أكراد سوريا يواجهون مصيرهم بعد انسحاب القوات الأمريكية من شرق الفرات

  • 22 ديسمبر 2018

شكل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شرق الفرات في سوريا مفاجأة للعديد من المتابعين وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية المحليين والإقليميين والدوليين، وخاصة أن هذا الانسحاب جاء متزامناً مع أحداث أخرى تتعلق باستراتيجيات بعض الدول الفاعلة في الأزمة السورية كتركيا وإيران.
المبررات التي ساقها الرئيس الأمريكي لسحب قواته من شمال شرق سوريا لم تكن مقنعة بحسب المراقبين، حيث إن ادعاءه بأنه تم القضاء على «داعش» العدو الأول لواشنطن لا يطابق الوقائع الحقيقية على الأرض، ذلك أن التنظيم – الذي كانت مواجهته سبباً في دخول القوات الأمريكية إلى جانب قوات التحالف الدولي سوريا- لا يزال نشطاً في بعض الجيوب السورية، بعد أن أعلن الأخير مسؤوليته عن هجوم إرهابي بمدينة الرقة بدقائق قليلة قبل إعلان ترامب سحب قواته من سوريا، كما أعلن التنظيم قبل ذلك بأيام قتله 700 مقاتل من حلفاء الولايات المتحدة خلال فترة وجيزة في معارك الجيب الأخير شرق الفرات. ولهذا علق خبراء غربيون في مكافحة الإرهاب بقولهم إن هزيمة تنظيم داعش، التي ذكرت إدارة ترامب مراراً وتكراراً أنها الهدف الأساسي لبقائها في سوريا، تتطلب سنوات لجعلها حقيقة واضحة.
ومما خيب توقعات أنصار الولايات المتحدة الأمريكية في اتخاذها قرار الانسحاب، التصريحات المتكررة والمطمئنة التي تلقوها في وقت سابق من بعض معاوني ترامب والمقربين منه، والتي أكدوا فيها أن قواتهم باقية في شرق الفرات حتى تتم تسوية الأزمة السياسية السورية، ويتم القضاء نهائياً على خطر عودة الإرهاب.
القرار الأخير لترامب فتح المجال أمام العديد من تحليلات المراقبين، حيث يرى بعضهم أنه تم بناء على صفقة بينه وبين النظام التركي، وخاصة أن الأخير أعلن تكثيف حضوره العسكري شمال سوريا لمواجهة الأكراد بالتزامن مع موافقة واشنطن شراء أنقرة منظومة صواريخ «باتريوت» بقيمة 3.5 مليار دولار، وإقرارها صفقة شراء مقاتلات «إف 35» الأمريكية.
أما القضية الأخرى- والتي لا تقل أهمية عن المكاسب العسكرية التركية، فتتمثل في تداول الحديث مؤخراً عن إمكانية تسليم إدارة دونالد ترامب المعارض التركي عبدالله غولن لأنقرة، وذلك بعد أن ظلت واشنطن تستبعد تسليمه لتركيا بحجة عدم ثبوت أي أدلة على صحة تورطه في محاولة انقلاب يوليو 2016.
وإذا كان قرار انسحاب ترامب من سوريا قد كشف- بحسب المتابعين- عن المكاسب التركية الحالية، فإن هؤلاء يرون أن خيوط الصفقة قد بدأ نسجها عندما تخلت أنقرة عن قرارها بالتشبث بسجن القس الأمريكي، وسلمته أخيراً لواشنطن، وبالتالي- يضيف هؤلاء- أنه آن الأوان للحصول على النتيجة، حتى ولو كان ذلك على حساب حلفاء أمريكا في سوريا وهم الأكراد.
ويدعم أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بالقول إن القرار الأمريكي جاء مباشرة إثر مكالمة أجراها الرئيس الأمريكي دونالد مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاثنين الماضي، كشف خلالها الأخير عن نيته شن هجوم عسكري ضد الوحدات الكردية في سوريا والعراق، وهي القوات التي قامت الولايات المتحدة بتدريبها في سوريا لمكافحة تنظيم داعش.
ويُجمع المتابعون على أن الخاسر الأكبر من كل هذا هي التنظيمات الكردية الموالية لواشنطن، حيث بات عليها أن تواجه الهجوم التركي منفردة، بعد أن قرر مسؤولو الدفاع ومجلس الأمن القومي الأمريكي حماية جنودهم من أي هجوم محتمل قد تقوده أنقره ضد أكراد شمال سوريا، وهي خطة لا شك في أنها ستنقذ الرئيس دونالد ترامب من المزيد من الأزمات السياسية التي تواجهه في عقر داره.
ورغم كون القرار الأمريكي يدخل في إطار السيادة الأمريكية ومراعاة مصالحها في المنطقة، فإن تداعياته على أمن الشرق الأوسط ستكون سلبية، ذلك أن هذا الانسحاب سيترك مهمة ملء فراغه لإيران وميليشياتها والنظام السوري من جهة، وتركيا من جهة أخرى؛ ما قد ينجم عنه وجود صراع قوي نظراً لاختلاف أجندات تلك القوى، كما لا يُتوقع أن تظل إسرائيل مكتوفة الأيدي أمام المساعي المتواصلة لإيران بترسيخ وجودها جنوب الفرات.

Share