أزمة اللاجئين السوريين تعود إلى الواجهة مجدداً

  • 8 مارس 2020

العمليات العسكرية في الشمال السوري أعادت أزمة اللاجئين ومأساتهم إلى الواجهة مجدداً، فتصاعدت وتيرة التخوف والقلق من تكرار سيناريو عام 2015، بالرغم من أن هذه الأزمة الجديدة جاءت محملة بتنديدات عالمية بالابتزاز التركي لدول الاتحاد الأوروبي، بينما يقف اللاجئون أمام أبواب يونانية تخيرهم بين العودة أو الموت.

وهم في خضم فرارهم من أتون الحرب المستعرة في عقر ديارهم، يرى اللاجئون السوريون في قوارب الموت وسيلة للوصول إلى أرض مسالمة، فوجدوا أنفسهم بين سندان التلاعب التركي ومطرقة الرفض اليوناني، ليعودوا ويصبحوا مرة أخرى قضية رأي عام مثيرة للجدل، من شأنها إماطة اللثام عن سياسات وقرارات كانت خفية، والكشف عن أوجه الحقيقة وراء أقنعة مزيفة تستخدمهم ورقة تفاوض رابحة في لعبة سياسية تفتقر إلى الإنصاف والإنسانية.
موجة الهجرة الجديدة أهّبت الحدود الأوروبية أمنياً، فباتت البوابة اليونانية، التي طالما رحبت بالقادمين، تطلق الرصاص الحي على اللاجئين، فأغلقت أبوابها أمام آلاف المهاجرين الذين حاولوا الدخول إليها براً وبحراً عبر الحدود الغربية-التركية، وعلقت إقامة اللجوء لمدة شهر، وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع، واستخدمت خراطيم الماء لتفريق المهاجرين في ضوء اشتباكات متتالية عند المعبر الحدودي؛ في محاولة لدفعهم إلى العودة من حيث أتوا. فانقلب قارب للاجئين على إيدي خفر السواحل اليونانية، قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية، في صور صدمت العالم، وأضرم سكان الجزيرة النيران في مركز إيواء اللاجئين بعد محاولة المهاجرين الوصول إليه. كلها أفعال يونانية اتسمت بالعنف، وباتت تصرخ بصوت أعلى من الحناجر، معبرة عن الرفض اليوناني للجوء على أراضيها.
اللاجئون، اليوم، يقفون أمام موقف أوروبي خجول يندد بفتح تركيا حدودها أمام السوريين للوصول إلى أوروبا، وانتقادات أممية لإجراءات اليونان غير الإنسانية، وتصريحات تركية تتحدى إجبارها على الاحتفاظ باللاجئين.
فأوروبا ترى أن على أنقرة الالتزام بالاتفاقية الأوروبية – التركية، التي وافقت الأخيرة بموجبها على منع اللاجئين من الوصول إلى أوروبا مقابل المليارات من اليوروهات، ولكن أنقرة تتهم الكتلة الأوروبية بعدم تسديد المبلغ كاملاً، وهو ما نفاه مسؤولون أوروبيون. كما أنه من غير المقبول، من وجهة النظر الأوروبية، إرسال المهاجرين من تركيا إلى حدود الاتحاد الأوروبي تحت ذرائع زائفة، في تحدٍّ أوروبي واضح للابتزاز التركي.
الإجراءات الأوروبية واضحة وشفافة وداعمة لليونان التي لقبتها بـ «درع أوروبا» لحراستها الحدود الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي، كما هو الموقف التركي الذي أكد عزمه على عدم تحمل عبء مستدام لملايين اللاجئين على حدوده، والفارين من نظام بشار الأسد والمنظمات الإرهابية التي استباحت الأراضي السورية، وأوضحت أنقرة أنها تكافح في سوريا من أجل أمن أراضيها، وإنهاء الأزمة الإنسانية التي يعانيها ملايين السوريين. ولكن الدول الأوروبية اتهمت أردوغان، بتضليل اللاجئين بوعود كاذبة، ونقلهم إلى الحدود اليونانية للدخول إلى أوروبا مستخدماً المهاجرين «سلاحاً» للضغط على الاتحاد الأوروبي، ورأت أن الأمر بمنزلة «اختبار» للاتحاد الأوروبي في شأن إذا ما كان في إمكانه حماية حدوده الخارجية.
وانطلاقاً من ذلك، يبدو أن التصريحات والمفاوضات الأوروبية – التركية تغاضت عن المشهد القاسي أمام الأسلاك الشائكة، فركزت محاور نقاشها على المصالح الداخلية لكل منهما، فلم تجِد إلى الآن حلاً لجذور مشكلة النزوح التي تحولت منذ عام 2015 إلى مأساة، وُصِفت آنذاك بأسوأ أزمة للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. ويبدو الآن، أن التعنت التركي من شأنه إعادة ذلك السيناريو، الذي تعمل الدول الأوروبية على استبعاد فكرة تكراره مرة أخرى.
وفي ظل ميزان عدالة أعرج، وتراشق كرة التنديدات والاتهامات بين تركيا والدول الأوروبية، يبقى اللاجئون مشرّدين من دون مأوى، يقفون على حدود دول تؤمن لهم مستقبلاً بعيداً عن القصف والحروب، ولكنها غير مستعدة لاستقبالهم، وتركيا التي إما ستعيدهم إلى ويلات الحروب، أو تستخدمهم سلاحاً في مفاوضاتها، أما الخيار الثالث فهو البحار التي طالما أبدت استعدادها لالتهام من يَعبُرها.

Share