلفة من العالم، فإنه يخسر التعاطف معه، ويكتشف مؤيدوه يوما بعد آخر زيف دعاويه، ولعل ما حدث في العراق يمثل مؤشرا مهما في هذا السياق، حيث جاء تنظيم "القاعدة" إلى هناك تحت ستار مقاومة الاحتلال الأجنبي بعد عام 2003، إلا أنه سرعان ما كشف عن وجهه الدموي ضد أبناء الشعب العراقي كافة، وهذا أدى إلى الانقلاب عليه من قبل أبناء العشائر، الذين شكلوا "مجالس الصحوة" لمقاتلته وطرده من مناطقهم. الأمر الثاني، هو أن الإرهاب يخسر حرب الأفكار، فإذا كان مؤيدوه يتراجعون، فإن هذا يعني أنه لم يعد قادرا على الاستمرار في إقناعهم بالمنطق الذي يقوم عليه أو "الفكرة" التي ينطلق منها، وهذا يمثل ضربة قوية لقوى التطرف والإرهاب، لأن خطر هذه القوى الكبير لا يكمن فقط في عملياتها الإرهابية المدمرة والدموية، وإنما أيضا، وهذا هو الأهم، في الأفكار والتوجهات التي تعمل على ترويجها وإقناع الناس بها ونشرها. الأمر الثالث الذي تشير إليه نتائج الدراسة الأمريكية هو أن المسألة لا تتعلق بتشجيع الإسلام على الإرهاب والتطرف، كما زعم ويزعم بعضهم، وحاول أن يروج لذلك خلال السنوات الماضية، وإنما بقوى تربط نفسها به لخداع قطاعات من المسلمين، إلا أن انكشاف هذا الخداع مع الوقت يدفع هذه القطاعات إلى مراجعة مواقفها وتوجهاتها. وإذا كانت حرب الأفكار هي أهم جوانب الحرب ضد الإرهاب وقواه وتنظيماته وأخطرها، فإنه من المهم استثمار النتائج التي توصلت إليها دراسة معهد "بيو" بما يجرد الجماعات الإرهابية من مؤيديها والمتعاطفين معها بشكل نهائي، وهذا يكون من خلال سياسات تعالج الأزمات والمشكلات التي تستغلها هذه الجماعات وتستند إليها من أجل ممارسة الخداع وكسب المؤيدين، وفي مقدمة هذه المشكلات مشكلة الصراع العربي-الإسرائيلي، فلا شك في أن إيجاد حل عادل وشامل ومقبول من الأطراف كافة لهذا الصراع، سوف يمثل ضربة قوية لقوى التطرف والإرهاب التي تتاجر به وتستغله لترويج رؤاها، ودعما كبيرا لقوى الاعتدال، السياسي والفكري، في منطقة الشرق الأوسط، وهي القوى التي تجد نفسها في موقف صعب في ظل استمرار الصراع دون حل جذري ونهائي.

Share