أزمة الملف النووي الإيراني بين تشديد العقوبات وخيار الحرب

  • 31 يوليو 2010

تعرضت إيران خلال الأسابيع الماضية لموجة جديدة من العقوبات الدولية بهدف حملها على تغيير توجهاتها النووية، ولاسيما مع تزايد قناعة العديد من القوى الدولية باقتراب طهران من امتلاك التكنولوجيا النووية العسكرية. وقد بدأت الموجة الجديدة من العقوبات، والتي تعد الأكثر إيلاماً لإيران، بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1939 بتاريخ 9 يونيو/حزيران الماضي (2010)، والذي تم بموجبه فرض عدد من العقوبات المهمة، من بينها: حظر أي معاملات مالية مع البنوك الإيرانية يمكن أن تسهم في تمويل الأنشطة النووية الحساسة والخاصة بالانتشار النووي أو تطوير أنظمة إطلاق الأسلحة النووية، ومنع توفير الخدمات المالية، بما في ذلك خدمات التأمين وإعادة التأمين، إذا كان هناك أساس للاعتقاد أن مثل هذه الخدمات قد تسهم في أنشطة إيران النووية الحساسة.

وفرض القرار على الدول أن تمنع فتح فروع جديدة أو مكاتب تمثيلية للبنوك الإيرانية في أراضيها إذا اعتقدت أن مثل هذه الأنشطة يمكن أن تسهم في أنشطة إيران النووية، وحظر على طهران ممارسة أي نشاط تجاري في الدول التي تستخرج اليورانيوم وتنتجه أو تستخدم مواد وتكنولوجيا نووية. كما أضاف القرار 15 كياناً جديداً يسيطر عليها جهاز "الحرس الثوري" إلى قائمة الأمم المتحدة السوداء الخاصة بالشركات والمؤسسات المتورطة في دعم أنشطة البرنامج النووي الإيراني والتي ستجمد أصولها في الخارج. كما دعا القرار جميع الدول لإجراء عمليات تفتيش لجميع الشحنات المتجهة من وإلى إيران، ليس في الموانئ فحسب بل وفي عرض البحر، إذا ما تلقت معلومات توفر أسساً معقولة للاعتقاد بأن هذه الشحنات تضم مواد تحظرها قرارات مجلس الأمن. وقد هددت إيران برد "حاسم" إذا ما تعرضت سفنها للتفتيش، وهو ما يشير لدخول أزمة الملف النووي مرحلة جديدة عنوانها " التصعيد".

ورغم خطورة هذه العقوبات فإنها لم تتضمن الإجراءات التي سعت إليها الولايات المتحدة، والتي كانت تهدف إلى إلحاق الضرر بصناعة النفط الإيرانية، لذلك صادقت واشنطن على عقوباتها الخاصة، التي وقع عليها الرئيس باراك أوباما في مطلع الشهر الحالي، والتي تضمنت تشديد العقوبات على الشركات التي تستثمر في قطاع الطاقة الإيراني، أو تقوم بتصدير المنتجات النفطية المكررة إلى إيران، أو تقديم الخدمات أو التقنية المستعملة في تكرير النفط. كما نصت العقوبات الجديدة على منع الشركات التي تربطها علاقات تجارية مع الشركات الإيرانية المدرجة في القائمة السوداء والبنوك من دخول النظام المالي الأمريكي. ومع رؤية الإدارة الأمريكية بأن هذه العقوبات قد لا تؤتي ثمارها بالنظر إلى أن حجم التعامل بين الولايات المتحدة وإيران في هذه القطاعات وغيرها محدود للغاية، قامت واشنطن بممارسة ضغوطها على الأطراف الدولية الأخرى للالتزام بهذه العقوبات الإضافية، محذرة من أن علاقاتها ستتأثر سلباً بالولايات المتحدة إذا لم تلتزم بها. 

وفي خطوة تعد الأكثر خطورة وتأثيراً في هذا السياق، وافق الاتحاد الأوروبي في 26 يوليو/ تموز الحالي (2010) على فرض عقوبات أحادية على إيران، تتضمن خطوات تستهدف الاستثمار في قطاعي النفط والغاز والحد من مقدرتها على تكرير النفط واستخراج الغاز الطبيعي؛ حيث حظرت العقوبات الجديدة بيع التكنولوجيا أو نقلها أو تقديم الدعم الفني في صناعات التكرير والغاز الطبيعي المسال، وفرضت قيوداً على السفر على 40 من كبار المسؤولين الإيرانيين وتجميد الأرصدة الإيرانية لدى البنوك الأوروبية، كما فرضت على المؤسسات المالية الأوروبية ضرورة الحصول على موافقة رسمية على أي تحويل نقدي يتجاوز 25 ألف دولار.

وقد تساءل كثير من المراقبين عن جدوى أسلوب العقوبات مع بلد اكتسب منذ عدة عقود، القدرة على التكيف والتعايش معها، وما إذا كانت العقوبات الجديدة سيكون لها تأثير يذكر في تغيير النهج الإيراني الحالي أو عرقلة البرنامج النووي لطهران. وبشكل عام يمكن القول إنه لكي تحقق العقوبات أهدافها، فلابد من توافر عنصرين رئيسيين فيها، هما: أن يكون تأثير هذه العقوبات فعالاً على نحو لا يستطيع الطرف المُعاقب التعايش معها لفترة طويلة، وتوافر إجماع، أو شبه إجماع، من القوى الدولية الرئيسية على تنفيذ هذه العقوبات، بحيث لا يستطيع الطرف المعاقب الاستفادة من تناقض المواقف أو إقامة تحالفات خارجية تخفف من وطأة العقوبات المفروضة، وبالنظر إلى العقوبات الأخيرة على إيران نجد أن هذين العنصرين قائمان.

فمن ناحية، تستهدف العقوبات الجديدة، ولاسيما الأمريكية والأوروبية، قطاعات حيوية للاقتصاد الإيراني مثل البنوك والشحن والتأمين، فضلاً عن قطاع الطاقة الذي يعد عماد هذا الاقتصاد؛ حيث يمثل النفط نحو 80% من إجمالي الصادرات الإيرانية، وأكثر من نصف الصادرات الحكومية. ومن شأن العقوبات الأخيرة التأثير سلباً على معدلات إنتاج النفط والغاز الطبيعي، ولاسيما مع الاتجاه إلى وقف ضخ الاستثمارات الجديدة في هذا القطاع، وعرقلة خطط تحديث بعض القدرات العسكرية الإيرانية، ولاسيما تلك المتعلقة بالطائرات المروحية ونظم التوجيه ووسائل الاختراق. كما أن من شأنها التأثير سلبياً على معدلات استخدام الطاقة داخل إيران نفسها؛ حيث تستورد طهران ما بين 30% و40% من احتياجاتها من البنزين للاستعمال المحلي، وهو ما يجعلها في وضعية هشة أمام عقوبات كهذه التي تبناها الاتحاد الأوروبي الذي يحتفظ بعلاقات تجارية قوية مع إيران.

من ناحية ثانية، شهدت الفترة الأخيرة ما يشبه إجماعاً دولياً على ضرورة اتخاذ مواقف حازمة تجاه إيران لثنيها عن مواقفها المتشددة في المسألة النووية. فبعد قرار العقوبات الصادر من مجلس الأمن بموافقة الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، بما في ذلك روسيا والصين، فرضت الولايات المتحدة وأوروبا مزيداً من العقوبات، فيما بدأت دول أخرى مهمة، مثل اليابان اتخاذ خطوات مشابهة. غير أن التحول الأهم في هذا الصدد كان في موقف روسيا، الحليف القوي لإيران، والتي حذر رئيسها، ديمتري ميدفيدف، مؤخراً من اقتراب طهران من الحصول على قدرات نووية يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة نووية، وهو موقف دعم التوجه الدولي المتشدد إزاء إيران.

يؤكد ما سبق أن حظوظ العقوبات الدولية الأخيرة من النجاح ربما تكون أكثر من سابقتها، وقد ظهرت مؤشرات على ذلك. ولكن يظل التساؤل قائماً: ماذا لو فشلت أيضاً هذه الموجة الجديدة من العقوبات في دفع إيران لتغيير سلوكها النووي؟

لا شك في أن الإجابة عن هذا التساؤل ستعيد حتماً الجدل حول فكرة العمل العسكري ضد إيران، وهو في حالة فشل العقوبات الحالية، سيكون مطروحاً بقوة، بل إن هناك من بدأ يتحدث صراحة في الأوساط الرسمية الأمريكية عن ضرورة الاستعداد لهذا الخيار، ففي الخامس والعشرين من شهر يوليو/تموز الحالي أكد مايكل هايدن، مدير هيئة الاستخبارات الأمريكية السابق، أنه بمرور الوقت تتزايد فرص العمل العسكري ضد إيران مقارنة بالخيارات الأخرى المتاحة. وقبل ذلك بأسابيع قليلة نقلت مجلة "تايم" الأمريكية تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي، روبرت جيتس، توحي بميله إلى الحرب، قال فيها: "لا أعتقد أننا على استعداد حتى للحديث عن احتواء إيران نووية"، مؤكداً أن إدارته لا تقبل فكرة امتلاك إيران أسلحة نووية. كما نقلت المجلة عن مصادر استخباراتية أمريكية قولها: "إن القيادة الوسطى الأمريكية المسؤولة عن العمليات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط أحرزت تقدماً حقيقياً في موضوع التخطيط لضربات عسكرية جوية محددة ضد إيران". وقد جاء موقف الرئيس الروسي الأخير الذي تحدث فيه عن اقتراب إيران من امتلاك الأسلحة النووية، ليزيد من سخونة الجدل الدائر حول ضرب إيران عسكرياً.

ويعتقد بعض المراقبين أن الإدارة الأمريكية لا تفضل في الوقت الراهن فتح جبهة جديدة في وقت مازالت فيه تعاني على جبهتين لم يتم حسم الموقف فيهما (أفغانستان والعراق)، يعزز من ذلك الأزمة الاقتصادية المعقدة التي تعانيها، لذا تفضل الإدارة حالياً تفعيل العقوبات مع القيام بعدد من الترتيبات تحسباً لخيار المواجهة مع إيران. كما تراهن الإدارة على حدوث تغيرات جوهرية داخل النظام الإيراني بفعل الاحتقان السياسي الناجم عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة واحتمال أن تزيد العقوبات الجديدة من حدتها. ولكن إنضاج الوضع الداخلي الإيراني يحتاج لمزيد من الوقت قد يطول. وإذا كان للصبر قيمة متدنية في الثقافة السياسية الأمريكية، فإنه بالمقابل نجد أن المساومة وأسلوب النفس الطويل واللعب بالوقت هي من سمات السياسة الإيرانية باقتدار.

ولا يمكن أن نتجاهل هنا موقف إسرائيل، التي تمارس دور المحرض الرئيسي على استخدام الخيار العسكري ضد إيران. فتل أبيب، التي تمتلك أكثر من 200 رأس نووي، اعتمدت منذ قيامها على استخدام سياسة الردع بالقوة العسكرية المفرطة لتحقيق أهدافها التوسعية، وهي ترى أن مجرد احتمال كسر احتكارها النووي، حتى ولو من طرف إقليمي غير عربي، يُعد خطراً وجودياً (عقدة بيجين). ومن ثم فهي تنشط، بالتعاون الوثيق مع اللوبي الصهيوني القوي في أمريكا، من أجل إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة التمسك بخيار استخدام القوة ضد إيران وعدم إسقاطه من حساباتها، ولاسيما مع تزايد المؤشرات التي تؤكد اقتراب إيران من امتلاك السلاح النووي، وهو أمر تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها لن تسمح به مهما كان الثمن.

ويلاحظ في هذا الصدد، تأكيد أوباما في البيان المشترك مع نتنياهو، عقب زيارة الأخير لواشنطن في يوليو/تموز الحالي، أن إسرائيل هي التي تستطيع وحدها تحديد حاجاتها الأمنية، وهو ما اعتبره بعض المحللين السياسيين، كالمحلل البريطاني باتريك سيل، تغاضياً من الولايات المتحدة عن احتمال قيام إسرائيل بشن هجوم على إيران. فإسرائيل في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة يمكن أن تقوم بشن حرب في المنطقة للخروج من حالة العزلة الدولية والإقليمية الراهنة وللحيلولة دون كسر احتكارها لقوة الردع النووية.

ورغم محاذير وخطورة الخيار العسكري وكارثيته على المنطقة وشعوبها، فإن العقلانية ليست دوماً سمة عامة في مثل المنازعات، فدوافع الحرب متوافرة لمن يريدها ويرغب في إشعال فتيلها.

Share