أزمة سد النهضة باتت مستحكمة.. فكيف سيكون المخرج؟

  • 10 مارس 2020

تشهد أزمة سد النهضة تطورات متلاحقة تؤكد استحكام هذه الأزمة، وتتمثل أبرز هذه التطورات في الحرب الكلامية المستعرة حالياً بين القاهرة وأديس أبابا، التي تعكس تأزم العلاقة بين الطرفين، وتطرح تساؤلات كبيرة حول سيناريوهات تطور الأزمة، وإمكانيات حلها.
شهدت أزمة سد النهضة تطورات مهمة منذ أن قاطعت إثيوبيا جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن يومي 27 و28 فبراير الماضي، التي كان من المفترض أن يتم خلالها توقيع اتفاق نهائي لحل الأزمة بعد جولات عدة من المفاوضات رعتها واشنطن، بعد أن تدخلت الولايات المتحدة وسيطاً يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة في هذه الأزمة.
وقد جاء هذا التدخل الأمريكي، بعد أن كانت المحادثات الثلاثية بين كل مصر والسودان وإثيوبيا قد وصلت إلى طريق مسدود نهاية العام الماضي. وبشكل أكثر توضيحاً؛ ففي الـسادس من نوفمبر 2019، دخلت واشنطن على خط الأزمة واستضافت الأطراف الـثلاثة، بوجود وزير الخزانة الأمريكي، ورئيس البنك الدولي للمرة الأولى. وصدر بيان مشترك جاء فيه أنه «تقرر عقد أربعة اجتماعات عاجلة للدول الثلاث، على مستوى وزراء الموارد المائية، وبمشاركة ممثلي الولايات المتحدة والبنك الدولي، تنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة خلال شهرين، بحلول منتصف يناير 2020». وفي يومي 15 و16 نوفمبر 2019 تم عقد الجولة الأولى من الاجتماعات المشار إليها، بحضور ممثلين عن وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي في أديس أبابا، وتم الاتفاق على «استمرار المفاوضات والمناقشات الفنية حول آليات تشغيل وملء السد، خلال الاجتماع الثاني للجان الفنية».
وفي 2 و3 ديسمبر 2019 تم انعقاد الجولة الثانية من تلك الاجتماعات بالقاهرة. وخلال يومي 21و22 ديسمبر 2019 عُقدت الجولة الثالثة من المشاورات والمناقشات الفنية حول المسائل الخلافية كافة في الخرطوم. وخلال يومي 8 و9 يناير 2020، تم انعقاد الاجتماع الرابع لوزراء الموارد المائية والوفود الفنية من الدول الثلاث، بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وبمشاركة البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، ولكن مصر وإثيوبيا أعلنتا أنه انتهى من دون اتفاق. وخلال الفترة ما بين 13- 15 يناير 2020، استضافت واشنطن وفود الدول الثلاث، لتقييم نتائج الاجتماعات الأربعة السابقة، وبطبيعة الحال تم تأجيل توقيع الاتفاق المنتظر، ولكن المفاوضات خرجت بتوافق مبدئي على إعداد خريطة طريق، تتضمن 6 بنود؛ أهمها بالنسبة إلى مصر تنظيم ملء السد خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد. وقبل انعقاد جولة المفاوضات الأخيرة وزعت واشنطن على الأطراف الثلاثة مسودة اتفاق، وطلبت منها أن تبدي ملاحظاتها على هذه المسودة، بحيث يتم التوافق على نص نهائي للاتفاق، ولكن الذي حدث هو أن إثيوبيا قاطعت الجولة الأخيرة، كما سلفت الإشارة، وكذلك فعل السودان، وحضرت مصر بمفردها، ووقعت مسودة الاتفاق التي طرحتها واشنطن.
وخلال الأيام العشرة الماضية، حدث ما يشبه الحرب الكلامية بين كل من مصر وإثيوبيا؛ ما يعكس تأزم الموقف، ويطرح الكثير من التساؤلات حول مصير المفاوضات لحل الأزمة. كما انتقدت إثيوبيا الموقف الأمريكي، وقد تدخلت الجامعة العربية في هذه الأزمة، بإصدار قرار يدعم الحقوق المصرية التاريخية في مياه النيل، وهو ما كان أيضاً محل انتقاد من قبل أديس أبابا.
إثيوبيا تنتقد الموقف الأمريكي
اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة، بأنها «غير دبلوماسية» في محاولتها حل الخلاف بشأن سد النهضة. جاء ذلك بعد أن أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية، إثر جولة المفاوضات الأخيرة التي قاطعتها أديس أبابا، بياناً أعلنت فيه التوصل إلى اتفاق، ودعت إثيوبيا إلى توقيعه «في أسرع وقت ممكن». وقد نفت إثيوبيا، التوصل إلى اتفاق، وأعربت عن «خيبة أملها» من البيان الأمريكي. وفي مؤتمر صحفي قال وزير الخارجية الإثيوبي، غيدو اندارغاتشو، إن بلاده ستستمر في المحادثات التي تجري بوساطة أمريكية، إلا أنها حذرت واشنطن من تسريع العملية، أو محاولة التأثير على نتائجها. وقال: «نعتقد أن البيان الأمريكي الأخير غير دبلوماسي، ولا يعكس بلداً عظيماً مثل الولايات المتحدة». وفي تصريحات لاحقة، قال وزير الخارجية الإثيوبي إن بلاده ستبدأ ملء سد النهضة اعتباراً من يوليو المقبل، مضيفاً: «الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذي يبنى به سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه». وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي بعد تصريحات لوزير الخارجية المصري، سامح شكري، قال فيها إن قضية ملء سد النهضة مهمة، ولكنها ليست جوهرية، مضيفاً، في مقابلة مع التلفزيون المصري: «لقد وصلنا إلى اتفاق في كل الأمور المرتبطة بها، ولم نلمس أي اعتراض من الجانب الإثيوبي فيما يتعلق بما تم التفاوض عليه». وفي ظل هذا الموقف الإثيوبي، صدر بيان مشترك لوزارتَي الخارجية والموارد المائية والري في مصر أكد أن إثيوبيا تحاول التنصل من التزاماتها بموجب قواعد القانون الدولي؛ وبالأخص أحكام اتفاق إعلان المبادئ لعام 2015. ورفض البيان اعتزام أديس أبابا المضي في ملء خزان سد النهضة على التوازي مع الأعمال الإنشائية للسد، وليس ارتباطاً بالتوصل إلى اتفاق يراعي مصالح دول المصب، ويضع القواعد الحاكمة لعمليتَي ملء السد وتشغيله، بما لا يُحدث أضراراً جسيمة لها.
وكان من اللافت للنظر أنه في ظل هذا التأزم الذي حدث في العلاقات المصرية – الإثيوبية، تلقى الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، اتصالاً هاتفياً من نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الماضي، تناول قضية سد النهضة، والخلاف المتصاعد بين مصر وإثيوبيا حوله. وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية إن ترامب أعرب عن تقديره لتوقيع مصر بـ «الأحرف الأولى» على الاتفاق الذي انبثق عن جولات المفاوضات حول القضية بالعاصمة الأمريكية، واشنطن. وأكد الرئيس الأمريكي أن إدارته ستواصل بذل الجهود التي وصفها بـ «الدؤوبة»، والتنسيق مع الدول الثلاث (مصر، والسودان، وإثيوبيا) حتى الوصول إلى مرحلة التوقيع على اتفاق سد النهضة.
الجامعة العربية تتدخل
انتقلت الأزمة إلى أروقة جامعة الدول العربية، حيث سعت القاهرة إلى الحصول على دعم عربي، وقد أقرت جامعة الدول العربية «قراراً مهماً» قدمته مصر بشأن سد النهضة الإثيوبي، يؤكد حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، ويرفض أي إجراءات أحادية إثيوبية. وقال الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، في ختام الدورة الـ 153 لمجلس الجامعة العربية، إن القرار «يرفض أي مساس بالحقوق التاريخية لمصر، ويرفض أي إجراءات أحادية تمضي فيها إثيوبيا، ويؤكد ضرورة التزام إثيوبيا بمبادئ القانون الدولي». كما رحب القرار باتفاق ملء سد النهضة الإثيوبي الذي أعدته الحكومة الأمريكية، وأكد أن مشروع الاتفاق الذي طرحته أمريكا والبنك الدولي من خلال المسودة المشار إليها «عادل ومتوازن، ويحقق مصالح البلدان الثلاثة». وأشار أبو الغيط إلى أن القرار حث الدول العربية على «اتخاذ ما يلزم من إجراءات لإقناع إثيوبيا بتوقيع مشروع الاتفاق الذي أعدته الولايات المتحدة».
ولكن وزارة الخارجية الإثيوبية، أعلنت رفضها قرار جامعة الدول العربية. وقالت الوزارة في بيان على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» إنها ترفض قرار الجامعة العربية بشأن سد النهضة برمته، زاعمة أنه يقدم دعماً «أعمى» لدولة عضو (في الجامعة) من دون مراعاة حقائق رئيسية في المحادثات بشأن سد النهضة. وأشاد البيان بالموقف الذي اتخذته حكومة السودان لرفضها تأييد «قرار» جامعة الدول العربية، مضيفة: «لقد أثبت السودان مرة أخرى موقفه المتمثل في كونه صوت العقل والعدالة». وأعرب البيان عن تقدير إثيوبيا العميق للموقف المبدئي للسودان الذي يساعد على تقديم الحلول المربحة لجميع الأطراف المعنية، من خلال التزامها بمواصلة التفاوض بشأن السد. والجدير بالذكر أن هذا الموقف السوداني كان محل انتقاد من قبل القاهرة، التي أوضحت أن الخرطوم أرادت إدخال تعديلات على مشروع القرار يفرغه من مضمونه، وأن القرار بشكله النهائي، والذي رفضت الخرطوم تأييده، لم يتضمن إلا التضامُن مع حقوق مصر المائية، تأكيد قواعد القانون الدولي، والدعوة إلى توقيع الاتفاق المُعَد.
وفي ردها على الموقف الإثيوبي الخاص بقرار جامعة الدول العربية، اتهمت الخارجية المصرية إثيوبيا بتوجيه «إهانة غير مقبولة لجامعة الدول العربية»؛ عبر الرد على قرار المنظمة بشأن سد النهضة، ودعت الحكومة الإثيوبية إلى عدم ملء السد من دون اتفاق. وقالت الخارجية المصرية، في بيان أصدرته يوم السبت الماضي، إنها «تعرب عن رفضها جملة وتفصيلاً بيان وزارة خارجية جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية. وأضافت «لقد اتصف البيان الإثيوبي بعدم اللياقة، وافتقد الدبلوماسية، وانطوى على إهانة غير مقبولة لجامعة الدول العربية ودولها الأعضاء». واعتبرت الخارجية المصرية أن «قرار الجامعة العربية يعكس خيبة الأمل، والانزعاج الشديد إزاء المواقف الإثيوبية طوال مسار المفاوضات الممتد حول سد النهضة، وبالأخص منذ إبرام اتفاق إعلان المبادئ عام 2015»، مشيرة إلى أن «النهج الإثيوبي يدل على نية في ممارسة الهيمنة على نهر النيل، وتنصيب نفسها مستفيداً أوحد من خيراته». ودعت مصر المجتمع الدولي إلى الانضمام للجامعة العربية «في إدراشك طبيعة سياسة إثيوبيا القائمة على العناد وفرض الأمر الواقع، وهو ما يهدد بالإضرار بالاستقرار والأمن الإقليميين».
وفي الواقع، فإن هذه البيانات، والبيانات المضادة من قبل كل من مصر وإثيوبيا، التي تتخذ شكل الحرب الكلامية، تعكس تأزم العلاقة بين البلدين؛ ما يضع مفاوضات حل أزمة سد النهضة على المحك، ويثير تساؤلات كبيرة حول سيناريوهات تطور هذه الأزمة وإمكانيات حلها، في ظل هذا التنافر القائم بين القاهرة وأديس أبابا.

Share