أمن الطاقة أم الطاقة الآمنة؟

  • 12 أكتوبر 2002
فيما شهد العالم منذ اعتداءات سبتمبر تحركات واسعة وجادة أعادت بعض الأمل للذين ينادون بالحد من الانتشار النووي، تفاجأ المراقبون لوقائع مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي عقد في فيينا مؤخراً بإعلان عدد كبير من الدول عزمها على الاستمرار في بناء المزيد من المفاعلات النووية لمقابلة الطلب المتزايد على الطاقة. وذلك رغم المخاوف التي نتجت عن أحداث سبتمبر، والتحول النوعي في تكتيكات الإرهاب وفي طبيعة الأعمال الإرهابية.

وعلى الرغم من صدق نوايا العديد من الدول التي تسعى لبناء المزيد من المفاعلات لتوليد الكهرباء، فإن الخيار النووي يظل خياراً غير اقتصادي في الوقت الحالي على الأقل، في ظل توافر المصادر التقليدية بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار الحقيقية التي يجب أن تكون عليها، في مقابل التكلفة الباهظة لبناء المفاعلات النووية والفترة الزمنية الطويلة المطلوبة لبنائها والقلق الشعبي المتنامي حول السلامة النووية، بالإضافة إلى تكلفة التعامل مع النفايات النووية وخطورتها. كما أن الوقت ما زال باكراً للقلق بشأن أمن الطاقة والتفكير في نضوب موارد الطاقة التقليدية، فالأعمار الافتراضية لموارد الطاقة الناضبة كما يقدرها الخبراء تصل إلى نحو 230 سنة بالنسبة إلى الفحم و80 سنة للغاز الطبيعي و60 سنة للنفط، فيما تستمر عمليات الكشف والتنقيب مستفيدة من كل تقدم تكنولوجي تفرزه الأيام.

إن الخوف من انتشار المفاعلات النووية في دول العالم لا ينجم عن إمكانية قيام بعض الدول بتحوير المواد النووية واستخدامها في برامج أسلحة الدمار الشامل، بل من امتلاك منظمات إرهابية للأسرار النووية وبالتالي تهديد الوجود البشري بأسره، أو اعتبار المفاعلات في حد ذاتها هدفا لهذه المنظمات. فالكرة الأرضية يكفي ما على ظهرها من مفاعلات نووية، حيث تشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن العام الماضي شهد بناء 32 مفاعلاً نووياً جديداً أغلبها في آسيا وأوروبا الوسطى والشرقية، ليصل بذلك عدد المحطات النووية العاملة إلى 438 محطة حتى مطلع هذا العام، موزعة على 32 دولة في العالم. وفي ظل وجود أكثر من 31 ألف سلاح نووي في العالم، وتجسيداً لتزايد الخطر النووي على العالم، قام مديرو النشرة الخاصة التي يصدرها علماء الذرة الأمريكيون نهاية فبراير الماضي بتقديم عقارب الساعة التي ترمز إلى ارتفاع الخطر النووي الشامل واقتراب لحظة الصفر، أي نهاية العالم نووياً.

إن التفكير بقضايا أمن الطاقة يجب ألا يخرج عن إطار مصادر الطاقة الآمنة، وكما أن العالم مطالب بتأمين موارد كافية ورخيصة للطاقة، فإنه أيضا مطالب بتوفير الأمن والسلام، وسد كل المداخل والثغرات التي قد تلج من خلالها المنظمات الإرهابية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. وبهذا المنطق شرعت بعض الدول المتقدمة في التخلص من المفاعلات النووية جميعها على أراضيها، حيث قررت ألمانيا التخلص من المفاعلات النووية في البلاد وبالتالي إغلاق 19 محطة نووية تمد البلاد بنحو ثلث احتياجاتها من الكهرباء على مدى العقدين المقبلين.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات