أزمة "القاعدة" في العراق وحقيقة النصر على الإرهاب

شحاتة محمد ناصر: أزمة "القاعدة" في العراق وحقيقة النصر على الإرهاب

  • 9 ديسمبر 2007

صدرت خلال الفترة الماضية إشارات عدة على أن تنظيم القاعدة في العراق يواجه أزمة حقيقية، وشهدت الساحة الأمريكية جدلاً بين العسكريين ومؤسسة الاستخبارات حول الإعلان أو عدم الإعلان عن "النصر" عليه، كما تحدث عسكريون أمريكيون عن هروب لعناصر القاعدة من العراق إلى أفغانستان، ولكن ذلك كله لم يكن كافيا لإقناع كثيرين بأن القاعدة تواجه أزمة حقيقية على الساحة العراقية؛ حيث رأى بعض المراقبين في ذلك دعاية أمريكية للتغطية على المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة داخل العراق، حتى جاء الشريط الصوتي الأخير لـ"أسامة بن لادن" الذي اعترف فيه بوجود مشكلة فعلية تواجه القاعدة على الساحة العراقية، داعياً "أمراء الجماعات المجاهدة" إلى وحدة الصف، و"أهل العلم والفضل والصادقين" إلى أن "يبذلوا جهودهم لتوحيد صفوف المجاهدين وألا يملوا من السير في الطريق الموصل إلى ذلك".

 ويمثل هذا التطور، مناسبة مهمة لقراءة ملامح الأزمة التي يعانيها تنظيم القاعدة في العراق، وهي أزمة ذات جوانب متعددة، يتمثل أولها في نجاح الولايات المتحدة في تجريد هذا التنظيم من قاعدة الارتكاز التي كان ينطلق منها، والمتمثلة في العشائر السنية؛ حيث كانت القاعدة تتخذ من المناطق العشائرية ملاذاً لها ومنطلقاً لشن هجماتها، إلا أن واشنطن عملت على جذب هذه العشائر إليها وتسليحها وإقناعها بالقتال ضد القاعدة. وهذا ما حدث بالفعل من خلال مجالس الصحوة التي انتشرت في مناطق مختلفة، وكان بدايتها مجلس صحوة الأنبار.

 ويتعلق الجانب الثاني من هذه الأزمة بفقدان القاعدة مصدر الدعم الثاني الذي كانت تعتمد عليه في نشاطها في العراق، وهو الغضب السني تجاه الاحتلال الأمريكي وتجاه سيطرة الشيعة على السلطة وتهميشهم منها منذ إطاحة "صدام حسين" في عام 2003، وهذا ما كان يفسر سبب اشتداد معارك القاعدة ضد القوات الأمريكية انطلاقاً من المناطق السنية خلال السنوات الماضية، إلا أن الولايات المتحدة استطاعت أن تخفف من حنق السنة، كما عملت على دمجهم في العملية السياسية والتفاوض معهم والاستماع إلى مطالبهم، في الوقت الذي ظهرت فيه خلافاتها مع قادة الشيعة على السطح؛حيث أشارت تقارير عسكرية واستخباراتية أمريكية إلى أن الميليشيات الشيعية المسلحة وفي المقدمة منها "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر تمثل مصدر التهديد الرئيس للأمن على الساحة العراقية، هذا فضلاً عن أن التوتر بين إيران والولايات والمتحدة والذي انعكس على علاقة هذه الأخيرة مع الشيعة العراقيين، خاصة في ضوء القلق الأمريكي من التمدد الإيراني في العراق والعلاقة القوية بين طهران والقوى الشيعية العراقية أو كثير منها. وعلى جانب آخر فإن دعم بعض القوى العربية المجاورة للسنة ومطالبهم اقترن بدعوتهم إلى فك الارتباط مع تنظيم القاعدة الإرهابي. الأمر الذي أدى إلى التباعد بين السنة والقاعدة بشكل كبير خلال الفترة الماضية. وهذا هو الجانب الثاني لأزمة التنظيم في العراق.

 أما الجانب الثالث للأزمة فيتعلق بالأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها القاعدة على الساحة العراقية، ومن أهم هذه الأخطاء وأكثرها تأثيراً خطآن: الأول، هو ممارسة بعض الأعمال القمعية ضد سكان بعض المناطق التي أقامت فيها. وهذا ما يتضح من الإجراءات التي فرضتها ما تسمى بـ "دولة العراق الإسلامية" التي كانت القاعدة أعلنتها في 15 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي 2006، مثل فرض لباس معين ومطالبة الناس بعدم إرسال أولادهم إلى المدارس ومهاجمة بعض هذه المدارس وغيرها من الإجراءات التي كانت سبباً أساسياً في انقلاب العشائر على القاعدة وتسهيل مهمة الولايات المتحدة في ذلك. ويتعلق الخطأ الثاني بموقف القاعدة من الشيعة؛ حيث اعتبرتهم كفاراً وبررت الاعتداء على مساجدهم وحسينياتهم، وهو ما أثار عليها غضب العشائر التي تضم السنة والشيعة معاً، كما أفقدها الكثير من حلفائها أو المتعاطفين معها في صفوف السنة الذين يركزون على قوات الاحتلال، وبالتالي نظروا إلى استهداف القاعدة للشيعة باعتباره حرفاً لمسار "المقاومة" وتشجيعاً على الفتنة الطائفية.

ومن الجوانب المهمة لأزمة القاعدة في العراق أن الولايات المتحدة استطاعت بالتعاون مع بعض الدول المجاورة تارة، وبالضغط عليها تارة أخرى، أن تضيق من الدعم الخارجي لتنظيم القاعدة على الساحة العراقية من خلال إغلاق المنافذ أمام أي عناصر تابعة له أو متعاطفة معه ومنعها من المرور عبر الحدود العراقية. ولا شك أن عمليات القاعدة وتهديداتها خلال الفترة الماضية في مناطق مختلفة في العالم العربي، خاصة شمال أفريقيا، وما اتضح من أن عناصر عائدة من العراق هي التي تقف وراءها، قد أدى إلى سيادة اقتناع إقليمي بأمرين: الأول، هو أن الحرب ضد القاعدة في العراق ليست حرباً أمريكية فقط، وإنما هي حرب إقليمية كذلك، سيتوقف على نتيجتها الكثير مما يتعلق بمستقبل أمن واستقرار المنطقة كلها. والثاني، هو أن هناك حاجة كبيرة لبذل أقصى جهد من أجل التعاون في محاصرة القاعدة في العراق ومنع تكرار تجربة العائدين من أفغانستان مع "العائدين من العراق". وهذا ما أدى إلى تعاون على مستويين ضد القاعدة، الأول؛ يتعلق بالتعاون الأمريكي-الإقليمي، والثاني يتعلق بالتعاون الإقليمي-الإقليمي.

 وتشير المؤشرات الصادرة من العراق إلى أن القاعدة قد أصبحت مشغولة ومستنزفة في مقاتلة قوى كانت داعمة لها في الماضي، وهذا ما يتضح من مؤشرين مهمين برزا على السطح خلال الفترة الأخيرة. المؤشر الأول، هو المعارك التي تقودها القاعدة ضد زعماء العشائر المتحالفين مع الولايات المتحدة ضدها. وكان أبرز الذين قتلوا في هذا الاستهداف الشيخ "عبد الستار أبو ريشة" زعيم تنظيم قوات الصحوة في الأنبار في الثالث عشر من سبتمبر/أيلول الماضي. والمؤشر الثاني، هو عودة المعارك بين تنظيم القاعدة والجيش الإسلامي؛ حيث سقط قتلى وجرى في مواجهات بين الجانبين مؤخراً. ومن المعروف أن الجيش الإسلامي هو تنظيم سني يضم بين صفوفه عناصر من الجيش العراقي السابق وكان يقاتل القوات الأمريكية، إلا إنه انقلب على القاعدة بسبب الأخطاء التي ارتكبتها في العراق مثل تكفير الشيعة واستهداف المدنيين.

 ولا شك أن انخراط القاعدة في قتال "أعدائها العراقيين" من عشائر وتنظيمات سنية أخرى لم تكن في السابق على عداء معها، يعكس مظهراً مهماً من مظاهر أزمتها على الساحة العراقية، وهذا يدفع المراقبين للشأن العراقي إلى التشكيك في قدرتها على العودة إلى مجال التأثير مرة أخرى.

 ولكن هذا لا يعني أن خطر القاعدة قد انتهى بشكل نهائي من على الساحة العراقية، أو أنه يمكن إعلان النصر عليها كما قال رئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي" وبعض القادة العسكريين الأمريكيين مؤخراً؛ حيث تشير التجارب في مناطق مختلفة من العالم إلى أن القاعدة تستطيع في كثير من الأحيان تغيير تكتيكاتها وامتصاص الصدمات التي تتعرض لها والكمون في انتظار الوقت المناسب للخروج إلى السطح من جديد، كما أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها القاعدة في العراق إلى الضغط وتتراجع عملياتها. إلا أنها كانت تعود بعد كل مرة أكثر عنفاً، وهذا ما أشار إليه قائد سلاح مشاة البحرية الأمريكية "جيمس كونواي" مؤخراً؛ حيث قال أمام مركز الأمن القومي الأمريكي الجديد "إن القاعدة قد شلت إلا أنها لم تدمر، وأن عناصرها قد أظهرت قدرة مدهشة على استعادة قوتها في الماضي". وهذا يتصل بطبيعة القاعدة على الساحة الدولية بشكل عام، فعلى الرغم من الحرب الشعواء ضدها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فإنها ما زالت قادرة على الفعل والتأثير، وتشير التجارب إلى أن فترات تراجعها كانت مؤقتة، كما تتحدث تقارير أخرى مختلفة عن استراتيجيات وتكتيكات جديدة للقاعدة في مناطق مختلفة من العالم. أي إن القاعدة لم تخسر معركة منذ بداية الحرب ضدها حتى في أفغانستان التي أطاحت الحرب الأمريكية بحكم طالبان والقاعدة فيها.

 وعلى ذلك فان التحدي أمام الحكومة العراقية الآن هو تهيئة البيئة الداخلية التي تمنع توحش القاعدة من جديد، وتحول دون خروجها مرة أخرى من بين الرماد، وأن يمنحها النصر على الإرهاب، الذي تحدث عنه رئيس الوزراء العراقي، القدرة على الاستمرار والصمود، فضلاً عن عدم المبالغة في الحديث عن "الإنجاز" الأمني؛ لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى انتكاسات خطيرة.   

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات