أسواق النفط خلال الربع الأول من عام 2012

  • 13 مايو 2012

واجهت أسواق النفط العالمية تحديات عدة مع بداية عام 2012، أهمها انعكاسات الصراع الغربي-الإيراني حول الملف النووي الإيراني، والتهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، والتهديدات المضادة حول إغلاق مضيق هرمز الحيوي، ما رفع مستوى الأسعار فوق 100 دولار في البداية، ثم زيادتها إلى نحو 128 دولاراً لبرميل نفط برنت.

وقد صاحب الصراع الغربي- الإيراني حول الملف النووي الإيراني، استمرار تداعيات ما يعرف باسم "الربيع العربي"، ولاسيما ما يتعلق بتوقف صادرات النفط الليبية، التي عادت تدريجياً إلى التدفق للأسواق العالمية بعد نجاح الثورة والقضاء على زعماء العهد السابق، بحيث وصلت تقريباً إلى 1.5 مليون برميل يومياً في نهاية الفصل الأول، مما جعلها تقترب من مستوى الإنتاج، الذي كانت عليه قبل الثورة، والبالغ 1.6 مليون برميل يومياً. كما انعكست تداعيات التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة على دول منتجة أخرى، ناهيك عن الصراعات الداخلية والإقليمية في بعض هذه الدول (دولتي السودان)، وإن شكلت الإمدادات لكل منها حجماً ضئيلاً نسبياً، لكن مجموع حجم توقف الإمدادات من مجمل هذه الدول وصل إلى نحو مليون برميل يومياً تقريباً. وهذا الرقم يشمل صادرات النفط السوري التي فرضت عليها مقاطعة من قبل الدول الغربية، والانقطاعات في إمدادات النفط اليمني بسبب أعمال النسف والتخريب للمنشآت البترولية أثناء الثورة ضد النظام. وأخيراً، توقف الصادرات النفطية من جنوب السودان نتيجة الخلاف حول اتفاق "الترانزيت" النفطي بين جنوب السودان وجمهورية السودان، الذي نتج عنه نشوب اشتباكات مسلحة بين الطرفين، بدأت بهجوم قوات الجنوب على حقل "هيجليج" النفطي النابع لجمهورية السودان، مما أدى إلى تخريب منشآت الحقل، إضافة إلى حقول أخرى مجاورة تابعة للطرفين مع توسع رقعة المعارك.

وتعد العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على إيران خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) 2011 كرد فعل لتقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية حول ارتفاع معدل التخصيب النووي الإيراني، أشد العقوبات التي فرضت ضد إيران حد الآن. فقد شملت هذه العقوبات حظر الصادرات النفطية، ومنع التعامل مع المصارف وشركات التأمين والشحن البحري التي تتعامل مع إيران. وقد تعاملت واشنطن بمرونة مع بعض الدول التي استمرت في استيراد النفط الإيراني، لكن مع تعهد هذه الدول بتخفيض هذه الكميات تدريجياً. ومن الجدير بالذكر أن العقوبة الاقتصادية تقضي بمنع الشركات أو الدول المخالفة من التعامل مع النظام المالي الأمريكي أو الأوروبي. وقد حاولت الدول الغربية من خلال فرض العقوبات هذه، تفادي توجيه ضربة عسكرية لإيران، وهو الأمر الذي طالب به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتينياهو وأعضاء حكومته علناً وتكراراً، وضغطت من أجله المنظمات الصهيونية الأمريكية على الرئيس الأمريكي باراك أوباما لاتخاذ قرار بهذا الشأن. لكن الرئيس الأمريكي أعلن كذلك التزامه بمنع إيران من تطوير سلاح نووي، وأكد استعداد بلاده لاستخدام القوة ضد إيران إذا تأكدت أنه قد تم اتخاذ قرار في طهران بتطوير أسلحة نووية أو أنها تسعى عملياً لذلك.

في ظل هذه الخطوات العقابية، تقلص الإنتاج النفطي الإيراني في آذار (مارس) الماضي بنحو 50.000 برميل يومياً ليصل مستوى الإنتاج إلى نحو 3.3 مليون برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق، أو نحو 250.000 برميل يوميا أقل مما كان عليه مستوى الإنتاج في نهاية عام 2011، أي قبل فرض العقوبات. وتشير التوقعات إلى احتمال تدهور مستوى الإنتاج الإيراني إلى نحو 2.6- 2.8 مليون برميل يومياً، مع بدء التنفيذ الشامل للعقوبات في الأول من تموز (يوليو) 2012. أما صادرات النفط الخام الإيراني فقد انخفضت بنحو مليون برميل يومياً في نهاية الفصل الأول من العام.

في ظل هذه العقوبات والتداعيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط،، ارتبكت بعض الأسواق، بالذات في الدول التي كانت تستورد كميات وافية من النفط الخام الإيراني، فأخذت هذه الدول تفتش عن دول مصدرة بديلة، بالذات من دول الخليج العربية (السعودية والإمارات والكويت)، وبالفعل زادت هذه الدول من طاقتها الإنتاجية، واستعملت جزءاً من طاقتها الإنتاجية الفائضة لتأمين طلبات زبائنها، وسد أي نقص للإمدادات في الأسواق العالمية. فعلى سبيل المثال، وصل مستوى الإنتاج السعودي إلى نحو 10 مليون برميل يومياً، كما ارتفع إنتاج الإمارات ليسجل نحو 2.7 مليون برميل يومياً. ومما ساعد أيضاً على زيادة كميات النفط الخام في الأسواق العالمية، ارتفاع إنتاج النفط الليبي في نهاية الفصل الأول إلى مستوى 1.5 مليون برميل تقريباً، مقارنة بمستوى الإنتاج قبل الثورة البالغ 1.6 مليون برميل يومياً. كما ارتفعت بشكل ملحوظ الصادرات النفطية العراقية بعد بدء التصدير من أرصفة بحرية جديدة تم تشييدها حديثاً.

وقد أدت زيادة الإمدادات من دول الخليج المنتجة للنفط، وبالذات السعودية، إلى تحقيق هدفين رئيسيين. أولهما: تعويض الدول المستوردة من إيران. ثانيا: كبح جماح ارتفاع الأسعار بحيث وصل سعر برميل نفط برنت نحو 128 دولاراً للبرميل، وكان في طريقه للوصول إلى مستويات أعلى بكثير بسبب الخوف من تهديدات الحرب، بالإضافة إلى المضاربات.

ومن اللافت للنظر، أن الربع الأول من عام 2012 شهد تحولاً كبيراً في أسواق النفط، فعلى الرغم من التحديات التي فرضتها العقوبات الغربية على إيران، وتوقف الإمدادات من بعض الدول العربية، بالإضافة إلى زيادة الطلب العالمي على النفط، الذي سجل نحو 91.1 مليون برميل يومياً في شهر شباط (فبراير) الماضي؛ حيث يرتفع عادة استهلاك النفط في فصل الشتاء بسبب برودة الجو في نصف الكرة الشمالي. رغم جميع هذه التحديات، ارتفع إنتاج نفط دول أوبك إلى نحو 31.5 -32 مليون برميل يومياً، مقارنة بسقف أوبك الإنتاجي المقرر والبالغ 30 مليون برميل يومياً، أي بزيادة 1.5-2 مليون برميل يومياً، مما طمأن الأسواق بوجود وفرة في الإمدادات رغم نقص النفط الإيراني بنحو مليون برميل يومياً. وهو الأمر الذي أكده تقرير حديث صدر عن الوكالة الدولية للطاقة في 11 مايو/ أيار الحالي، أشار إلى أن الإمدادات العالمية زادت بمقدار 600 ألف برميل يومياً لتصل إلى نحو 91 مليون برميل يومياً في أبريل/ نيسان الماضي، مسجلة زيادة مقدارها نحو 3.9 مليون برميل يومياً عن مستواها قبل عام، وجاءت 90% من الزيادة من أوبك.

وكانت المملكة العربية السعودية قد اتخذت موقفاً واضحاً وعلنياً حول نيتها تزويد الأسواق بما تحتاجه من النفط الخام، وتعويض أي نقص غير طبيعي في الإمدادات. وتنطلق سياسة السعودية هذه من قاعدة مبدئية أساسية، هي أن المملكة تلتزم بتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية ومنع حدوث أي ارتفاع سريع وغير طبيعي للأسعار. وهذه هي سياسة المملكة منذ عقود؛ حيث بادرت إلى تشييد طاقة إنتاجية فائضة لدرء مخاطر النقصان المفاجئ للإمدادات النفطية العالمية.

وبشكل عام، أدت زيادة كمية المعروض من النفط الخام، وتجدد المحاثات بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا) حول البرنامج النووي الإيراني، إلى تهدئة أسواق النفط العالمية، ومن ثم تخفيض أسعار النفط الخام من 128 دولاراً لبرميل نفط برنت إلى نحو 110-113 دولاراً. وهذا النهج يتوافق بطبيعة الحال مع نهج الدول المنتجة الكبرى في منظمة "أوبك" التي تؤكد باستمرار، أن هدفها هو تخفيض مستوى الأسعار ليتراوح حول 100 دولار للبرميل؛ معتبرة أن هذا المستوى السعري يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين على السواء. أما بالنسبة للمستقبل، فلا شك أن الصورة ما تزال ضبابية، فحالة عدم اليقين بشأن الإمدادات الإيرانية، والأزمة الاقتصادية المعقدة في منطقة اليورو، والتوقف غير المخطط له في الإنتاج في مناطق خارج (أوبك) وغير ذلك، يجعل أي محلل يواجه صعوبة في توقع حالة سوق النفط في المستقبل القريب.

Share