أزمة ديمقراطية أم أزمة نظام؟

د. بشارة نصار شربل: أزمة ديمقراطية أم أزمة نظام؟

  • 23 نوفمبر 2008

لم يكن الاستجواب الأخير الذي قدّمه ثلاثة من النواب السلفيين الكويتيين ضد رئيس الحكومة، الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح، درجة إضافية في مسلسل التأزيم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والذي بدأ خلال دور انعقاد مجلس الأمة الماضي، وأدى إلى حله، وإجراء انتخابات جديدة قبل نحو ستة أشهر، بل هو تطور نوعي؛ ربما يحدد مستقبل الديمقراطية والنظام السياسي في الكويت. وعلى الرغم من أن الاستجواب أداة دستورية يحق للنائب التلويح بها، أو استخدامها ضمن أصول وأعراف برلمانية معينة لتصحيح الممارسة السياسية، فإن اللجوء إليها بطريقة عشوائية، وأحياناً عبثية، حولها إلى قنبلة موقوتة لا يسمح لها بالانفجار إلا بالمجلس والحكومة على السواء، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بتجاوز الخطوط الحمر التي رسمتها الأعراف السياسية وتركيبة السلطة في الكويت؛ بمعنى أن استجواب رئيس حكومة من الأسرة الحاكمة مسألة لا يمكن أن تمر.

 أتى الاستجواب الأخير على خلفية دخول رجل الدين الإيراني، السيد محمد عبدالقادر الفالي، إلى الكويت رغم صدور قرار حكومي سابق بإبعاده؛ لأنه، كما يقول السلفيون، "مارس الغلو الديني، وشتم أحد الصحابة". وتسببت المطالبة السلفية بـ "تسفيره فوراً وإلا استجواب رئيس الحكومة" بجو طائفي مشحون أعاد التذكير بالأجواء المسمومة التي سادت قبل أشهر، عقب تنظيم بعض النواب الشيعة المتشددين احتفال تأبين للقائد العسكري في "حزب الله" اللبناني عماد مغنية، الذي اغتيل في "منطقة أمنية" في دمشق، ولم تعلن التحقيقات في مقتله حتى الآن. في الواقع، لم يكن "استجواب الفالي" إلا رأس جبل الجليد؛ فقد تنبأ كثيرون منذ بداية عهد مجلس الأمة الحالي بأن عمره قصير. وأتت بوادر التصعيد، على الرغم من الوعود النيابية للأمير بالتهدئة وتغيير المسار الذي أدى إلى حل المجلس السابق، لتوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، وأن النية في الاستجواب لا علاقة لها بالمستجد من الأحداث. فهناك شبه إجماع على أن "قضية الفالي" لا تستأهل تقديم استجواب بحق رئيس الحكومة؛ فالتسويات في شأنها كانت عديدة وجاهزة، وأحدها وأبسطها أن يغادر طوعاً لأداء فريضة الحج، ثم يمنع من العودة، رغم أن لديه إقامة صالحة. كما أن محاور الاستجواب تعدت الحادثة؛ لتتناول قضايا أخرى من قبيل "فشل رئيس الحكومة في إدارة الدولة" وفقدان هيبة السلطة، تردي وتراجع الخدمات العامة في الدولة، وزيادة مظاهر الفساد الإداري وهدر الأموال العامة. وكأن الاستجواب كان أمراً محتوماً، لكنه انتظر اللحظة المناسبة؛ ليصبح جديراً بالظهور إلى العلن، ومادة حقيقية للخلاف تحمل احتمالات الخيارات القصوى.

 يذكر أنه قبل عشرة أيام فقط من تقديم ذلك الاستجواب، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، كان النائب المستقل أحمد المليفي يهدد باستجواب رئيس الوزراء؛ بسبب "مصروفات" ديوانه وموضوع التجنيس. وقد تسبب ذلك في توتير المجتمع السياسي أياماً عدة، قبل أن يتراجع النائب عن تهديده بعد تدخلات على أرفع مستوى، وبعدما حصل على "جائزة ترضية"، تمثلت في سحب جنسية بعض الذين جنسوا قبل فترة قصيرة. وعلى الرغم من أن هذه المحاولة لم تصل إلى حافة خيار إصعاد رئيس الحكومة إلى المنصة أو حل مجلس الأمة، فإنها كسرت المحرم، وجعلت استجواب رئيس الحكومة سهل المنال، وفتحت شهية المعارضين له داخل البرلمان، والذين يريدون الإيقاع به من الخارج بالتحالف مع بعض النواب.

 وإذ ظهرت إلى العلن تصريحات نيابية مؤداها أن تنافساً داخل الأسرة الحاكمة مربوطاً ببعض التحالفات داخل مجلس الأمة ربما كان السبب وراء التأزيم المتواصل، تارة بعرقلة مشاريع أساسية تقرها الحكومة لتحويل الكويت إلى مركز مالي واستثماري، وتارة أخرى بتصيُّد أخطاء بعض الوزراء بهدف "شيِّهم" على منصة الاستجواب، فإن الذي بات ثابتاً هو أن هناك خللاً ما يسمح بالشطط البرلماني، ويضع الدستور تحت سيف التعليق عبر حل غير دستوري للبرلمان.

 تثبت التطورات النيابية-الحكومية على مدى مجلسين متتاليين (2003، 2006) أن الصيغة التي توصل إليها الحكم بفصل ولاية العهد عن رئاسة الحكومة، منذ 2003، لم ترسِ صيغة ثابتة تمنع الأزمات. فرئيس الحكومة هو ابن الأسرة الحاكمة، وهو أمير محتمل، كما أنه اختيار أمير البلاد. وبالتالي، فإن استجوابه وطرح الثقة فيه يهددان هيبة الحكم بأكمله. بعبارة أخرى، لما كان رئيس الحكومة نتاج إرادة سامية، ولا يخضع برنامجه الوزاري للتصويت على منح الثقة، كان أي تهديد لموقعه يرتد مباشرة على الأسرة برمتها. وهذه هي المعضلة نفسها التي كان يمكن أن تطرح أثناء الجمع بين ولاية العهد ورئاسة الوزراء. لكن الأمر لم يحصل؛ بسبب اختلاف الظروف والأشخاص والمواضيع.

 وعليه، يتأتى من كون رئيس الحكومة أحد أبناء الأسرة الحاكمة أن التعريض به يعرض العمل البرلماني برمته للخطر. فأمام الأزمة الحكومية-البرلمانية قبل الصيف الماضي لجأ الأمير إلى حل دستوري للبرلمان، في مارس 2008، جرت بعده بشهرين انتخابات جديدة. وأمام الاستجواب الحالي، فإن أحد الاحتمالات التي طرحت هو حل دستوري آخر للبرلمان، لكنْ طرح أيضاً، وبقوة، الحل غير الدستوري وهو تعليق الدستور. والحقيقة أن الخيار الأخير كان موضع جدل واسع في الأوساط السياسية الكويتية التي ترى، في معظمها، أن الثغرات والمثالب في الممارسة البرلمانية لا تبرر النكوص عن الديمقراطية، بل إن الواجب يقتضي تصحيح الديمقراطية عبر الديمقراطية، وانطلاقاً من الدستور، الذي يجب أن يكون خطاً أحمر، وألا يكون عرضة للتعليق. ويستذكر المعارضون للحل غير الدستوري تجربتين سابقتين حين حل مجلس الأمة في العام 1976 (عطل بموجبه الدستور حتى 1981) وعام 1986 (استمر حتى الغزو العراقي للكويت في 1990)، ويؤكدون أن التجربتين كانتا مُرّتين، وترافقتا مع انتهاكات للحريات، وتقييد للصحافة، وإهدار للمال العام في غياب أدوات المحاسبة وتعطيل الحياة الديمقراطية.

 ورغم أن فكرة تعليق الدستور تلقى هذه الأيام آذاناً صاغية وصدى لدى جمهور واسع من الكويتيين بات يكفر بممارسات النواب، فإن القوى الفاعلة في المجتمع لا تزال تتمسك بالنظام البرلماني وبالدستور، وتدعو إلى الإصلاح من الداخل. ولا تتوقف هذه القوى عن الإشارة إلى الأخطاء، وعن تحميل المسؤوليات تارة لبعض النواب وطوراً لرئيس الوزراء، وكثيراً للتنافس داخل الأسرة الحاكمة، لكنها لا تملك مشروعاً واضحاً وجريئاً تطرحه لحل الأزمة مرة واحدة؛ بما يؤمن استقراراً دستورياً وسياسياً يسمح باستئناف طبيعي للحياة البرلمانية.

 مهما كانت نتائج استجواب بعض النواب السلفيين لرئيس الحكومة، الشيخ ناصر المحمد الصباح، فإنها ستشكل حتماً منعطفاً في الحياة السياسية الكويتية يجب أن تطرح بعده أسئلة في العمق عن هوية الأزمة: هل هي في الديمقراطية نفسها، أم أنها في النظام السياسي؟ هل هي في نضج مبكر حال دون استيعاب الممارسة الديمقراطية، أم هي في عدم المبادرة إلى تجديد النظام من أجل تأمين الاستقرار؟ وضمن الأسئلة ستطرح حتماً فكرة "رئيس حكومة شعبي"؛ أي أن يكون رئيس مجلس الوزراء من غير أعضاء الأسرة الحاكمة؛ ليعفيها من إحراج الاستجوابات والتغيير، ويجعلها أكثر قدرة على ممارسة الحكم. وهذه فكرة ليست سهلة التحقق؛ كونها تصطدم بإمكان التنافس الحضري-القبائلي على المنصب، وتفتح الباب لصراعات ربما من الحكمة عدم إفساح المجال لها للظهور. ولكن يبقى أنها فكرة جديرة بالاهتمام، وهي بين أفكار عدة يجب أن تكون موضع نقاش جدي ومستفيض؛ لئلا تتكرر الأزمات، وتبقى من غير آفاق للتسوية، ولا تجد آليات دستورية للحل، فترتفع دائماً أسهم الحل غير الدستوري المولد لمزيد من الأزمات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات