أسعار النفط ومستقبل الاقتصاد العالمي

  • 23 أغسطس 2015

يبدو أن ما تمر به أسواق النفط العالمية حالياً من تراجع لن يكون أمراً طارئاً، فإذا كانت أسعار النفط قد انطلقت العام الماضي في رحلتها نحو الهبوط؛ مدفوعة ببعض السياسات النفطية لدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، فإن تعمق تراجعها خلال الأسابيع الماضية يعود إلى عوامل مختلفة عن ذلك، ولا ترتبط بجانب العرض بقدر ما هي مرتبطة جذرياً بما يحدث في جانب الطلب، حيث التباطؤ الاقتصادي المثير للريبة في الصين، الذي يبدو أن كل ما حدث فيه خلال الفترة الماضية ليس إلا بداية لرحلة طويلة نحو الركود، قد تقود الاقتصاد العالمي إلى قاع جديد على منحنى الأداء.

وتدور أسعار النفط العالميـة الآن حول 45 دولاراً للبرميل، وذلك بالنسـبة إلى خام برنت القياسـي، في حين تدور أسعار الخام الأمريكي الخفيف حول 40 دولاراً، وهذه المستويات هي الأدنى منذ المراحل الأولى للأزمـة المالية العالمية، إذ لم تبلغها الأسعار منذ الشهور الأولى من عـام 2009، وهذا مؤشـر إلى حقيقة الضغوط الشديدة التي تعانيها الأسـواق العالمية في الوقت الراهـن، مقارنة بأي مرحلة على مدار السنوات الخمس الماضية. وإذا كان تراجع أسعار أي سلعة ينتج في المقام الأول، وقبل أي سبب آخر، عن اختلال العلاقة بين جانبي العرض والطلب عليها، بما يؤدي إلى حدوث فائض في المعروض منها في الأسواق، فإن أسباب هذا الاختلال بدوره تختلف من مرحلة إلى أخرى، ووفق طبيعة هذه الأسباب يمكن معرفة إلى أي مدى سيستمر الاختلال، وبالتالي الآثار الناجمـة عنـه.

وإذا كان خلل العلاقة بين العرض والطلب الذي تعانيه أسواق النفط العالمية منذ فترة ليست بالقصيرة، قد نتج في البداية عن السياسة النفطية التوسعية التي تبنتها بعض الدول غير الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، وبعض الدول الأخرى الأقل نسبياً في الإنتاج، مثل كندا، فإن أسبابه الآن أصبحت مختلفة بعض الشيء، إذ تتجه الأنظار حالياً إلى تراجع الطلب العالمي على النفط، والذي يعود بدوره إلى تراجع معدل نمو الاقتصاد الصيني إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، الأمر الذي زعزع ما كان متبقياً من الاستقرار الاقتصادي العالمي، ولاسيما في ظل المكانة التي يشغلها الاقتصاد الصيني، الذي ظل على مدار السنوات المنقضية منذ بداية الأزمة المالية العالمية المحفز الرئيسي للنمو العالمي، وكان معدل نموه دليلاً على أن الاقتصاد العالمي لا يزال يتمتع ببعض الزخم، وخاصة أن النمو الصيني في ذاته يعتمد بشكل أو بآخر على استمرار الطلب العالمي على المنتجات الصينية؛ وبالتالي فإن تباطؤ نموه لفت الانتباه إلى أن هناك مشكلة حقيقية يعانيها الاقتصاد العالمي برمته، قبل أن يعانيها هو ذاته.

وفي ظل أن الصين هي أكبر مستهلك للطاقة في الوقت الحالي، وثاني أكبر مستهلكي النفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استشعرت أسواق النفط ضغوطاً شديدةً بسبب تباطؤ معدل نموها الاقتصادي، فانطلقت الأسعار في موجة تراجع استثنائية، لا يُتَصور أن تخرج منها من دون حدوث انتعاش حقيقي في الاقتصاد الصيني، وهو أمر قد يطول انتظاره بعض الشيء، إذ إن المسؤولية الآن باتت ملقاة على عاتق الاقتصاد العالمي، الذي يُراد منه أن يولّد الطلب على منتجات الصين؛ لتسريع وتيرة العمل والإنتاج في مصانعها، وبالتالي زيادة طلبها على النفط والطاقــة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات