أسواق النفط تتعرض لهزات «هستيرية» يجب احتواؤها

  • 22 مارس 2020

لم تكن روسيا، برفضها توجهات «أوبك» الأخيرة في تخفيض حجم الإنتاج لمواجهة أضرار «كورونا» بشأن تراجع الطلب على النفط عالمياً، لتدرك الأثر الذي سيتركه قرارها على الأسواق لاحقاً؛ فالمملكة العربية السعودية، وعبر تحركاتها الأخيرة، أصرّت على توجيه رسائل قوية إلى موسكو، حين قررت تخفيض أسعار النفط، وزيادة ضخه إلى الخارج.
العالم الآن بانتظار نجاح الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، في احتواء كورونا، لعلّ تخفيض طلبها عليه بعد انتشار الوباء بنحو 20% يتوقف، فتعود الأمور إلى مجاريها إلى أسواق النفط، وخاصة السعودية التي تعد المصدّر الأكبر للخام إلى الصين، الذي وصلت نسبته، بحسب بيانات صدرت عن منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» في شهر مايو 2019، إلى ما يقارب 19%.
السعودية، التي تلجأ الآن إلى سياسة نفطية ملمحها العام يتلخص بـ «أكون أو لا أكون» في تعاملها مع القرار الروسي الذي تخلى عن ثلاث سنوات من التضامن مع «أوبك»، وأسفر عن استقرار أسواق النفط منذ مطلع عام 2017، يبدو أن القلق لا يراودها بخصوص انخفاض النفط، حيث قالت شركة «أرامكو»، الاثنين 16 مارس، إنها على الأرجح ستبقي إنتاجها مرتفعاً لشهري إبريل ومايو المقبلين، لتوسيع حصتها السوقية، وإنها «مرتاحة للغاية» بالسعر عند 30 دولاراً للبرميل.
إلا أن مساء الأربعاء وصباح الخميس الماضيين، حملا أنباءً نفطية غير سارة؛ فقد هوت أسعار النفط بشكل كبير حين سجّلت أدنى مستويات لها في 18 عاماً، فأغلقت عقود خام القياس الأمريكي غرب تكساس الوسيط عند التسوية 20.37 دولار للبرميل، وهبطت عقود خام القياس العالمي مزيج برنت عند التسوية 24.88 دولار للبرميل، وهو أضعف مستوى لها منذ عام 2003.
وتتوجه «أرامكو» في الشهرين المقبلين إلى زيادة إنتاجها إلى مستوى قياسي يبلغ 12.3 مليون برميل يومياً، وستسحب 300 ألف برميل يومياً من مخزونها الضخم، للوصول إلى ذلك المعروض القياسي؛ نظراً لإمكانياتها في مواصلة إنتاج النفط بطاقته القصوى تلك، من دون الحاجة إلى مزيد من الإنفاق، هذا فضلاً عن أنها تعكف على تقييم زيادة قدرتها الإنتاجية إلى 13 مليون برميل يومياً، بحسب رئيسها التنفيذي، أمين الناصر.
فالسعودية «الغاضبة» من روسيا، التي تهورت وتخلت عن الجهود التضامنية التي كان يجب استئنافها في ظل الظروف التي خلّفها «كورونا» على الاقتصادات العالمية، تحاول توجيه رسائل مهمة، تتلخص بتذكير الفاعلين في أسواق الطاقة بما ستؤول إليه الأوضاع، إن توقفت عن دورها المهم في الحفاظ على استقرار الأسواق، وبأن دول الخليج العربية ستكون الأقدر على الصمود؛ لو تُركت الأسواق لحرية القوى فيه، وخاصة أن هذه الدول أكثر إمكانية على استخراج النفط الخام بقيمة أقل من أي دولة أخرى، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا.
إن اشتعال فتيل «معركة سعرية نفطية» لم تكن تخطر ببال أحد، بعد أن تبين حجم التضامن الذي ظهر في «أوبك+» في السنوات الأخيرة، لكن ما ضمرته روسيا بالانتقام من منتجي النفط الصخري الأمريكي، على حساب تعهداتها مع «أوبك» سيضعها في مرحلة حرجة خلال الأشهر القليلة المقبلة، بدأت تظهر ملامحها حين اعترفت يوم الخميس الماضي بأثر انخفاض الأسعار، بحسب بلومبيرغ، التي نقلت على لسان ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، قوله: «بالطبع الأسعار منخفضة، ونحب أن ترتفع عن مستواها الحالي»، في إشارة إلى تراجع قوة تحمّل روسيا أسعار نفط متدنية، ورغبتها في إعادة جسور التواصل مع مجموعة «أوبك+».
لقد بدأت تظهر إلى السطح مبكراً ملامح الندم الروسي على قرار عدم الاستمرار على نهج «أوبك» التضامني، حيث قال أنطون سيليانوف، وزير المالية الروسي، إن إيرادات ميزانية روسيا من مبيعات النفط والغاز ستقل بنحو (39 مليار دولار) عما كانت عليه التوقعات لهذا العام، بسبب انخفاض أسعار الخام. فهل ستعود روسيا إلى تحركاتها المشتركة مع «أوبك»، في ظل هذه المعطيات؟ على الأرجح أن الأيام القليلة المقبلة ستجيب إيجابياً عن هذا التساؤل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات