أسواق النفط العالمية وضرورات المرحلة

  • 23 نوفمبر 2014

اجتهدت منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، طوال الفترات الماضية، في تأمين الإمدادات الكافية لتلبية الطلب العالمي على النفط؛ فإبان الارتفاع الاستثنائي في أسعار النفط عام 2008، قامت المنظمة برفع إنتاجها أكثر من مرة، حتى استعادت الأسواق استقرارها؛ وعندما اندلعت أحداث عدم الاستقرار الأمني والسياسي في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وتسببت في تراجع الإمدادات النفطية من بعض المنتجين الرئيسيين، مثل ليبيا والعراق، وقبلهما إيران؛ بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، فقد عدلت المنظمة سياساتها الإنتاجية، فزادت الإنتاج لتعويض نقص الإمدادات، ما جعل الأسواق تتحرك كما لو أنها مستقلة تماماً عما تشهده الساحة العالمية من اضطرابات سياسية وأمنية، لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ عقود.

وخلال الأشهر القليلة الماضية شهدت أسواق الطاقة العالمية، إضافة عاملٍ جديدٍ ومؤثرٍ في توازنها، ألا وهو توجه العديد من الدول إلى استغلال احتياطياتها من النفط الصخري، ما دفع الأسواق إلى دخول مرحلة جديدة من مراحل تطورها، تتمثل ملامحها في: أولاً، حدوث ما يشبه الطفرة في إنتاج النفط العالمي. ثانياً، تحول مستهلكين تقليديين للنفط، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى منتجين رئيسيين له، إذ تخطى الإنتاج الأمريكي مستوى الواردات لأول مرة منذ عقود، ما يفرض على مصدّري النفط إليها ضرورة البحث عن أسواق جديدة لنفطهم. ثالثاً، تصاعد دور الأسواق الآسيوية كوجهات رئيسية لتصدير النفط بدلاً من السوق الأمريكية والأسواق الأوروبية. رابعاً، ما يزيد من تغير ملامح السوق، هو تصاعد التوتر بين روسيا، ثاني أكبر منتجي النفط في العالم، من ناحية، والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، أكبر مستهلكي النفط في العالم، من ناحية أخرى، الأمر الذي يزيد ضبابية المشهد، لما ينتج عنه من تضارب في المصالح بين الطرفين بشأن أسواق النفط والطاقة.

في ظل هذه المعطيات، ينظر العالم بترقب شديد إلى اجتماع "أوبك" المزمع انعقاده في السابع والعشرين من شهر نوفمبر الجاري، وما سيتمخض عنه من قرارات، وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أمور عدة مهمة، هي: أولاً، أن أسواق النفط العالمية والمتغيرات المؤثرة في تحركاتها في المرحلة الراهنة باتت على درجة كبيرة من الحساسية والتشابك، الأمر الذي يقضي بضرورة أن تتفاعل الدول المنتجة والدول المستهلكة للنفط على حد سواء، وليس دول "أوبك" فقط، مع هذه المتغيرات والمستجدات بحرص وحساسية أيضاً، في إطار من التنسيق يضمن مصالح الجميع، وهناك حاجة ماسّة إلى أن ينظر الجميع إلى الأسواق العالمية في صورتها الإجمالية، من دون تغليب الأهداف الوطنية على الأهداف العالمية أو العكس.

ثانياً، ما تشهده أسواق النفط العالمية الآن من تغيرات، سواء في داخل الأسواق ذاتها، أو فيما يحيط بها من جوانب وقضايا اقتصادية وجيوسياسية وتكنولوجية واجتماعية وغيرها، يحتاج من الجميع؛ مستهلكين ومنتجين، إلى زيادة مستويات الشفافية وتبادل البيانات والمعلومات بشأن ما يحدث، من أجل زيادة كفاءة الأسواق ومساعدتها على تحقيق أهدافها. ثالثاً، أن قراءة مدققة في السلوكيات السابقة لـ "أوبك" توضح أن المنظمة لم تهتم بحماية مصالح أعضائها فقط، بل إنها وضعت أهداف ضمان استقرار الأسواق ودعم الانتعاش الاقتصادي العالمي بين أولوياتها، وهذا أمر يبدو منطقياً إلى حد كبير، فاستقرار الأسواق والانتعاش يمثل ضمانة حقيقية لتأمين الطلب العالمي الفعال على النفط ويضمن استقراره، بما يعود بالنفع مرة أخرى على أعضاء "أوبك" ويحمي مصالحهم، وهو بالطبع لابد من أن يشغل المنظمة في اجتماعها المقبل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات