أسعار الغذاء ومعدلات الجوع العالمية

  • 11 يناير 2012

شهدت أسواق الغذاء العالمية تجربتين أليمتين خلال الفترة بين عامي 2007 و2010، وهما التجربتان اللتان حملتا الكثير من ملامح الأزمة، وكان قوام التجربتين متمثلاً في ارتفاعات استثنائيّة في أسعار الغذاء العالمية، كنتيجة لخلل مزمن في العلاقة بين جانبَي العرض والطلب على الغذاء حول العالم، فقد ظل العرض غير مستقرّ وقاصراً عن تلبية احتياجات الطلب المتزايد باطّراد، وكانت النتيجة هي الارتفاع المستمر في فاتورة الغذاء العالميّة، وتضرر عدد غير قليل من سكان العالم، خاصة في بعض الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية، وهي المناطق التي تضم أكثر من ثلاثة أرباع من يعانون الجوع حول العالم.

تسبّبت التجربتان المذكورتان في عرقلة الجهود العالميّة الساعية إلى خفض معدلات الجوع العالمية التي يعمل عليها “البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة”، الذي كان يضع هدف تخفيض معدلات الفقر العالميّة إلى النصف بحلول عام 2015 كواحد من “الأهداف الإنمائية للألفية”، لكن الظروف غير المواتية في أسواق الغذاء العالمية قد قضت على آمال الوصول إلى الهدف في الأمد الزمنيّ المذكور، وبرغم مرور ما يزيد على عقد من الزمان على إطلاق مشروع “الأهداف الإنمائية للألفية”، فإن معدلات الجوع العالميّة ما زالت تدور حول المستويات نفسها، التي كانت سابقة قبل الإطلاق في عام 2000، بل إن نسبة من يعانون نقصاً في الغذاء حالياً يزيدون على 16٪ من سكان العالم، وذلك وفقاً لمنظّمة “الأمم المتحدة للأغذية والزراعة” (الفاو).

لكن على ما يبدو أن الملامح غير المطمئنة التي اصطبغ بها وجه أسواق الغذاء العالميّة، على مدار السنوات الماضية، قد أخذت في التغير خلال الأشهر الأخيرة، حيث أظهرت بيانات منظّمة “الفاو” مؤخراً عدداً من مظاهر التغير الإيجابي فيها، وكان على رأس التغيرات الآخذة في الحدوث التراجع الملحوظ في أسعار الغذاء العالميّة، فقد أظهرت تلك البيانات انخفاض الرقم القياسيّ لهذه الأسعار بنحو 16 نقطة في الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر 2011، لتعود الأسعار إلى مستويات ما قبل الارتفاع الذي شهدته قبل أكثر من عام ونصف العام. وإلى جانب ذلك تتوقّع “الفاو” ارتفاع الإنتاج العالمي للحبوب خلال العام الجاري بنسبة تقارب 3٪، وهو ما سيكون في حال تحقّقه إحدى القوى الدافعة لأسواق الغذاء العالمية للخروج من المنطقة المظلمة التي ظلّت فيها على مدار سنوات سابقة.

سيكون أداء أسواق الغذاء العالمية، خلال الفترة المقبلة، هو محصّلة نهائية لصراع قوتين متضادتين، إحداهما إيجابية تدفع العرض إلى الزيادة، وتحفزه على الاستقرار، والأخرى سلبيّة تدفع الطلب نحو المزيد من النمو المطّرد، وقودها النمو السكاني الكبير من ناحية، وتحسّن مستويات معيشة سكان العديد من الدول كثيفة السكان من ناحية أخرى، ولعل إنجاح القوة الإيجابيّة، وبالتالي التمكن من سدّ الفجوة بين جانبي العرض والطلب، ومن ثم تحقيق المزيد من الاستقرار والأمن الغذائي العالمي، لن يتحقّق إلا بالتعاون وتنسيق سياسات الزراعة والأمن الغذائي بين دول العالم في إطار عمل عالمي منظم وموجّه نحو هدف واحد، وهو “القضاء على الجوع العالمي”.

Share