أسواق الطاقة العالمية: التحديات الراهنة والآفاق المستقبلية

  • 31 أكتوبر 2011

تعصف بأسواق الطاقة العالمية في الوقت الراهن رياح متعاكسة الاتجاهات تجد تأثيرها في تقلبّات مستويات الأسعار. فهناك الأزمات الاقتصادية العالمية المستمرة منذ عام 2008 في الدول الصناعية الغربية من ناحية، يقابلها من ناحية أخرى استدامة عملية النمو الاقتصادي في الدول الناشئة (الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية). وقد ترك هذا الشرخ في نمو الاقتصادات العالمية الكبرى بصماته على معدلات نمو الطاقة العالمية، فقد استمرت زيادات الطلب على الطاقة، رغم الأزمات الاقتصادية في الدول الصناعية التقليدية (أوروبا والولايات المتحدة) بسبب الحجم الاقتصادي الكبير للدول الناشئة ومعدلات الطلب العالية فيها، والذي أصبح يوازي نصف الطلب العالمي على الطاقة تقريباً، أي إنه يقارب مستوى الطلب على الطاقة في الدول الصناعية الغربية.

لكن يبقى السؤال في إمكانية استمرار ديمومة النمو الاقتصادي في الدول الناشئة. فهذه الدول لها مشكلات اقتصادية واجتماعية كبيرة مثل: الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، وتذبذب قيمة عملاتها بالنسبة لبقية العملات الصعبة الدولية مما يؤثر على ميزانها التجاري، والأهم من هذا وذاك أن أسواق التصدير لهذه الدول تتركز في الدول الصناعية الغربية، وبالتالي فإن انكماش أسواق هذه الأخيرة بسبب أزماتها الاقتصادية سيؤثر عاجلاً أو آجلاً في صادرات الدول الناشئة؛ لأن اقتصاداتها تعتمد في الأساس على الصادرات من أجل المحافظة على معدلات نموها العالية، ومن ثم معدلات زيادة استهلاكها السنوي للطاقة، وذلك على عكس الولايات المتحدة التي تعتمد على سوقها المحلي المتطور في استهلاك منتجاتها وخدماتها.

وهناك من ناحية ثالثة، أزمة الديون السيادية في أوروبا؛ حيث يعكف القادة الأوربيون منذ أشهر على محاولة حل هذه الأزمة في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، ورغم الاجتماعات الأسبوعية تقريباً لوزراء المالية، أو حتى لرؤساء الدول، فإن قرارات حل هذه الأزمة لا تزال مؤجلة، وسبب الخلاف الرئيس هو بين ألمانيا وفرنسا. فألمانيا تعرف مسبقا إن أي حل جذري للأزمة سيكلف أوروبا تريليونات اليورو؛ إذ إن المشكلة لا تنحصر في اليونان فقط، بل من الممكن جداً أن تمتد إلى إسبانيا وأيرلندا والبرتغال، بل حتى إيطاليا وربما فرنسا- لا بسبب أي عجز ملحوظ في اقتصاديات بعض هذه الدول (مثل فرنسا)، لكن بسبب انكشاف مصارفها ومؤسساتها المالية على الدول المديونة. ومشكلة القادة الألمان هي الخوف من رد فعل الرأي العام الداخلي الذي سيتحمل ضرائب أعلى من أجل حل مشكلات دول أخرى، واحتمال تأثير ذلك على فرص نجاح الحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة.

ولاشك في أن ترك هذه الأزمة مستمرة من دون حلّ كان له أثره في الأسواق العالمية (السلع الأساسية ومنها النفط الخام، والعملات، وأسواق الأسهم)، التي ظلت مرتبكة تتأثر بالأخبار التي تسبق الاجتماعات، منتظرة أن يرمي لها السياسيون حبل الإنقاذ، قبل أن تعود وتدخل في موجة تراجع عندما تنتهي الاجتماعات دون قرارات حاسمة. إضافة إلى ذلك، فقد صاحبت أزمة الديون الأوروبية، مشكلات اقتصادية في الولايات المتحدة، متمثلة بارتفاع معدلات البطالة (أكثر من 9%)، وتزايد نفوذ حزب الشاي ضمن الحزب الجمهوري في الكونغرس، والذي يتبنى موقفاً عقائدياً محافظاً جداً ضد أي توسع لدور الحكومة الفدرالية في الاقتصاد، ومن ثم الحد من صلاحياتها للعمل على حل المشكلات كما يطالب بها الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، ومن ثم تأجيل برامجه الإصلاحية لمعالجة المشكلات الاقتصادية للبلاد.

لكن،  وعلى الرغم من هذه المعطيات الاقتصادية السلبية، والتي من المفروض أن تحد من نمو الطلب العالمي على الطاقة، فقد استمر الطلب في الارتفاع، كما استمر مستوى الأسعار يتذبذب في نطاق محدود نسبياً طوال عام 2011، وذلك لأسباب وعوامل أخرى تركت بصماتها على ميزان العرض والطلب؛ منها، على سبيل المثال، انحسار إمدادات النفط الليبي بمعدل 300 ألف برميل يومياً حتى نهاية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، على الرغم من الزيادة في إنتاج بعض دول أوبك (السعودية والإمارات والكويت)، والتي يقدر مجموعها بنحو 170 مليون برميل، والسحب من المخزون الاستراتيجي من الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، والذي وصل مجموعه إلى نحو 60 مليون برميل. هذا مع العلم بأن معدل إنتاج ليبيا من النفط قبل الثورة كان نحو 1.7 مليون برميل يوميا، يتم استهلاك نحو 250-300 ألف برميل يومياً داخلياً فيما يتم تصدير الباقي.

من جهة أخرى، ساعد النقص في إمدادات دول أخرى من خارج منظمة أوبك في المحافظة على استقرار الأسعار، في الوقت الذي شهد طلباً متزايداً من اليابان على المنتجات البترولية وعلى الغاز تعويضاً لكارثة فوكوشيما وإغلاق المفاعلات النووية المنتجة للطاقة الكهربائية، كما ساعدت على ذلك العوامل الطبيعية، كالأعاصير والعواصف الاستوائية في خليج المكسيك، والتي أغلقت كميات مهمة من إنتاج النفط والغاز الأمريكي في هذه المنطقة البحرية. فقد أدت العاصفة الأولى "لي" إلى حجب نحو 2.4 بليون قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي من خليج المكسيك، بالإضافة إلى نحو 860 ألف برميل يومياً من النفط الخام، أو ما يعادل نحو 42% من إنتاج الغاز الأمريكي من خليج المكسيك، ونحو 27 % من إنتاج النفط الخام من المنطقة نفسها.

وبشكل عام تراجع حجم الإنتاج من الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك خلال العام 2011 بأكثر من 600 ألف برميل يومياً، بسبب تراجع الإنتاج من حقول بحر الشمال (القسمين البريطاني والنرويجي)، ووجود مشكلات تقنية في إنتاج النفط الحجري (السجيل) الكندي، مما أدى إلى عدم ارتفاع مستويات الإنتاج إلى المعدلات المخطط لها، هذا بالإضافة إلى التعقيدات السياسية التي واجهت تصدير نفوط بحر قزوين إلى أوروبا مما أدى إلى تأخر هذه المشاريع عن مواعيدها المحددة.

في الجانب الآخر، أدى الإنتاج التجاري للغاز الصخري في الولايات المتحدة إلى حدوث تغيير جذري وأساسي في صناعة الغاز العالمية، بل في أسعار الغاز عالمياً؛ حيث بدأت الولايات المتحدة، أكبر مستورد للغاز المسال في العالم ، في تصدير الغاز إلى بريطانيا.

لقد أدى انخفاض معدلات الطلب، والزيادة الملحوظة في إنتاج بعض دول أوبك، بالإضافة إلى قرار وكالة الطاقة الدولية استعمال الاحتياطي الاستراتيجي المتوفر لديها، وتسويق بعض هذا الاحتياطي في أثناء فترة الصيف- أدت هذه العوامل مجتمعة، إلى حدوث توازن بين العرض والطلب في الأسواق العالمية خلال فصل الصيف، وإلى استقرار المخزون التجاري النفطي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الدول الصناعية الغربية) عند معدله للسنوات الخمس الماضية، وذلك رغم انقطاع إمدادات النفط الليبية. وكما هو معروف فإن مستوى المخزون التجاري للنفط هو مؤشر مهم في تقديرات الأسواق لأسعار النفط، ومدى ارتفاعها أو انخفاضها.

وكذلك، فان الاهتمام العالمي، الرسمي والشعبي، بقضايا البيئة والتغير المناخي، بدأ يترك بصماته هو الآخر على استهلاك الوقود الأحفوري. فإلى جانب الاتفاقيات الدولية، ولاسيما اتفاقية كيوتو، أصبح المواطن بدوره يعي أهمية ترشيد استهلاك الطاقة، وذلك بسبب التخوف من تأثيرات التغير المناخي على البيئة، ناهيك عن الضرائب العالية المفروضة على استهلاك الطاقة، ولاسيما في الدول الصناعية.

ومن نافل القول، أن تقلبات معدلات أسعار النفط والغاز لها آثارها على اقتصاديات دول الخليج العربي، التي تعتمد بشكل كبير على عوائدها النفطية. لكن هذه الدول لم تتأثر كثيراً بسبب المتغيرات المذكورة آنفاً، والتي ساهمت في استقرار أسعار النفط ضمن نطاق سعري متوازن نسبياً؛ حيث حافظت أسعار النفط الخام على معدلات مستقرة خلال عام 2011؛ إذ سجل معدل سلة نفوط أوبك 112.18 دولار خلال الشهر الثاني من هذا العام، كما سجل نحو 111.62 دولار خلال شهر تموز/ يوليو، ونحو 106.32 دولار خلال شهر آب/ أغسطس.

لكن، ماذا عن أسعار النفط في المستقبل القريب؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل ستتوقف إلى حد بعيد على حالة الاقتصاد العالمي، وقدرته على التعافي من الأزمات الاقتصادية، وبناء على ذلك سيتحدد معدل الطلب على النفط الخام، ومن ثم متوسط الأسعار.

Share