أستراليا وصناعة الغاز المسال العالمية

د. وليد خدوري: أستراليا وصناعة الغاز المسال العالمية

  • 9 أبريل 2015

أشارت شركة "بريتش غاز" (بي جي)، في تقرير لها مؤخراً، إلى أنه من المتوقع حدوث توسع كبير في صناعة الغاز المسال عالمياً في المستقبل المنظور. وقد اعتبر التقرير أن هذا التوسع بدأ فعلاً خلال نهاية عام 2014، مع التشغيل التمهيدي لخط الإنتاج (القطار) في مصنع "كوينسلاندكرتس للغاز المسال"، ومن المتوقع أن يعمل هذا المصنع بكامل طاقته (8 ملايين طن سنوياً) خلال عام 2015.

ستلعب أستراليا الدور الأهم في زيادة الطاقة الإنتاجية للغاز المسال خلال هذا العام، حيث إنه من المقرر أن تبدأ في تشغيل مشروعات عدة جديدة دفعة واحدة خلال عام 2015 (مصنع "غورغون" لشركة "شفرون" ومصنع "غلادستون" لشركة "سانتوس"، و"مصنع أستراليا الباسيفي للغاز المسال" لشركة "كونوكو فيليبس"). ويبلغ مجموع عدد مصانع تسييل الغاز قيد الإنشاء حالياً في أستراليا نحو سبعة مشروعات، تشارك "بي جي" في واحد منها فقط. ومن المتوقع أن تضيف الطاقة الإنتاجية الجديدة للغاز المسال الأسترالي خلال النصف الثاني لعام 2015 نحو 21 مليون طن سنوياً. وسيكون بإمكان أستراليا زيادة طاقتها الإنتاجية للغاز المسال بنحو 58 مليون طن سنوياً بحلول عام 2019.

سترفع هذه الزيادة الأسترالية مجمل الطاقة الإنتاجية العالمية لإنتاج الغاز المسال إلى نحو 250 مليون طن سنوياً. وستشكل الإمدادات الأسترالية نحو 3% من مجمل تجارة الغاز المسال عالمياً. من الملاحظ أن هذه الزيادة الضخمة والسريعة تأتي بعد أربع سنوات من دون أي زيادات تذكر لطلب إضافي جديد. هذا يعني أن سوق الغاز المسال ستشهد تخمة وهزات كبيرة خلال العام الحالي والأعوام القليلة المقبلة، نظراً إلى زيادة الإمدادات عن الطلب؛ فمحطات الاستقبال العالمية الحالية لديها عقود للتجهيز تمتد لسنوات، بل لعقود عدة. بينما هناك 12 محطة استقبال جديدة فقط، من المتوقع أن تبدأ العمل قريباً لاستيعاب الإمدادات الجديدة، بالإضافة إلى توسيع طاقة محطة واحدة أخرى. وتقع هذه المحطات في باكستان ومصر والأردن والفلبين وبولندا والأرغواي.

نوّه التقرير المذكور بأن هناك عوامل حيوية ستلعب دوراً مهماً في التأثير في أسواق الغاز خلال السنوات المقبلة، منها: مدى وسرعة عودة محطات الطاقة النووية الكهربائية اليابانية إلى العمل مرة أخرى (عوضت اليابان فقدانها للطاقة الكهربائية بعد حادث فوكوشيما النووي في مارس 2011 بزيادة استيراد الغاز المسال، خاصة من قطر)، واستدامة نمو الاقتصاد الصيني؛ أكبر مستهلك للطاقة عالمياً. كما توقع التقرير أن تحدث تخمة في إمدادات الغاز المسال، ما سيدفع إلى تحويل بعض الشحنات إلى الأسواق الأوروبية. وتوقع التقرير أيضاً أن تتقلص الفروقات السعرية الحالية ما بين أسعار إمدادات الغاز إلى أوروبا وتلك إلى آسيا خلال عام 2015؛ نظراً إلى انخفاض أسعار النفط الخام.

تشير الإحصاءات إلى أن مجمل إمدادات الغاز المسال المتداولة تجارياً على الصعيد العالمي بلغ نحو 243 مليون طن خلال عام 2014. وانخفضت أسعار البيع والشراء الفورية، التي تعتبر مؤشراً إلى حيوية سوق الغاز. وما أدى إلى هذا الانخفاض السعري هو تدهور سعر النفط منذ يونيو 2014. وقد استمرت الدول الآسيوية في تسجيل أعلى طلب للغاز خلال عام 2014؛ إذ بلغ معدل الطلب الآسيوي نحو 182 مليون طن خلال عام 2014. واستوردت اليابان نحو 89 مليون طن، وكوريا الجنوبية نحو 38 مليون طن، والصين نحو 20 مليون طن، والهند نحو 15 مليون طن. لكن من اللافت للنظر أن استيراد البرازيل من الغاز ارتفع خلال عام 2014 بنسبة 25% تقريباً، مسجلاً أعلى زيادة من نوعها خلال العام الماضي؛ ذلك بسبب الجفاف الذي أصاب البلاد، ما أدى إلى تخفيض إنتاج الطاقة الهيدروكهربائية التي تعتمد عليها البلاد، ومن ثم الاضطرار إلى استبدالها ليحلّ محلها الغاز.

من الجدير بالذكر، أن كلفة إنتاج الغاز المسال في أستراليا هي أعلى بكثير من كلفة الإنتاج في الدول الآسيوية المصدّرة للغاز المسال (قطر وإندونيسيا)؛ فأجور اليد العاملة في أستراليا مرتفعة جداً، لكن لم تمنع هذه الأسعار المرتفعة للغاز الأسترالي من تشييد الطاقة الإنتاجية العالية التي ستؤدي إلى تخمة في الأسواق، ومن ثم إلى انخفاض أسعار الغاز. وتأتي الإمدادات الأسترالية قبل أن يبدأ تصدير كميات ضخمة من الغاز الصخري الأمريكي بحلول أوائل العقد المقبل، أو توافر إمدادات كبيرة خلال الفترة نفسها تقريباً من الغاز من شرق إفريقيا، خاصة من تنزانيا وموزمبيق. وبلا شك، فإن الغاز الأمريكي أو الشرق إفريقي سيتم تصديرهما في شكل غاز مسال لنقلهما إلى الأسواق الاستهلاكية، التي ستشكل الأسواق الآسيوية الجزء الأهم منها.

تكمن أهمية الظاهرة الأسترالية في تزامن زيادة إمدادات الغاز المسال من دول متعددة، واتجاهها عموماً إلى الدول الآسيوية، ما سيخلق تخمة في الأسواق ومن ثم انخفاضاً في الأسعار. كما تتزامن هذه الظاهرة مع محاولات بعض الدول الآسيوية تخفيض قيمة المعادلة السعرية لأسواقها، منتهزة فرصة توافر التخمة. فكما هو معروف لا تتوافر أسعار موحدة للغاز عالمياً، كما هو الأمر في تسعير النفط الخام. وتكمن المشكلة في أن الفروقات كبيرة جداً ما بين الأسواق الآسيوية والأوروبية. ففي آسيا يتم اعتماد معادلة معتمدة على معدل أسعار النفط الخام الذي تستورده اليابان، بينما تعتمد أوروبا على معادلة تعتمد معدل أسعار المنتجات البترولية المستوردة. وتتباين الأسعار ما بين المعادلتين، وتصبح الفروقات كبيرة جداً، بحيث يرتفع سعر الغاز المستورد في الأسواق الآسيوية نحو 15-17 دولاراً لمليون وحدة حرارية بريطانية، مقابل نحو 8-14 دولاراً لمليون وحدة بريطانية في الأسواق الأوروبية. ويكمن السبب في هذه الفروقات في التغيرات في أسعار النفط.

تنتهز الدول الآسيوية المستوردة فرصة حدوث تخمة في الإمدادات. وبالفعل، فقد تمت إثارة هذا الموضوع مثلاً من قبل بعض الشركات اليابانية مع الشركات المصدّرة. لكن، بما أن هذه الاتفاقات طويلة الأمد، فإمكانية تغيير العقود ليست سهلة. إلا أن الدول المستوردة ستحاول تغيير أسس المعادلات السعرية في الاتفاقات الجديدة أولاً، ومن ثم تغيير بنود الاتفاقات القديمة.

المهم في الأمر، أن صناعة الغاز المسال بصدد بعض التغييرات الأساسية. فمن ناحية، أصبحت الأسواق الآسيوية أكبر مستهلك للغاز عالمياً، ومن ناحية أخرى، تعددت وزادت مصادر إمدادات الغاز المسال. هذا يعني أنه في الوقت الذي توسعت فيه أسواق الغاز، ببروز الأسواق الآسيوية الجديدة في الصين والهند وتايلاند وباكستان واليابان، هذه الأسواق التي عوضت خسارة السوق الأمريكية للإنتاج المحلي من الغاز الصخري، بالإضافة إلى عدم زيادة الاستهلاك بشكل ملحوظ في أوروبا.

من ناحية أخرى، نلاحظ بروز قطر في المرتبة الأولى لتصدير الغاز المسال آسيوياً، بدلاً من إندونيسيا التي انتقلت إلى المرتبة الثانية. وفي المستقبل المنظور، ستتنافس أستراليا وشرق إفريقيا والولايات المتحدة مع قطر وإندونيسيا في تزويد إمدادات ضخمة من الغاز للأسواق الآسيوية، الأمر الذي سيساعد الشركات المستوردة في مفاوضاتها لتغيير أسس الاتفاقات السابقة الطويلة الأمد. هذه العوامل جميعها ستؤدي إلى تغييرات مهمة جداً في صناعة الغاز المسال العالمية، أكان ذلك في مجال توفير الإمدادات أم في مجال توسع الأسواق، خاصة في آسيا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات