أزمة منطقة اليورو: هل تكون تكراراً لأزمة 2008 المالية العالمية؟!

  • 16 مايو 2010

من أقوال الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين المأثورة: "التاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه كثيراً ما يتشابه"، وقد حدث ذلك في مطلع الشهر الحالي (مايو 2010) حين ضربت الاقتصاد العالمي أزمة جديدة، بعد أن كان قد بدأ يشق بصعوبة طريقه للتعافي من أزمة سبتمبر 2008 المالية العالمية، وهذه الأزمة الجديدة، التي أطلقت عليها الصحافة العالمية اسم "ليمان الثانية"، نسبة إلى انهيار بنك "ليمان براذر" الأمريكي الذي فجر الأزمة العالمية الراهنة، لم تكن بسبب مجموعة من البنوك المتعثرة، وإنما جاءت بسبب تورط بعض الدول الأوروبية في مأزق تراخي تسديد الديون.

وقد ألقت هذه الأزمة بتداعياتها المباشرة على أسواق المال العالمية. ففي 5 مايو 2010 هبطت مؤشرات أسواق المال الأوروبية والآسيوية بشكل حاد؛ حيث مُني مؤشر داو جونز بخسارة تاريخية غير مسبوقة بلغت 1000 نقطة، واستمر هذا الهبوط مدة ساعة كاملة قبل أن يستعيد ثلاثة في المائة من الخسارة.

ولمنع انتشار عدوى أزمة الديون الأوروبية التي هوت باليورو إلى أدنى مستوياته خلال السنوات الأربع الماضية، إلى باقي أنحاء العالم، عقد قادة الاتحاد الأوروبي الستة عشر قمة طارئة في العاشر من مايو الحالي (2010) في بروكسل، أقروا في ختامها خطة إنقاذ اقتصادي غير مسبوقة بلغت قيمتها 750 مليار يورو (972 مليار دولار أمريكي)، وذلك قبل أن تفتح أسواق الأسهم والسندات المرتبكة تعاملاتها الأسبوعية. في الوقت نفسه، أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أنه بصدد فتح خط ائتمان لبنوك أوروبا المركزية وصندوق النقد الدولي لإنقاذ اليونان المفلسة واليورو المتعثر. وقد وصف ماركو أنونزياتا، كبير الاقتصاديين في مجموعة يوني كريديت العالمية، خطة الإنقاذ الأوروبية بـ"الصدمة والرعب"، على أساس أن الدول الأوروبية أرادت منها إحداث صدمة للأسواق العالمية، والأوروبية بشكل خاص، توقف هذه الأزمة وتمنع تفاقمها.

لقد كان من شأن الإعلان عن هذه الخطة التي تقترب قيمتها من التريليون دولار أمريكي أن ساهم في تحقيق استقرار مؤقت للمؤشرات المالية العالمية، ربما ليوم واحد. ولكن سرعان ما بدأت أسواق الأسهم واليورو تشهد تغيرات قوية بسبب المخاوف من أن خطة الإنقاذ الضخمة لن تحل المشكلة إلا بصفة مؤقتة. وحسب رأي بروفيسور نوريل روبيني من جامعة نيويورك، فإن الخطة الأوروبية لن تجدي إلا قليلاً بالنظر إلى أنها لم تعالج جذور المشكلة، في حين يرى المستثمر الدولي مارك فيبر أن خطة الإنقاذ المالية الموعودة ليست موجهة لحل المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها بعض الدول الأوروبية مثل اليونان وإنما للبنوك الأوروبية التي لها ديون على هذه الدول.

جدير بالذكر أن هذه الأزمة المالية والاقتصادية الجديدة التي عصفت بمنطقة اليورو كانت قد أثارتها بالأساس اقتصادات البرتغال وإيطاليا وايرلندا واليونان وإسبانيا، التي تعاني جميعها عجزاً ضخماً في موازناتها نتيجة تداعيات الأزمة المالية العالمية ومستويات الاستهلاك المرتفعة في هذه الدول؛ حيث وجدت هذه الدول صعوبة في تسديد مستحقات دائنيها، ولاسيما تلك المستحقة للبنوك الكبرى والحكومات الأوروبية الأخرى، في الوقت الذي كانت فيه هذه الأخيرة (البنوك الأوربية الكبرى والحكومات) غير قادرة على شطب ديون هذه الدول المتعسرة؛ نظراً لأنها هي نفسها كانت تعاني من وطأة أزمة القروض الأمريكية.

ويمكن تصور مدى فداحة الأزمة من خلال قياس مستويات الديون الضخمة التي سجلتها ميزانيات الدول الأوروبية المتعسرة. فاليونان، التي تقف في وسط الأزمة الحالية، سجلت ارتفاعاً كبيراً في حجم ديونها التي بلغت نسبتها 113 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي خلال العام الماضي (2009). وكذلك الحال في توقعات نمو معدلات الدين في كل من إيرلندا والبرتغال والمملكة المتحدة خلال عام 2010؛ حيث يتوقع أن تصل هذه معدلات إلى ما نسبته 82.9% و84.6% و80.3% من إجمالي الناتج المحلي للدول الثلاث على الترتيب.

هذا الوضع من شأنه أن يقلق العديد من المستثمرين والمضاربين الذين بدؤوا بالفعل في تحويل أموالهم إلى ما يعتقدون أنه ملاذ آمن مثل سندات الخزينة الأمريكية والمعادن النفيسة كالذهب. ومع تدفق الأموال إلى الخارج قد تجد بنوك أوروبية نفسها في موقف ضعيف. ويخشى حالياً من أن انهيار بنك واحد قد يترتب عليه تأثيرات قوية على البنوك الأخرى، على نحو مشابه لخسائر الرهونات المتعاقبة التي بدأت في بنوك الولايات المتحدة في فبراير 2007.

وفي إطار سعيها لإنقاذ الدول الأعضاء المتعسرة وشراء سنداتها، وافقت منطقة اليورو أخيراً على تطبيق النموذج الذي طرحه رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بن برنانكي، والذي يقوم على توظيف التسهيلات النقدية كوسيلة لتفادي عوامل الانكماش، وهو الأمر الذي كانت أوروبا ترفضه في السابق، استناداً إلى خبراتها السلبية في هذا الصدد؛ حيث يرى اقتصاديون أن تجربة التضخم المفرط التي شهدتها ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي خلال فترة ما يعرف بـ"جمهورية ويمار"، والتي تم خلالها تبني سياسات مشابهة تقوم على زيادة المعروض النقدي لتفادي عوامل الانكماش الاقتصادي، هي التي منعت الأوروبيين في السابق من تبني هذا النهج الأمريكي القائم على سياسة التوسع النقدي والمالي. أما الولايات المتحدة فقد سعت من جانبها ومن خلال تبني هذا النهج إلى تفادي ما تعتقد أنها أخطاء ارتكبتها خلال فترة الكساد الكبير الذي وقع في عام 1930؛ حيث انتقد بن برنانكي، الذي عاش في هذه الفترة وتأثر بها، السياسات الأمريكية في تلك الحقبة، معتبراً أن عدم تدخل الحكومة لإنقاذ البنوك والمؤسسات المالية واتباعها بدلاً من ذلك إجراءات تقشفية هي التي ساعدت، في رأيه، في إطالة أمد الكساد الكبير إلى ما يقارب عقداً من الزمن.

وعلى الرغم من قيام الدول الأوروبية باتباع نفس النهج الأمريكي في التعامل مع الأزمة المالية، فإنه يجب الاعتراف أن سياسات التوسع المالي لإدارة أوباما والتسهيلات النقدية المفرطة المقدمة من الاحتياطي الفيدرالي، لم تقد حتى الآن إلى تعافي الاقتصاد الأمريكي بالكامل، كما أن هذا الأخير لم يستطع استعادة حيويته المعهودة، فهو ما زال يعتمد على الدعم الحيوي لأسعار الفائدة المنخفضة التي أقرها الاحتياطي الفيدرالي والبالغة صفر في المائة، والتي لا يزال البنك المركزي الأمريكي يخشى رفعها. ويعتقد العديد من الخبراء أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يمدد سياساته النقدية المتحررة خشية انتقال عدوى الأزمة الأوروبية إلى الولايات المتحدة.

الجدير بالذكر أن الاقتصاد الأمريكي نفسه يعاني من مشكلة ديون تناظر المشكلة الأوروبية. فالعديد من الولايات الأمريكية مثل كاليفورنيا وإيلينوي وفلوريدا ومتشجان وغيرها غارقة في بحر من العجوزات، حتى إن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي مثل رون بول اعترضوا مؤخراً على تدخل الاحتياطي الفيدرالي لإنقاذ اليونان ودعم خطط صندوق النقد الدولي الحالية لتمويلها، في الوقت الذي تعاني فيه بعض الولايات الأمريكية من أوضاع شديدة الخطورة.

ومما ساهم في تفاقم حدة الأزمة الأوروبية حقيقة أن العديد من الاقتصادات الناشئة تشهد في الوقت الحالي تراجعاً في معدلات النمو، بالإضافة إلى التراجع الحاد في مؤشرات أسواق أسهم الصين، التي سجلت هبوطاً بلغ نحو 20 في المائة  هذا العام. في الوقت نفسه كان لهذه الأزمة تداعياتها على أسواق المال في آسيا. وقد كتب كيفن براو وجيف داير في صحيفة الفايننشيال يؤكدان فيها أن الأزمة الأوروبية بدأت تؤثر على الخطط لجمع الأموال في آسيا؛ حيث اضطرت أندونيسيا إلى تقليص خطتها لإصدار سندات بقيمة 750 مليون دولار إلى 500 مليون دولار فقط، فيما يراقب المستثمرون عن كثب خطط إصدار سندات سيادية أخرى تشمل عرضاً من ماليزيا يبلغ 933 مليون دولار يُنتظر طرحه الشهر القادم.

ويحذر العديد من الاقتصاديين من التداعيات السلبية المحتملة لأزمة منطقة اليورو على الصادرات الأسيوية إلى أوروبا، كما يخشون من أن تؤخر هذه الأزمة عملية إعادة التقييم المنتظرة للعملة الصينية (الرنمينبي) مقابل الدولار الأمريكي؛ حيث يرى كيان وانج، الخبير الاقتصادي في جي بي مورجان، أنه من المرجح أن تجري عملية إعادة التقييم في نهاية المطاف، ومع ذلك "ربما تدفع الأزمة الأوروبية صانعي السياسات الصينية إلى الانتظار قليلاً ومراقبة مظاهر تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي".

لقد بات من الواضح أن وضع النظام المالي والاقتصادي العالمي لا يزال هشاً إلى حد كبير حتى بعد الإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها العديد من الحكومات في مختلف أنحاء العالم لكبح قوى الانكماش التي تتابعت عقب أزمة 2008 المالية. وعلى الرغم من أن السياسات التوسعية المالية والتسهيلات الائتمانية التي بدأ ينتهجها الاتحاد الأوروبي والحكومات حول العالم قد تكفل انفراجة قصيرة الأجل، فإنها على المدى البعيد سوف تؤدي إلى تفاقم مشكلة أكبر ربما تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وهي مشكلة التضخم. من ناحية أخرى، تؤكد أزمة منطقة اليورو ما سبق أن حذر منه محمد عبد الله العريان، الرئيس التنفيذ لشركة بيمكو أكبر مؤسسة استثمار سندات في العالم، وهو أن عام 2010 سيكون عام المخاطر السيادية.

Share