أزمة اليورو وتداعياتها المحتملة على الاقتصادات الخليجية

  • 20 أكتوبر 2011

تشكل أزمة اليورو الناجمة أساساً عن أزمة الديون الأوروبية، وفي مقدمتها الديون اليونانية، تحدياً حقيقياً للاقتصاد العالمي برمته، ولاقتصادات مختلف بلدان العالم، بما فيها الاقتصادات العربية والخليجية، وذلك بحكم موقع بلدان الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو في الاقتصاد الدولي وعلاقات أوروبا الاقتصادية والتجارية مع الدول والتكتلات الاقتصادية في العالم.

وبحكم هذه الاعتبارات، اكتسبت أزمة اليورو طابعاً عالمياً شاملاً ترتبت عليه تأثيرات ما زالت تداعياتها تتوالى تباعاً؛ حيث انخفضت أسواق المال العالمية "البورصات"، كما شهدت أسعار السلع، وبالأخص الذهب تذبذبات شديدة، وسادت أسواق النقد والمال اضطرابات ومطبّات عنيفة تكبّدت خلالها الدول والمؤسسات وقطاع الأعمال خسائر جسيمة.

وعلى الرغم من أن بلدان منطقة اليورو، ولاسيما ألمانيا وفرنسا، حاولت تدارك معظم هذه التداعيات من خلال برامج الإنقاذ المتتالية، فإن عمق الأزمة وامتدادها لبلدان أخرى أعاقا هذه الخطط المرحلية، مما استدعى الإعلان عن تشكيل صندوق الاستقرار الأوروبي باعتمادات بلغت 440 مليار يورو، والذي يحمل طابعاً جماعياً يعبّر عن تصميم البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي -رغم تفاوت المواقف- على إنقاذ عملتهم الموحدة والمهددة بسبب الأزمات المتعاقبة، ولاسيما أزمة الديون التي طالت المصارف والمؤسسات المالية في أوروبا وبلدان العالم بشكل عام.

وعلى الرغم من شمولية أزمة اليورو، فإن تداعياتها وانعكاساتها على مختلف بلدان العالم وتكتلاته الاقتصادية متفاوتة وفقاً لموقع كل بلد أو تكتل اقتصادي في التقسيم الدولي للعمل من جهة، وعلاقاته الاقتصادية والمالية والتجارية مع المجموعة الأوروبية من جهة أخرى.

أما تداعيات هذه الأزمة على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فلاشك في أن هناك العديد من التأثيرات التي تتطلب اتخاذ إجراءات للحد من خطورتها على الاقتصادات الخليجية، ويأتي النفط في مقدمة القضايا التي تأثرت بهذه التطورات؛ إذ أدت أزمة اليورو إلى تباطؤ الاقتصاد الأوروبي وانخفاض معدلات النمو عن التوقعات السابقة، مما أدى بدوره إلى خفض التوقعات الخاصة بالطلب العالمي على النفط، والذي ظل متوازناً نسبياً بفضل الطلب المتنامي في القارة الآسيوية.

وكما هو معروف، فإن النفط يشكل أولوية لدول مجلس التعاون الخليجي؛ لأنه عامل مهم في استقرار أوضاعها الاقتصادية، وفي تمويل موازناتها السنوية التي تعتمد بنسبة تتراوح بين 70 – 80% في إيراداتها على عائدات النفط.

ومع ذلك، فإن تأثير أزمة اليورو على أسعار النفط ظل محدوداً واقتصر على تذبذب الأسعار، خصوصاً أن منظمة أوبك، والتي تشكل دول مجلس التعاون الخليجي ثلث أعضائها، اتخذت سياسات مرنة ساهمت في الحد من هذه التذبذبات، وحافظت على بقاء أسعار النفط مرتفعة بشكل عام، مما حد من التأثيرات السلبية لأزمة اليورو على الاقتصادات الخليجية.

من ناحية أخرى، ألقت هذه الأزمة بتداعياتها على البنوك والمؤسسات المالية العالمية التي كانت هي الأكثر تأثراً بتبعاتها بسبب انكشافها على قروض أوروبا المتعثرة، وبالأخص اليونان التي أعلنت عن تهرب ضريبي بمبلغ 37 مليار يورو، إضافة إلى البرتغال وأيرلندا، اللتين تعانيان بشدة من أزمة الديون. وكانت هناك توقعات بأن تكون البنوك والمؤسسات المالية الخليجية مكشوفة على هذه القروض المتعثرة، لكن من حسن الحظ، كان حجم القروض الخليجية في هذا الشأن محدوداً، وأمكن معالجتها، وتغطية معظم الالتزامات المترتبة عليها.

ومع ذلك، فقد تكبّدت بعض المؤسسات الاستثمارية الخليجية، بما فيها الصناديق السيادية وبنوك الاستثمار خسائر ناجمة عن استثماراتها في البنوك الأوروبية التي تعاني من جراء ديونها المتعثرة للبلدان الأوروبية، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى إلغاء نصف ديون اليونان، مما يعني تخصيص مبالغ كبيرة جداً تقدر بما يقارب 200 مليار دولار، كمخصصات لعمليات الإنقاذ، مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار أسهم هذه البنوك، وفقدان المؤسسات الخليجية المساهمة فيها لجزء كبير من عائداتها السنوية.

ومن ناحية تأثيرها على أسواق النقد والمال، تكبدت أسواق المال الخليجية "البورصات" خسائر كبيرة نتيجة أزمة اليورو، فقد انخفضت الأسواق الخليجية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بنسبة كبيرة بلغت 12% كمتوسط، وفقدت بذلك نحو 70 مليار دولار من قيمتها السوقية، وهو معدل نسبي يفوق الانخفاض في أسواق المال الأوروبية في ظاهرة حيّرت المحللين الماليين وخبراء الأسواق، خصوصاً أن الاقتصادات الخليجية في وضع أقوى من مثيلتها الأوروبية، كما أن معدلات النمو في دول مجلس التعاون الخليجي كانت مرتفعة في الأشهر التسعة الماضية مدعومة بأسعار النفط وبالأداء القوي للقطاعات غير النفطية.

أما في أسواق النقد، فقد حققت دول المجلس بعض المكاسب، إذ ارتفعت أسعار عملاتها تجاه اليورو والجنيه الإسترليني، مما أدى إلى انخفاض قيمة وارداتها من بلدان الاتحاد الأوروبي، والتي تعتبر من أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون الخليجي.

وعلى العكس مما كان متوقعاً، فإن التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون لم تتأثر سلباً بأزمة اليورو، بل حققت تقدماً مع العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي، كبريطانيا وألمانيا، كما أنها حققت قفزات مع بعض بلدان العالم الأخرى، إذ ارتفعت قيمة التبادل التجاري غير النفطي بين دولة الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية في الأشهر الثمانية من هذا العام بنسبة 120%، وبنسب متفاوتة مع دول أخرى.

ويشير ذلك إلى ارتفاع الطلب المحلي على مختلف أنواع السلع والخدمات وتحسن الأوضاع الاقتصادية في دول المجلس ومحدودية تأثرها بتداعيات الأزمات العالمية، بما في ذلك أزمة اليورو، وذلك على الرغم من أن ارتفاع الأسعار ونسب التضخم ساهمت بجزء من هذا الارتفاع في قيمة واردات دول مجلس التعاون، ولاسيما واردات المواد الغذائية.

من ذلك يمكن الاستنتاج، بأن الاقتصادات الخليجية استطاعت حتى الآن التعامل بمرونة كبيرة مع أزمة اليورو، مما قلل كثيراً من تداعيات هذه الأزمة على اقتصادات دول المجلس، ومع ذلك، فإن الأمر يتطلب مراقبة التطورات في هذا الشأن في المستقبل والالتزام بسياسية الحذر في التعامل مع هذه الأزمة؛ لأن تطوراتها ما تزال في دائرة رمادية تسودها الضبابية. ففي الوقت الذي أشارت فيه صحيفة "الفايننشال تايمز" في عددها الصادر بتاريخ 10 أكتوبر الجاري إلى "أن الاتحاد الأوروبي يقع الآن في مركز إعصار مالي، وأن أوروبا على حافة الهاوية"، فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تؤكد "أن اليورو سيبقى دائماً عملة قوية".

من هنا تأتي أهمية الدعوة لمراقبة التطورات السريعة والمتلاحقة والتعامل مع هذه الأزمة بشفافية ووضوح تامين، فالعلاقات الأوروبية الخليجية متشعبة وتاريخية، وتشمل كثيراً من الجوانب الاستراتيجية للطرفين، مما يتطلب المحافظة على هذه العلاقات مع التقليل قدر الإمكان من أزمات أوروبا وانعكاساتها على الاقتصاديات الخليجية، خصوصاً أن تداعيات هذه الأزمة على الاقتصاد العالمي ككل ستستمر لفترة طويلة نسبياً.

Share