أمريكا والمسلمون: حتى لا تتباعد المسافات

  • 16 مايو 2005

حال العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي ليست بخافية على أحد، وهناك الكثير من الجهود التي تبذل من الجانبين في إطار محاولات التقريب بين الجانبين من خلال بناء قواسم مشتركة والتركيز على الجوانب الإيجابية في هذه العلاقات والبحث في أسباب تراجعها وتدهورها إلى هذا المستوى. وبعد سلسلة من الأحداث والمنعطفات المهمة التي جرفت العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي ووضعت الجانبين في موقف الدفاع عن النفس تجاه بعضهما بعضا والبحث عن سبل لتصحيح متبادل للصورة الذهنية والنمطية لدى الآخر، جاءت قضية "تدنيس القرآن الكريم" في معسكر "جوانتانامو" الأمريكي لتثير مشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم وتؤجج الغضب وتسلط الضوء بقوة على ملف يحاول الجانبان معالجته والخروج منه بأقل الخسائر الممكنة من أجل الحفاظ على المصالح المشتركة للشعوب وإعلاء لغة الحوار والتفاهم بين الحضارات والتغلب على الاتجاهات المتطرفة التي تحاول "اختطاف" هذه العلاقة لمصلحتها وتوجيهها بما يسيء للأمن والاستقرار الدولي، وبما يتعارض مع مصالح الدول والشعوب ويتنافى مع التوجهات السائدة في العالم أجمع حيث البحث عن المصالح وإعلاء لغة الحوار سعيا وراء بناء منظومة علاقات دولية مستقرة.

التداعيات التي أعقبت ما أثير حول "تدنيس القرآن الكريم" في "جوانتانامو" تفوق أي تحليل يختزل المسألة في كونها ضربة للجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لتصحيح صورتها في العالم الإسلامي، وأن هذا التطور سيضيف مزيدا من العراقيل في طريق هذه الجهود ويعمق الشكوك تجاه سياسات الجانب الأمريكي، فالقضية المحورية هنا تتركز في مدى حساسية العلاقات بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة. ورغم التصريحات الرسمية الواضحة التي صدرت على لسان مسؤولين أمريكيين في مقدمتهم الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس لامتصاص الغضب وتهدئة التظاهرات التي نظمت في دول إسلامية عدة، فإن ردود الأفعال على ما أثير تلفت الانتباه إلى أهمية الإسراع بتنسيق الجهود بين الجانبين، الدول الإسلامية والولايات المتحدة معا، من أجل تجاوز ما يشوب هذه العلاقة من اضطرابات تضعها دوما على حافة التوتر. وهناك حاجة ماسة إلى ما هو أكثر من تصريحات الطمأنة ومحاولات صرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للشكوك المتبادلة التي تغذي في الحقيقة أهداف التنظيمات المتطرفة وتهيىء لها الطريق لإيجاد مناخ مؤات للممارسات التي تستهدف إشعال صراع حضارات وإشعال حرائق طائفية وعرقية ودينية في كثير من مواطن التوتر.

والمؤكد أن ما أثير بشأن "تدنيس القرآن الكريم" في "جوانتانامو" وردود الأفعال عليه في دول إسلامية عدة يلفت انتباه الجميع إلى ضرورة الانتباه إلى عمق الحساسيات التي تشوب العلاقة بين الطرفين، وما يمكن أن تؤدي إليه هذه الحساسيات من آثار وانعكاسات بعضها ظاهر، مثل التظاهرات وغيرها، وبعضها الآخر غير معلن، وهو الأخطر والأشد تأثيرا على المدى البعيد، ويتمثل في تعميق العداء وتغذية مشاعر الكراهية بما يعزز بشكل غير مباشر جهود المتطرفين، ويقدم لهم دعما مجانيا يوظفونه لاستلاب العواطف وتجييش المشاعر وتجنيد العناصر في صفوفهم. والمأمول إذا هو تكثيف الجهود من جانب الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية لإنهاء الشكوك التي تخيم على هذه العلاقة ونزع فتيل التوتر وتصحيح المفاهيم، حتى لا تترك الفرصة لدعاة صراع الحضارات لإظهار هذا الهاجس والنفخ فيه بما يضر بمصالح الدول والشعوب والاستقرار الدولي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات