أزمة الغـذاء: التحدي الاستراتيجي العالمي الجديد

  • 3 فبراير 2011

بعد فترة هدوء قصيرة استمرت لمدة عامين، عادت أسعار الغذاء مرة أخرى لتسجل ارتفاعاً كبيراً في جميع أرجاء العالم. ففي مطلع العام الجاري ( 5 يناير 2011)، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن مؤشرها لأسعار الغذاء لشهر ديسمبر 2010 سجل أعلى مستوياته على الإطلاق.

لقد تم لمس تأثيرات صدمة الأسعار هذه في بلدان عدة؛ حيث ارتفع سعر القمح إلى مستويات قياسية في المملكة المتحدة، فيما اضطرت روسيا إلى استيراد الحبوب من الخارج لتغذية الماشية حتى فصل الربيع، كما ارتفع مؤشر التضخم في أسعار المواد الغذائية في الهند بنسبة 18%. وفي العالم العربي ساهمت الأزمة الغذائية في زيادة حدة الغضب الشعبي، ودفعت بعض شعوب المنطقة للقيام باحتجاجات وتظاهرات شعبية عنيفة كتلك التي اندلعت في كل من الجزائر واليمن وتونس، ومؤخراً في مصر التي تعد أكبر مستورد للقمح في العالم.

وتفهماً لخطر الأزمة، اعتبر كبير المستشارين العلميين في الحكومة البريطانية في يوم 24 يناير، أن "الحاجة لاتخاذ تدابير عاجلة لإصلاح النظام الغذائي العالمي أصبحت ملحة الآن". جاء ذلك في الوقت الذي أصدر فيه مئات من العلماء تقريراً توصلوا في نهايته إلى توجيه تحذير شديد لصانعي القرار الحاليين والمستقبليين من عواقب التباطؤ في زيادة الإنتاج الغذائي، وشدّد التقرير على أنه يتعين على العالم أن يضع النظام الغذائي في قمة أولوية أجندته السياسية.

وحسبما يقول الخبراء، فإن أزمة الغذاء التي حدثت في عام 2008، لم تتم معالجتها بشكل جذري ولم تُمنح الاهتمام الكافي، فعلى الرغم من هبوط أسعار مواد غذائية مثل الذرة والقمح في عام 2009 إلى مستويات أقل مما كانت عليه في عام 2008، فإنها ظلت أعلى بكثير من أسعارها قبل الأزمة. وقد أوضح أديسون ويجن، المحرر التنفيذي لـ"آجورا فاينانشيل" هذه الحقيقة في عدد مجلة فوربس الصادر في أواخر العام الماضي، عندما أشار إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار المواد الغذائية في عام 2010؛ حيث سجلت أسعار الذرة ارتفاعاً بنسبة 63%، فيما زادت أسعار القمح بنسبة 84%، وفول الصويا بنسبة 24%، والسكر بنسبة 55%.

إن أسباب هذه الطفرة المفاجئة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي يتوقع بعض الخبراء أن تضرب العالم بقوة وتؤثر فيه بموجب السيناريو المعروف بـ"العاصفة المتكاملة"، عديدة ومتنوعة، فقد أرجعها المحللون إلى مشكلة التغير المناخي التي يشهدها العالم، والزيادة المستمرة في النمو السكاني العالمي، وارتفاع معدل استهلاك الغذاء في دول الاقتصادات الناشئة، والتحول في الزراعة من إنتاج المحاصيل الغذائية إلى المحاصيل التي تستخدم في صناعة الوقود الحيوي، والارتفاع في أسعار النفط، وإدخال السلع الغذائية في مضاربات أسواق صناديق الأموال المتداولة  (EFT) وأسواق المشتقات.

يمكن القول إن زيادة أسعار الغذاء في عام 2010 تعزى إلى عاملين لهما صلة مباشرة بالعرض، الأول: الخسارة التي لحقت بمحصول القمح نتيجة الجفاف المدمر الذي تعرضت له كلٌ من روسيا وأوكرانيا وكازاخستان، مما اضطر الحكومة الروسية إلى منع تصدير القمح حتى نهاية عام 2011. والعامل الثاني، هو النقص في محصول الذرة في الولايات المتحدة (توقعت وزارة الزراعة الأمريكية انخفاضاً بنسبة 3.4% عن السنة الماضية)، وذلك بسبب الفيضانات التي اجتاحت الغرب الأوسط من البلاد في شهر يونيو الماضي، وهو الأمر الذي ازداد سوءًا بسبب موجة الحر والجفاف التي ضربت البلاد في شهر أغسطس. وفي واقع الأمر، صارت مسألة حدوث نقص متكرر بالمحاصيل تعيد نفسها بإنذارات منتظمة، فالجفاف الذي ضرب قمح روسيا عام 2010، كان قد ضرب محصول فول الصويا في الأرجنتين في عام 2009 ومحصول القمح الأسترالي عامي 2007-2008.

أما من جانب الطلب، فإن الزيادة السكانية في العالم باتت تشكل عبئاً مستمراً على الإمدادات الغذائية. ففي مقال نشرته مجلة "فورن أفيرز" ذائعة الصيت، كتب أخصائي البيئة، لاستر بروان، قائلا: "إن النمو السكاني، الذي وصل إلى أعلى نسبة تقدر بحوالي 2% سنوياً في عام 1970، وانخفض إلى أقل من 1.2% سنوياً في عام 2010، يشكل تحدياً مهماً لمشكلة الغذاء. فعلى الرغم من تضاعف عدد السكان مرتين تقريباً منذ عام 1970، فإننا ما نزال نضيف 80 مليون نسمة كل عام. وفي هذه الليلة، سيكون هناك 219,000 فم إضافي يحتاج إلى تغذيته حول مائدة الطعام، وسيتم استقبال كثيرين منهم بأطباق فارغة".

إضافة إلى ذلك، فإن الازدهار الاقتصادي لشعوب دول الاقتصادات الناشئة قد زاد من قيامهم باستهلاك كميات أكبر من الحبوب كأعلاف لمنتجات الثروة الحيوانية والدواجن نتيجة تصاعد الطلب على اللحوم ومنتجات الألبان، وهذا ما أسهم في زيادة أسعار الذرة التي تقدم علفاً للمواشي. وتنعكس هذه الظاهرة كذلك في الطفرة المفاجئة في الاستهلاك العالمي للأسماك الذي ضرب هو الآخر رقماً قياسياً، ببلوغه معدل 17 كغم للشخص الواحد، حسب تقرير حديث صدر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وتشكل الأسماك الآن ما لايقل عن 15% من كمية البروتين المستهلك لحوالي 3 مليارات نسمة، حسب نتائج هذا التقرير الذي أكد أيضاً أن حالة مخزون السمك لم تتحسن كثيراً، وأن حوالي 32% من هذا المخزون قد تم الإفراط في استغلاله. كما بيّن التقرير أن إجمالي استهلاك اللحوم في الصين قد تضاعف عن استهلاكه في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. 

وفيما يخص جانب العرض، فقد برزت عقبة جديدة جراء الابتكارات التكنولوجية في مجال صناعة الطاقة؛ حيث يقوم المزارعون الآن بإنتاج المحاصيل كوقود للسيارات. وبحسب تقرير صدر عن معهد سياسة الأرض في واشنطن، فإن الولايات المتحدة الأمريكية أنتجت 416 مليون طن من الحبوب عام 2009، منها 119 مليون طن ذهب إلى محطات تقطير الإيثانول. هذا الكم الهائل من الحبوب الذي استخدم في مجال صناعة الوقود الحيوي، كان من الممكن أن يُطعم نحو 350 مليون شخص لمدة سنة كاملة. ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، فقد نمت صناعة الوقود الحيوي في أوروبا أيضاً نتيجة زيادة الطلب على زيوت الديزل النباتية والمصنعة من بذور اللفت وزيت النخيل.

هناك أسباب أخرى تتعلق بالنقص في إنتاج المحاصيل بسبب التزايد المستمر في تآكل التربة (رغم تحذيرات العلماء من أن ما يزيد عن ثلث مساحة العالم الزراعية أصبحت تفقد تربتها العليا بشكل سريع، ومن تنامي المساحات الجافة والقاحلة في وسط آسيا وأفريقيا)، كما أن هناك نضوباً في المياه الجوفية (بسبب الإفراط في استخدام المضخات الميكانيكية في سحب المياه الجوفية في دول مثل الهند، سورية، العراق واليمن)، ويصل استغلال المياه الجوفية لإنتاج المحاصيل الزراعية إلى ذروته في الدول المتقدمة (مع تراجع إنتاج الأرز في اليابان وعدم قدرة كل من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا على زيادة محصول القمح) بالإضافة إلى تحويل مياه الري إلى المدن.

وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية أيضاً بسبب انخفاض قيمة العملات العالمية من جهة، والمبالغة في طباعة الأوراق النقدية من قبل البنوك المركزية حول العالم من جهة أخرى. وبسبب مواصلة البنوك المركزية الإبقاء على معدلات فائدة منخفضة في الاقتصادات التي تعاني من الركود، بدأت الأموال تتدفق خارج الآليات ذات النفع الربوي وأسواق العملات لتتحول إلى السلع، حيث إن الطلب على السلع (وخاصة المواد الغذائية) لا يهبط حتى لو هبط القطاع الصناعي. إضافة إلى ذلك، فإن الأسواق المالية في الغرب تقدم الآن صناديق تداول exchange-traded funds  غايتها الربح، ويتم من خلالها توجيه الأموال إلى السلع الغذائية من دون الاستثمار المباشر في هذه السلع بحيث يمكن تحقيق الربح عندما ترتفع أسعار الحبوب.

وفي النهاية، فإن زيادة أسعار النفط –والتي قاربت مؤخراً مائة دولار للبرميل الواحد – قد تؤدي إلى رفع كلفة الزراعة جراء زيادة أسعار الوقود والأسمدة، وتسهم في زيادة أسعار المواد الغذائية من خلال زيادة كلفة النقل والشحن. كما أنه في حالة ارتفاع سعر النفط ليصل إلى تكلفة إنتاج الوقود الحيوي فإن الإنتاج الزراعي سوف يتحول إلى زراعة المحاصيل التي تسهم في إنتاج الطاقة.

إن العالم يتجه إلى "ذروة أسعار النفط" وكذلك إلى "ذروة معدلات الفائدة"، ولهذا فمن المتوقع أن ترتفع  أسعار المواد الغذائية إلى معدلات قياسية، الأمر الذي يتطلب مساعدة فورية للدول الفقيرة التي تعاني من هذا الارتفاع الذي قد يتسبب في نشوء حالة من عدم الاستقرار السياسي في مناطق حساسة من العالم. كما أن هناك حاجة أيضاً إلى تحسين وسائل تخزين المواد الغذائية لتكون أكثر فعالية،. وهناك حاجة أيضاً إلى بذل جهود أكثر تضافراً لمراقبة التقلب في المناخ لحماية الإنتاج الغذائي العالمي. إن الجنس البشري عليه أن يجابه التحديات المفروضة عليه بسبب الغذاء والوقود والتمويل، وإلا فإن تكهن الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي ربما يصبح حقيقة عندما قال: "إذا لم نفعل شيئا … فإننا نتعرض لمخاطر أعمال الشغب في الدول الفقيرة وآثار غير مستحبة على النمو الاقتصادي العالمي".

Share