أسواق النفط وتحدي ضعف الطلب

  • 16 يوليو 2016

لا يبدو أن نهاية أزمة أسواق النفط العالمية اقتربت، فبرغم ما شهدته الأسواق من انتعاشة نسبية خلال الأسابيع الأخيرة، حققت على إثرها مكاسباً كبيرةً، قياساً بما كانت عليه الأوضاع على مدار أكثر من عامين، فإنها شهدت بعض الاضطراب في الأداء خلال جلسات التداول الأخيرة، وانعكست مظاهر ذلك في شكل حركة سريعة وعنيفة لأسعار النفط، وهو ما أكد أن الأسباب الحقيقية للأزمة مازالت قائمة، وأن الصفحات الأخيرة لهذه الأزمة لم تطوَ بعد.

وقد تواتر مؤخراً صدور العديد من التقارير الدولية التي تؤكد هذا الحكم، فقد قالت «وكالة الطاقة الدولية»، إن تخمة المعروض النفطي في الأسواق لم تنحسر، ومازالت تشكل عاملاً رئيسياً في انخفاض الأسعار، وذلك برغم الانخفاض الملحوظ في إنتاج بعض الدول، وتزامن ذلك مع حدوث نمو قوي في الطلب العالمي على النفط، ما دفع الوكالة إلى تعديل توقعاتها لنمو الطلب لعامي 2016 و2017 بزيادة 0.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بتقديرات صادرة الشهر الماضي، ليبلغ النمو المتوقع خلال العامين على الترتيب 1.4 مليون يومياً و1.3 مليون برميل يومياً، وقد ذكرت الوكالة أن هذا النمو يعود إلى الاستهلاك الجيد في الهند والصين وأوروبا.

وبشكل عام، وبرغم أن الأزمة التي تعيشها أسواق النفط العالمية منذ ما يزيد على عامين، كانت بدايتها في جانب العرض، حيث قامت العديد من الدول وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بضخ كميات قياسية من النفط في الأسواق، فإن هذه المعطيات تشير إلى أن هذا الوضع قد تغير حالياً، وأن أسباب المشكلة انتقلت إلى جانب الطلب، الذي يبدو أن وضعه بات غير مطمئن إلى حد بعيد، فبرعم ما أشارت إليه الوكالة من نمو متوقع فيه خلال العامين المقبلين، فإنها رجحت عدم استمرار هذا النمو كثيراً، ولاسيما مع تراجع الطلب الأوروبي في ظل الواقع الجديد الذي تعيشه الاقتصادات الأوروبية عقب تصويت البريطانيين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.

وفي السياق ذاته فقد خفض «بنك كريدي سويس» تقديراته لنمو الطلب العالمي على النفط، بنحو 250 ألفاً، و300 ألف برميل يومياً خلال العامين الجاري والقادم على الترتيب، متوقِّعاً أن يؤدي خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» إلى كبح نمو الاقتصاد العالمي كله، ما دفعه إلى توقع تراجع الطلب على النفط في شمال غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي الأسواق الآسيوية الناشئة، وهذه التوقعات تزيد من مستوى الريبة المحيطة بجانب الطلب، ومن ثم فإنها تقلص فرص تعافي أسواق النفط من أزمتها الحالية.

وأخيراً، فإن كانت أزمة أسواق النفط الحالية تأخذ شكل تخمة في المعروض، فإن أسباب التخمة ليست ناتجة الآن عن ارتفاع كبير في جانب الإنتاج، لكنها ناتجة في الأساس عن ضعف شديد يعانيه الطلب، الذي لم يعد قادراً على مواصلة النمو بمعدلات مطمئنة، ولاسيما مع تنامي مظاهر تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتزايد مستويات الضبابية المحيطة بالأوضاع المالية الدولية، في ظل تزايد حالات المراجعات السلبية للتصنيفات الائتمانية السيادية للدول في الآونة الأخيرة. وبشكل عام، فإن التعامل مع هذه الوضعية غير المطمئنة لأسواق النفط، يتطلب المزيد من الحيطة والحذر خلال الفترة، ولاسيما من قبل منتجي النفط، بما في ذلك أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، الذين باتوا مطالبين -أكثر من أي وقت مضى- بمراقبة ما يحدث في الأسواق، والتفاعل معه بشكل سريع وكفء، بما يضمن تحقيق أهداف المنظمة ويحمي مصالح أعضائها.

Share