أهداف وكالة الطاقة الدولية من السحب من مخزون النفط الاستراتيجي

  • 10 يوليو 2011

تأسست وكالة الطاقة الدولية في عام 1974، بمبادرة من وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، هنري كيسنجر، كرد فعل على قرار الدول العربية النفطية إعلان مقاطعتها النفطية للولايات المتحدة وهولندا لمساندتهما إسرائيل في حرب عام 1973. ومنذ تأسيسها في تلك الفترة، وحتى سنوات قريبة، نشب صراع كبير بين المنظمتين العالميتين (وكالة الطاقة الدولية، التي تدافع عن مصالح الدول الصناعية الكبرى المستهلكة للنفط، ومنظمة أوبك، التي تدافع عن مصالح الدول المنتجة للنفط). لكن، بعد محاولات شاقة ومضنية، تحسنّت العلاقات بين الطرفين، فتم عقد الاجتماعات المشتركة، وتبادل المعلومات، والمشاركة سواسية في منتدى الطاقة العالمي (مقره الرياض)، وذلك من أجل الوصول إلى شفافية أكبر في مجال الطاقة لصالح كل من المنتجين والمستهلكين. بل يمكن القول إنه تم تحقيق تعاون كبير بين الطرفين في أثناء الأزمات العالمية، من أجل التأكد من أن الإمدادات النفطية متوفرة بشكل واف، وضمان ألا تحدث أية انقطاعات للإمدادات في الأسواق. وفي العقد الأخير تحسنت العلاقات بين المنظمتين بشكل مميز.

بيد أن قرار وكالة الطاقة الدولية في 23 حزيران (يونيو) الماضي الخاص بسحب نحو 60 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية من الاحتياطي الاستراتيجي للدول الأعضاء على مدى شهر تموز (يوليو)، أي ما يعادل مليوني برميل يومياً، وما سبقه من بيانات وتصريحات تهديدية للدول الأعضاء في منظمة أوبك، وللمنظمة نفسها، هذه الخطوات تشكل منعطفاً خطيراً في العلاقات بين المنظمتين، وبالتالي بين المنتجين والمستهلكين.

والسبب في هذا الخلاف هو الهدف من عملية السحب. فالادعاء الرسمي للوكالة أن سبب اللجوء للسحب هو تعويض النقص الناتج عن انقطاع النفط الليبي (1.6 مليون برميل يومياً)، على الرغم من أن دول الخليج العربية (السعودية، الإمارات، والكويت) كانت قد أعلنت أن لديها طاقة إنتاجية فائضة، وأنها مستعدة لتعويض أي انقطاع للإمدادات الليبية. ومن الجدير بالذكر، أن تعهدات هذه الدول الثلاث كانت في محلها في الفترات السابقة، أي إنها ذات مصداقية مجربة، وأنها قامت فعلاً، بتعويض النقص الذي حدث في الإمدادات في حينه. بمعنى آخر أن لديها ما يكفي من المصداقية في هذا المجال، علماً بأن هذه الدول تتحمل مليارات الدولارات من النفقات سنوياً للمحافظة على هذه الطاقة الإنتاجية الفائضة للأوقات الاستثنائية، مثل تلك التي نشاهدها الآن، والشركات النفطية العالمية وحكوماتها على علم بهذا الامر. لكن الدول المستهلكة تحججت بأن النفط الذي يتم تعويضه، ليس من نوعية النفط الليبي الخفيف، فمواصفاته تختلف، على الرغم من تأكيد شركة أرامكو السعودية أنها تزود الأسواق بنوعية النفط الليبي نفسها. كما أعلنت الدول المستهلكة أيضاً، ضمن سلسلة اعتراضاتها، أن النفط الذي يتم تعويضه من دول الخليج لا يصل إلى الأسواق في الوقت المناسب. وهذه التبريرات تبقى محل شك، ولاسيما عند مراجعة البيانات الأخيرة لوكالة الطاقة  الدولية، والتي تشير إلى وجود نحو 4.1 مليار برميل من النفط في المخزونات الاستراتيجية للدول الأعضاء بالوكالة، وأن نحو 1.6 مليار برميل منها هو "للحالات الاضطرارية"؛ أي احتياطي استراتيجي. وهذا يعني أن لدى دول الوكالة احتياطي استراتيجي يكفي لفترة 146 يوماً (نحو خمسة أشهر)، بينما تطالب قوانين وقرارات الوكالة أقطارها الأعضاء بمخزون استراتيجي لمدة ثلاث شهور فقط من النفط المستورد. بمعنى آخر، كان لدى الوكالة احتياطي استراتيجي كاف من دون اللجوء للسحب من الاحتياطي الاستراتيجي، فلماذا إذا قرار السحب في الوقت الحاضر؟

هناك تكهنات عديدة حول سبب السحب من الاحتياطي الاستراتيجي، منها: الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط ومشتقاته، فقد وصل سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو أربعة دولارات للغالون الواحد، وحدث ذلك في بداية فصل الصيف؛ حيث يزداد استعمال السيارات في الإجازات السنوية داخل الولايات المتحدة نفسها، كما تزامن مع بداية الحملة الانتخابية لإعادة ترشيح الرئيس باراك أوباما لفترة ثانية وتسمية مرشحي الحزب الديمقراطي لانتخابات أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ومحافظي الولايات. ومن ثم، تخوفت الإدارة الأمريكية على مستقبلها السياسي، ودفعت أعضاء الوكالة إلى اللجوء إلى هذا البديل لتخفيض الأسعار. ومن المعروف أن واشنطن لها نفوذ قوي جداً في الوكالة الدولية للطاقة.

وتشير تكهنات أخرى إلى محاولة الدول الغربية تخفيض أسعار النفط من أجل الضغط على إيران لردعها عن الاستمرار في برنامجها النووي وبرنامج التسلح الباهظي التكاليف، كما تشير تكهنات أخرى إلى أن قرار السحب جاء كرد فعل من وكالة الطاقة الدولية على إخفاق المجلس الوزاري لمنظمة أوبك في 8 حزيران (يونيو) في الاتفاق على زيادة سقف الإنتاج، نتيجة معارضة كلّ من إيران وفنزويلا لاقتراح سعودي تدعمه باقي دول مجلس التعاون الخليجي الأعضاء في أوبك لزيادة سقف الإنتاج. وهناك تكهنات كذلك بأن هدف القرار هو الضغط على الدول العربية المنتجة للنفط بسبب مساندتها سياسة السلطة الفلسطينية في السعي للحصول على الاستقلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، رغم معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل لهذه السياسة.

ومهما كان السبب الحقيقي، فإن معظم التكهنات تدور حول محاولة الوكالة السحب من الاحتياطي الاستراتيجي من أجل الضغط على أسعار النفط وتخفيضها. وهنا محور الخلاف بين الوكالة ومنظمة أوبك. فالهدف من الاحتياطي الاستراتيجي هو ضخ الإمدادات النفطية اللازمة في حال حدث نقص أو تعطل لهذه الإمدادات لأسباب سياسية أو صناعية. أما موضوع توازن العرض والطلب، فهذا من مهام المخزون التجاري النفطي الذي تشيده وتموله شركات النفط العالمية في الدول المختلفة. ويعتبر استعمال السحب من الاحتياطي الاستراتيجي تدخلاً سياسياً من قبل حكومات الدول الصناعية للضغط على الأسعار بعيداً عن التعاملات الحرة في أسواق النفط.

تتردد أيضاً تسريبات إعلامية عن احتمال قيام وكالة الطاقة الدولية بتجديد قرار السحب لشهر آخر. لكن من المستبعد اتخاذ قرار كهذا؛ لأن المؤشرات الأولية تدل على أن كميات ضخمة من نفط الاحتياطي بدأت تأخذ طريقها إلى الصين. إذ إن الصين بصدد بناء احتياطي استراتيجي لها، وهي بحاجة إلى نحو 40 مليون برميل إضافي من النفط خلال فصل الصيف. لكن الدول الصناعية الغربية لا تنظر بعين الرضى إلى شراء نفوط احتياطيها من قبل الصين بأسعار منخفضة نسبياً (أقل من 115 دولاراً للبرميل) .

إن السؤال المطروح الآن، هو: هل ستنخفض أسعار النفط على المديين المتوسط والبعيد بسبب السحب من الاحتياطي الاستراتيجي؟. نود أن نشير أولاً إلى أنه على الرغم من انخفاض الأسعار في بادئ الأمر، وحتى نهاية شهر حزيران (يونيو) كرد فعل على هذه الخطوة إلى نحو 100 دولار، فإنها عادت وارتفعت إلى  نحو  114 دولاراً خلال الأسبوع الأول من شهر تموز (يوليو)، وهو تقريباً المستوى السعري الذي كانت عليه قبل السحب. وتدل المعطيات المتوافرة على أن الطلب على النفط في ارتفاع مستمر، وخير دليل على ذلك هو مستوى الطلب العالمي على النفط راهناً، والذي يقدر بنحو 89 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 85 مليون برميل يومياً في منتصف العقد، وهذا رغم الأزمة المالية العالمية خلال عامي 2008 و2009. ويعني هذا أن السحب من الاحتياطي الاستراتيجي هو عملية ذات تأثير مؤقت على الأسعار، ولن يؤثر في الأسعار على المديين المتوسط والطويل.

أخيراً، لا بد من التنويه في هذا المجال بأن  قرار الوكالة الدولية للطاقة باللجوء إلى السحب من الاحتياطي الاستراتيجي يعتبر مفصلاً تاريخياً مهما في العلاقات بين المنتجين والمستهلكين. ومن الضرورة بمكان مراجعة أسباب ودوافع هذا القرار من أجل تصليح التداعيات التي خلقها، والتي من الممكن أن تكون بعيدة المدى.

Share