أسواق المال الإماراتية: الأداء الراهن وآفاق المستقبل

  • 14 فبراير 2012

تأسست سوق الإمارات للأوراق المالية "بورصتا أبوظبي ودبي" في نهاية القرن الماضي، وفي فترة متأخرة نسبياً إذا ما قورنت بأسواق دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، ولاسيما سوق الكويت للأوراق المالية، التي تأسست قبل خمسين عاماً تقريباً. ومع ذلك، حققت سوق الإمارات قفزات متتالية وضعتها في مركز متقدم، ليس بالنسبة لأسواق المنطقة فحسب، وإنما باتت مرشحة الآن، إلى جانب السوق القطرية، للانضمام إلى بورصات البلدان الناشئة، مما سيمنحها زخماً قوياً إذا ما تمت عملية الانضمام في شهر يونيو القادم 2012 كما هو مقرر.

وقد تعرضت هذه السوق منذ التأسيس، نتيجة لحداثتها، لتقلبات حادة، ولاسيما في الأعوام الخمسة الماضية، حيث شهدت مؤشراتها ارتفاعات وانخفاضات بنسب كبيرة؛ وذلك بسبب ضعف الوعي الاستثماري، والاتجاه في بعض الأحيان نحو المضاربات بعيداً عن النظرة الاستثمارية المجدية وبعيدة المدى.

وفي كثير من الحالات، لم تعكس سوق الأوراق المالية في الدولة بصورة موضوعية الأداء الجيد للاقتصاد المحلي، وهو ما يحصل عادة في الأسواق العالمية؛ حيث تشكل البورصة مرآة للأداء الاقتصادي، وفي بعض الأحيان كان هناك انفصال بين السوق المالي والأوضاع الاقتصادية المتنامية والمدعومة بأسعار النفط المرتفعة؛ حيث لم يكن لذلك صدى في أداء بورصتي أبوظبي ودبي.

وبرزت هذه الظاهرة بصورة خاصة في العامين الماضيين، وذلك بسبب الأزمة المالية العالمية، وأزمة منطقة "اليورو"، واللتين ساهمتا، إلى جانب العوامل التي أشرنا إليها آنفا، في تدهور مؤشرات سوق الأوراق المالية، وتراجع معدلات التداول إلى مستويات غير مسبوقة، وصاحب ذلك أيضاً تدني أسعار العديد من أسهم الشركات المدرجة لتصل إلى أقل من 20% من سعر الاكتتاب الأولي، في ظاهرة لافتة ونادرة الحدوث في أسواق الأوراق المالية في العالم، ولا نشهدها عادة إلا في فترات الكساد والأزمات الاقتصادية، وهو ما لا ينطبق على الاقتصاد المحلي، الذي يحقق معدلات نمو مرتفعة ومتواصلة، مما أدى إلى زيادة استنزاف البورصة المحلية، وأثر بصورة سلبية في أدائها العام، وفي قدرتها على جذب مزيد من رؤوس الأموال الأجنبية.

تشير البيانات الموضحة في الجدول أعلاه إلى أن نسب انخفاض بورصتي الدولة خلال العامين الماضيين تجاوزت نسب الانخفاض في بعض البلدان التي تواجه أزمات مالية حادة، كالبلدان الأوروبية؛ حيث انخفضت مؤاشرت البورصات الأوروبية الرئيسية والبورصات الأمريكية بنسب أقل، بل إن البورصات الآسيوية حققت ارتفاعات كبيرة نسبياً، وذلك بفضل الأداء الجيد للاقتصادات الآسيوية.

ومع مطلع العام الحالي 2012 استمر انخفاض مؤشر الإمارات للأوراق المالية في ظاهرة لافتة للنظر، غير أنه عاد وعوض جزءاً من خسائره جراء هذا التراجع مع نهاية شهر يناير الماضي وبداية شهر فبراير الجاري، الأمر الذي يتطلب ضرورة دراسة هذه الظاهرة التي تعرضت لها بورصتا الدولة، ولاسيما أن كثيراً من المستثمرين والمؤسسات تعرضوا لخسائر جسيمة، وفقدوا الجزء الأكبر من مدخراتهم، علما بأن غياب الدراسات والمبررات الموضوعية، وبالأخص تلك الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والسلع، أوقع المستثمرين في حيرة.

ومع استعادة سوق الأسهم المحلية بعض عافيتها، وذلك تماشياً مع الارتفاعات الكبيرة للأسواق المالية العالمية وبعض أسواق المنطقة، كسوقي قطر والسعودية، تبرز الحاجة إلى ضرورة تعزيز هذا التوجه التصاعدي في بورصتي الدولة خلال العام الجاري 2012، وذلك من خلال اتخاذ العديد من الإجراءات التي يمكن أن تساهم في إنعاش التداولات والأسعار، وتقلل قدر الإمكان من تأثر سوق الأوراق المالية بتطورات البورصات العالمية، وبالأخص تلك التي تعاني بلدانها من أزمات، وتساهم في تعزيز ربط البورصات المحلية بالتطورات الاقتصادية المحلية وبأداء الشركات المدرجة؛ بهدف إيجاد الانسجام اللازم بين مكونات الاقتصاد المحلي. ويتمثل أهم هذه الإجراءات في:

أولاً؛ العمل على إعادة الثقة بسوق الأوراق المالية في الدولة، من خلال زيادة الإفصاح والشفافية ووضع الدراسات التي تبيّن مدى جدوى الاستثمار في الشركات والبنوك المدرجة، والتي تحقق أرباحاً مجدية، مقارنة بمجالات الاستثمار الأخرى؛ حيث يلاحظ غياب مثل هذا الوعي، ولاسيما لدى صغار المستثمرين.

ثانياً؛ محاولة تحديد الأسباب التي تقف وراء إحجام الاستثمار المؤسسي وابتعاده عن الاستثمار في بورصتي الدولة، ولاسيما أن المؤسسات الكبيرة في القطاعين العام والخاص تملك قدرات مالية يمكن أن تساهم في تنمية سوق الأوراق المالية، وتحقيق أرباح مجزية من خلال الاستثمار في هذه السوق في الوقت نفسه.

ثالثاً؛ العمل على تعزيز البنية التشريعية لسوق الأوراق المالية، والحد من المضاربات غير القانونية، والتي أساءت للسوق في الفترة السابقة، وأفقدتها كثيراً من الثقة، فالمضاربات سمة ملازمة لأسواق المال، غير أنها يجب أن تكون في إطار الأنظمة المعمول بها في هذه الأسواق.

رابعاً؛ دراسة إمكانية دمج السوقين الماليين في سوق واحدة كبيرة نسبياً، مما سيكسبها مزيداً من الأهمية، ويحد من المضاربات، ويؤدي إلى تقوية بنيتها التشريعية وتوحيدها.

هذه الإجراءات وغيرها من المعالجات، بالإضافة إلى العوامل الخارجية المتمثلة في قدرة منطقة "اليورو" على تجاوز أزمة الديون، واستقرار الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة في منطقة الشرق الأوسط، يمكن أن تعطي دفعة قوية لأسواق المال المحلية في الفترة القادمة؛ حيث بدأت بوادر مثل هذا الانتعاش في البروز مؤخراً.

وفي الوقت نفسه، سوف يتمكن كثير من الشركات والبنوك المدرجة في سوقي الدولة للأوراق المالية في هذا العام من تغطية الجزء الأكبر من التزاماتها وانكشافاتها السابقة، وذلك بعد أن أخذت مخصصات كبيرة خلال العامين الماضيين، مما سيؤدي إلى ارتفاع أرباحها بصورة ملحوظة، وبالتالي زيادة توزيعات الأرباح في العام الجاري، مما سيزيد من إقبال المستثمرين وينعش سوق الأوراق المالية، والتي ستعوض بالتالي جزءاً من خسائرها، وتستعيد نموها وأداءها الجيد من جديد في عام 2012.

Share