أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية

عبدالوهاب بدرخان: أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية

  • 11 يناير 2015

بعد انسحاب القوات الدولية، وخصوصاً الأمريكية، من أفغانستان، تبدو البلاد، مفتوحة على كل الاحتمالات والمخاطر. فالوضع الداخلي لا ينطوي على عناصر تعزز الثقة بأن الاستقرار ممكنٌ وقريب، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا أمنياً. وتكاد التوقعات تلتقي عند استشراف احتمالات عودة حركة "طالبان" إلى السلطة. كما أن التقارير كافة تشير إلى أدوار متصاعدة للدول الإقليمية، ولاسيما إيران.

ثلاثة آراء سادت في تقويم هذا الانسحاب. يقول أولها إنه سابق لأوانه باعتبار أن الأهداف المعلنة للغزو والاحتلال لم تتحقق بعد. ويرى فيه الثاني "هزيمة" لـ "قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان" (إيساف) واضطراراً لتفادي مزيد من الخسائر (3500 قتيل نصفهم أمريكيون). أما الثالث فيعتبر أن ما تحقق من بناء للجيش وقوى الأمن وإقامة مؤسسات الدولة ووضع أسس لتنظيم الاقتصاد وتعزيز قطاع التعليم لا يمكن أن يُختبر إلا بجعل الأفغان يعتمدون على أنفسهم أولاً.

بطبيعة الحال لم تتحقق الأهداف، وأهمها توطيد الأمن وإشاعة الاستقرار وإقامة ديموقراطية. وبمعزل عما إذا كانت الولايات المتحدة أو أطراف التحالف الدولي قامت دائماً بالخطوات الصحيحة أم لا، فإن كل هذه الاستحقاقات تتطلّب انخراطاً من جانب المجتمع الأفغاني لأنها تتعلق في النهاية بمستقبل البلد. واقعياً، لم يقدّم كلا الطرفين المساهمة المؤمل بها. كذلك، بمعزل عما إذا كان الاحتلال شكّل علاجاً ناجعاً لمشاكل أفغانستان أم لا، فإن الحكم السابق بقيادة حركة "طالبان" لم يكن مشروعاً واعداً للأفغان، سواء بإيوائه جماعات إرهابية أو باضطهاده المرأة وفشله في إنشاء دولة طبيعية واقتصاد قابل للتطوير. وبما أن البلد كان معدماً وبحاجة إلى كل شيء تقريباً، يمكن القول إن الوجود الدولي والدول المانحة ضخّا مقداراً من التنمية، وإن بقي أقل من المطلوب.

قد تكون الخسائر البشرية حثّت العديد من الدول على الانسحاب من التحالف خلال الأعوام الأخيرة، لكن قبل ذلك توصّلت قيادة "الناتو" إلى استخلاصين: أولهما، أن البنية الرئيسية لتنظيم "القاعدة" دُمّرت وشُرذمت كما أُسقط حكم "طالبان" وأمكن أيضاً تأمين معظم المناطق وحصر الخطر الأمني. والثاني أن التحالف استطاع أن يساعد الأفغان على تأسيس دولتهم وجيشهم، ولم يكن مقرراً في الأصل أن تبقى قوة الاحتلال إلى ما لا نهاية. ولعل ما يؤيد ذلك أن الانسحابات السابقة لم تؤثر في مستوى السيطرة ولم تؤدِّ إلى انهيارات أمنية استثنائية. لكن ما يعارضه، وبقوة، هو أن الجانب الأمريكي أدار الشأنين الأمني والسياسي بطرق ملتوية ما لبثت أن شجّعت الفساد على مختلف المستويات، من أعلى مراتب الدولة إلى "أمراء الحرب" الذين جرت رشوتهم على الدوام للتعاون في حفظ الأمن من دون الحصول على ولائهم للدولة.

كانت نهاية العام 2014 الموعد الرسمي لانتهاء العمليات القتالية لـ "الناتو" ولانسحاب العدد الأكبر من قوات التحالف. وقبل أيام من هذا الحدث حسم الرئيس الجديد أشرف غني جدلاً استغرق شهوراً بين سلفه حامد كرزاي وواشنطن، ووقع على اتفاق يتيح إبقاء نحو ثلاثة عشر ألف عسكري لاستكمال تدريب القوات الأفغانية ومساندتها في عمليات مكافحة الإرهاب. ويفترض أن تكفي هذه القوة لمؤازرة ثلاثمئة ألف جندي أفغاني، رغم أن شهادات الخبراء تفيد بأن الجيش لا يزال ضعيفاً وأنه لا يستطيع الصمود أمام هجمات "طالبان"، كما أن جنوده يرفضون القتال ويميلون إلى عدم المواجهة. وهذه معضلة لا يمكن لأحد أن يحلّها، سواء استبقى "الناتو" عشرات آلاف الجنود أو بضعة آلاف منهم. ولعل الدلالة الرئيسية لهذا الانكماش في صفوف الجيش أن إلى قوات "إيساف" لم تحقق هدفاً استراتيجياً هو القضاء على "طالبان" أو حتى إضعافها، ومع ذلك فإن وجود الجيش في الخط الأمامي سيضعه على محك مسؤولية الدفاع عن الدولة، فإمّا أن يتماسك ويصمد أمام "طالبان" وسواها، أو ينهار، وفي هذه الحال قد تتفكك أفغانستان إلى دويلات قليلة الموارد فتتقاسمها دول الجوار مناطق نفوذ.

هناك عامل آخر قد يعمل ضد تماسك الجيش، وهو صيغة تقاسم السلطات والصلاحيات التي تمّ التوصل إليها لحل خلاف إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية واستمرّ شهوراً إلى أن تدخل الجانب الأمريكي وضغط على المرشحين أشرف غني وعبدالله عبدالله، إذ رفض الأخير الاعتراف بالنتائج معتبراً أن خصمه فاز بالتزوير. هذه الصيغة التي تقوم على وجود رئيس (غني) ورئيس تنفيذي (عبدالله) من شأنها أن تجعل الدولة برأسين وتربك العمل داخلياً، فعلى سبيل المثال مضى أكثر من ثلاثة شهور ولم تشكل الحكومة الجديدة بعد، فضلاً عن تعقيدها مهمة الشركاء الخارجيين الذين يترقبون انطلاقة الحكم ليحددوا أسلوب تعاملهم معه ما يعني تباطؤ المساعدات الدولية. وكثيرون يعزون هذه الازدواجية في السلطة إلى فشل 13 عاماً من الاحتلال في تأسيس بنية استقرار سياسي واقتصادي وأمني، ويعتبرون الفساد المتنامي من أكبر المخاطر على الدولة التي لن تتمكّن من مواصلة تمويل "أمراء الحرب" المرشحين للانقلاب عليها، حتى إن الجنرال جون آلن الذي تولّى لفترة قيادة قوات التحالف قال في أحد تصريحاته إن الفساد المالي والإداري هو "العدو الأول" قبل "طالبان"، مع علمه بأن سلطة الاحتلال ضالعة في تغذية هذا الفساد.

خلال شهر نوفمبر الماضي شنت "طالبان" اثنتي عشرة عملية في كابول، وتتفق التوقعات على أنها ستستأنف الحراك قريباً، لشعورها بأن الدولة هشّة وتحوي عناصر تلاشيها بنفسها فكيف إذا تكثّفت الضربات الموجهة إليها. والواقع أن انعدام مؤسسات قابلة للتطوير دفع الأمريكيين على سبيل التدبّر والتعجيل إلى الاعتماد على شخصيات حوّلت الدولة إلى ما يشبه الشركة المساهمة. ومنذ إعلان الرئيس باراك أوباما في يونيو 2013 العزم على الانسحاب النهائي من أفغانستان بنهاية 2014، برزت التكهّنات بأن "طالبان" ستعود إلى الحكم بشكل أو بآخر. بل قيل وقتها إن الأمريكيين لا يعارضون هذه العودة، بدليل أن واشنطن بدأت "حواراً" مع الحركة وسمحت بافتتاح مكتب تمثيل لها في الدوحة. غير أن ما سمّي حواراً لم يسر على النحو المرغوب فيه، تحديداً بسبب شروط "طالبان" التي أصرّت دائماً على أن الحوار الوحيد الممكن يجب أن يتناول مسألة انسحاب قوات الاحتلال أولاً. أما الولايات المتحدة فأرادت الحوار لإقناع "طالبان" بالانضمام إلى العملية السياسية والمشاركة في الانتخابات. وإذا كانت الحركة اعتبرت الانسحاب الأخير اعترافاً من الأمريكيين بالفشل في القضاء عليها وبأن الحرب صارت عبئاً عليهم فليس معروفاً إذا ما كانت ستتعامل مع ما حصل من انسحاب على أنه نهاية للاحتلال، وإذا كان كذلك فما موقفها من الحكم القائم؟ وهل تقيم حواراً معه؟ وفي المقابل ليس معروفاً أيضاً إذا ما كان الأمريكيون لا يزالون راغبين في محاورة "طالبان" آملين بجذبها إلى المساهمة في بناء الاستقرار.

ليس بين الاختصاصيين بالشأن "الطالباني" من يعتقد أن الحركة يمكن أن تكون معنية بشيء آخر غير الاستيلاء على السلطة، أي باسترجاعها. لكنهم يشيرون إلى أنها تغيّرت، ولا شك في أنها ضعفت رغم قوة مقاتليها، ثم إن الظروف الإقليمية لم تعد تخدمها كما في السابق، بل لابدّ أن مصادر تمويلها لم تعد بالوفرة التي كانت عليها. وليس مؤكداً أن "طالبان" ستجد الدعم والمساعدة على النحو الذي كانا عليه من باكستان، بل إن العكس صحيح، فالوجود الأمريكي في المنطقة سيستمر للسهر على عدم استئناف الروابط الاستخبارية والعسكرية التي كانت بين "طالبان" وإسلام أباد. وبالإضافة إلى ذلك تبدي طهران استعدادات متزايدة للعب دور في أفغانستان، واختارت تطوير العلاقات الاقتصادية مدخلاً لتعاون متنامٍ مع كابول فيما أقامت علاقات وثيقة مع أطراف محليين عديدين مع تركيز خاص على الشيعة على قاعدة عداء مستمر بينها وبين "طالبان".

ومنذ 2001، وبرغم القطيعة الأمريكية-الإيرانية، لم تعارض واشنطن مشاركة الإيرانيين في اللقاءات الدولية التي عقدت لمراجعة الوضع الأفغاني. وفيما يتزامن الانسحاب الأمريكي مع بدايات تقارب أمريكي-إيراني يثار باستمرار أن التفاهم على الدور الإيراني في أفغانستان قد يدشن هذا التقارب رسمياً. وقد لاحظ الإيرانيون نقاط تشابه بين الوضعين الأفغاني والعراقي، أهمها أن كليهما "أرض رخوة" وفيهما تورط أمريكي وصراعات إثنية راسخة يمكن التلاعب بأطرافها. وقد ظهرت مؤخراً كتابات تعيد التذكير بأن أفغانستان كانت تاريخياً جزءاً من بلاد فارس وأن الاستعمار البريطاني فصلها عنها. وفي الأيام التي تلت انسحاب "الناتو" كان لافتاً أن تستقبل طهران مستشار الأمن القومي الأفغاني محمد حنيف أتمر، وقد أشار مضيفه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني إلى "التعاون الواسع والاستراتيجي" بين البلدين، منوّهاً بأن "خروج قوات الناتو فرصة مناسبة لإثبات قدرات الجيش والقوات الأمنية في الدفاع عن المصالح الوطنية والمواطنين"، وكذلك في "مكافحة الإرهاب" المهمة التي أوجبت إبقاء عدد من القوات الأمريكية.  

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات