أزمة الغذاء العالمية في تفاقم مطّرد

  • 29 مارس 2012

في مقابلة حصرية لموقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت، عبَّر الدكتور إيكارت وورتز، زميل زائر بمعهد برينستون للبيئة، عن قلقه إزاء تزايد المؤشرات على قرب حدوث "ارتفاع هيكلي في أسعار الغذاء"، ودعا دول مجلس التعاون إلى العمل على تعزيز أسواق الغذاء العالمية للحؤول دون حدوث "تحول جذري" في أسعار السلع الغذائية الرئيسة. وقد أجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة وورتز في المؤتمر السنوي لمركز الإمارات بعنوان: "أمن الماء والغذاء في الخليج العربي"، والذي عقد يومي 26 و27 مارس 2012. وفيما يلي نص المقابلة:

س: هل ترى بوادر أزمة غذاء عالمية جديدة في الأفق؟ وهل تشير البيانات العلمية والتوقعات الإحصائية إلى أي اتجاه متزايد بهذا الصدد؟

ج: أسعار الغذاء مرتفعة بالفعل في الوقت الراهن. فبعد انخفاض الأسعار في أعقاب ارتفاعها المنذر بالخطر في النصف الثاني من عام 2008، اختفى الشعور بإلحاح الخطر. بيد أن المشكلة عادت إلى الظهور بقوة منذ عام 2010. وفي الحقيقة، فإن أسعار بعض السلع الغذائية أكثر ارتفاعاً الآن مما كانت عليه في عام 2008. ومع ذلك، فإن الوضع ليس بالخطورة نفسها التي كان عليها في عام 2008، عندما يتعلق الأمر بالتخزين. وفي الفترة الأخيرة، أعلنت روسيا عن قيود على الصادرات الزراعية، لكن ذلك يُعَدّ استثناءً.

وبشكلٍ عام، هناك مؤشرات قوية على حدوث نوع من التحول الجذري في أسعار السلع الغذائية، وعلى أنها ستكون أعلى هيكلياً في المستقبل مقارنةً بالعقدين الفائتين.

س: هل يمكن أن توضح أكثر ما تقصده بـ"الارتفاع الهيكلي في أسعار الغذاء"؟

ج: كما هي الحال بالنسبة إلى النفط، حيث شهدنا أسعاراً أعلى هيكلياً من ذي قبل، لدينا اليوم أسعار غذاء أكثر ارتفاعاً من الناحية الهيكلية عن ذي قبل. وهناك تفسيرات محددة لهذا الاتجاه، تشمل تراجع نمو الإنتاجية الزراعية، وتغير الأنظمة الغذائية للأفراد في الاقتصادات الصاعدة، وزيادة إنتاج الوقود الحيوي. فيبدو أن نمو الإنتاجية في الدول المتقدمة والغنية زراعياً قد تراجع بالفعل. ومن ثم، ليس لدينا تلك الإضافة القوية في معدلات نمو الإنتاجية، كما كان عليه الحال في الماضي. وفي بعض البلدان التي لم تطبق مكتسبات الثورة الخضراء، مثل بعض الدول الأفريقية، قد يكون هناك مجال لزيادة الإنتاجية. ومع ذلك، فإن معدلات نمو الإنتاجية قد تراجعت منذ تسعينيات القرن المنصرم. وربما يكون هناك مجال للنمو، ولكن ليس إلى المدى ذاته. وفي الوقت نفسه، تواجه الزراعة قيوداً ذاتية المنشأ، تتمثل في جزء منها في تآكل التربة وتلوث المياه وتغير المناخ. ويُقدر أن الزراعة مسؤولة عن نحو 15% من تغير المناخ العالمي، على سبيل المثال لا الحصر، من خلال انبعاثات الميثان التي تسببها الماشية، وانبعاثات أكسيد النيتروس التي تحدثها الأسمدة. كما يُقدر أن إزالة الغابات، والتي غالباً ما تتم لتوفير أراض زراعية، مسؤولة عن ما نسبته 11% من تغير المناخ.

وعلى جانب الطلب، شهدنا زيادة في إنتاج الوقود الحيوى. وحسب تقديرات الأوبك، فإن ما نسبته 30% من ارتفاع أسعار الحبوب بحلول عام 2020 سوف يرجع إلى الطلب على الوقود الحيوي. علاوة على ذلك، ثمة تحول نحو الاتجاهات الغذائية القائمة أكثر على اللحوم في أسواق اقتصادات الدول الصاعدة. وبطبيعة الحال، تحتاج اللحوم إلى قدر أكبر بكثير من الماء والأرض مقارنة بالحبوب. ومن ثمّ، فإن لدينا عاصفة متكاملة الأوصاف آخذة في التشكل فيما يتعلق بالأمن الغذائي.

س: هناك أيضاً الجدل بشأن المضاربة في أسواق السلع الغذائية، وكيف أنها كثيراً ما تؤثِّر سلبياً في أسعار الغذاء. إذن، هل أنت متفائل بكون المستثمرين الدوليين أضافوا الزراعة إلى نطاق أنشطتهم أم تخشى أن تؤدي المضاربة إلى إحداث تقلبات في أسعار الغذاء؟

ج: لا يمكن للمضاربين الماليين خلق سوق من فراغ. هناك عوامل هيكلية لارتفاع أسعار الغذاء، ولا يجب أن نضع اللائمة دائماً على المضاربة. وأعتقد أن الساسة يستخدمون المضاربة دائماً كذريعة رخيصة.

بيد أنه علينا أن نتيقن مما إذا كانت المضاربة المالية أسهمت في زيادة أسعار الغذاء. وما من شك في أنه إذا عمد المضاربون إلى رفع السعر، فإن ذلك أمر سييء. لكن هناك من المضاربة ما هو مفيد عندما تكون مرتبطة بالخدمات التحوطية للمزارعين والمنتجين الحقيقيين شريطة أن يقدِّم تلك الخدمات وسطاء منظمون كما كانت عليه الحال قبل عام 2000 (أي قبل تحرير أسواق السلع في الولايات المتحدة). وعليه، فإن معظم اللاعبين الماليين في السوق الآن، مثل صناديق الاستثمار عالية المخاطر أو صناديق التقاعد، يجب من حيث المبدأ أن يكونوا خارجه. فهؤلاء لم يكونوا موجودين قبل تحرير أسواق السلع في عام 2000، ولا أرى داعياً لتلك المضاربة.

والمؤسف أنه على الرغم من كل هذا الجدل حول المضاربة المالية في أسواق السلع الغذائية، لم تُجر إصلاحات تنظيمية فعالة. وبما أن السلع من القطاعات الأخيرة التي ما تزال المصارف تربح منها، فمن المتصور أن تتشبث المصارف بهذا المصدر المدرّ للتدفقات النقدية. وعليه، فإن المضاربة المالية يمكن أن تكون جيدة، إذا وفرت للسوق السيولة والخدمات التحوطية، شريطة ارتباطها بالإنتاج المادي وليس المتاجرة.

س: ما رأيكم في الاستثمارات الزراعية التي تقوم بها دول لديها احتياطيات مالية هائلة، مثل دول مجلس التعاون، في البلدان النامية في أفريقيا وآسيا؟

ج: من الممكن الاستثمار على نحو مفيد في الزراعة. ولا بد من إعادة تأهيل البنية الأساسية للري في أماكن مثل مثلث الجزيرة في السودان وإقليم البنجاب في باكستان وما شابه. لكن لا بد أن نذكر أن بعض الاستثمارات الزراعية المعلن عنها مثيرة للجدل؛ لأنها كبيرة الحجم، وتنفذ في دولٍ تتسم فيها حيازة الأرض بعدم الأمان، وتفتقر الحقوق الخاصة بالأرض إلى الوضوح، أو يمتلك فيها صغار المزارعين والرعاة حقوقاً عرفية في الأراضي. وهكذا، فهناك حاجة إلى مناقشة هذا الموضوع. وأعتقد أن هناك مساحة للاستثمار المستدام في الزراعة في الدول النامية، وأنه يمكن أن يكون هناك تأثير مفيد لبعض الدول، مثل دول الخليج، في هذا الخصوص. بيد أنه إذا أجريت تلك الاستثمارات على النحو الخاطئ، أي بمنطق الإملاء من أعلى، أو إذا اعتُمد نهج يعتمد على الحجم الكبير وكثافة رأس المال بما يهمش السكان المحليين، عندئذ ستظهر العديد من المشكلات. وعلاوة على ذلك، فإن كثيراً من تلك الاستثمارات عبارة عن مجرد إعلانات برّاقة، وثمة فجوة كبيرة قائمة بين إعلان الاستثمارات الزراعية وتنفيذها الفعلي. وتتمثل العقبات الرئيسة أمام تنفيذ هذه الاستثمارات في عدم كفاية البنية التحتية، وردود الفعل السياسية في البلدان المستهدفة، بل عندما تذهب إلى هذا البلد الأفريقي أو ذاك، لا تعرف أين تقع الأرض المؤجرة. إن الزراعة عمل طويل الأجل، ويحتاج تحقيق النتائج إلى سنوات وربما عقود.

س: أكدتم على الحاجة إلى تعزيز أسواق الغذاء الدولية وتنظيماتها باعتبارها أهمّ بالنسبة إلى دول مجلس التعاون من البحث عن سبل ثنائية حصرية لإنتاج الغذاء. لكن كيف لتكتل أو لدولة أن تعزز من جانب واحد أسواق الغذاء العالمية وأن تعتمد على هذه الجهود لتحقيق أمنها الغذائي؟

ج: لا يمكنك القيام بذلك من جانب واحد وإنما بالتعاون مع آخرين. فدولة الإمارات يمكن أن تضطلع بدور في هذا الخصوص إلى جانب السعودية، وهي عضو في مجموعة العشرين. ويمكنها دعم فرنسا التي أثارت قضية كبح المضاربة السلعية. ولذلك، يمكن العمل مع فرنسا والمشاركة في الجدل الدائر في الأمم المتحدة بشأن تطوير الاحتياطي الدولي من الغذاء.

س: لكن ما الذي يمكن لدولة أو لتكتل من الدول عمله في أوقات أزمات الغذاء الرئيسة؟

ج: في الواقع، على الرغم من أن دول مجلس التعاون تقوم باستيراد معظم احتياجاتها الغذائية، فإنها تتمتّع بالأمن الغذائي إذا ما قيست على أساس نصيب الفرد من الدخل، وتغطية الواردات الغذائية بعائدات التصدير، ومؤشر الجوع العالمي للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية؛ لأنها تحصل على حاجتها من الغذاء من السوق العالمية. وفي أوقات الأزمات، يُفهم أن يتم السعي إلى الوصول إلى إنتاج الغذاء على نحو ثنائي وحصري، لكن لِمَ السعي إلى ذلك في دول مثل السودان وباكستان وإثيوبيا، وهي من أكبر الدول المتلقية للمعونة الغذائية في العالم، وليست شريكاً طبيعياً في الأزمة؟ الشريك الطبيعي في الأزمة يجب أن يكون مُصدِّراً صافياً للغذاء، وله سجل راسخ في مجال التوصيل، ويتمتع بقدر من القوة العسكرية لتأمين خطوط الإمداد.

وترتبط دول مجلس التعاون تربطها بعلاقات جيدة مع دول تعتبر في مقدمة الشركاء الطبيعيين في أزمة الغذاء، مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والدول الأوروبية. ومن منظور تاريخي، برع السّاسة الخليجيون في إقامة التحالفات السياسية لتأمين الإمدادات من الغذاء. ولا أرى أن الشركاء الأهمّ في تأمين إنتاج الغذاء بشكلٍ حصري سيكونون الدول النامية التي أُعلن عن الاستثمارات الزراعية فيها؛ لأنها تعاني انعدام الأمن الغذائي. ولا أعتقد أن أية دولة أفريقية يمكن أن تصبح مزود الغذاء للعالم العربي، وأن تكون مصدراً متميزاً لسدّ الحاجات الغذائية لدول الخليج. ومع ذلك، فإن تلك الاستثمارات قد تفيد إذا أُنجزت على النحو الصحيح.

س: لكن أليس ثمة قلق، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، من احتمال أن تتسبب الاتجاهات الحمائية في أزمة غذاء من صنع الإنسان؟

ج: رأينا اتجاهات حمائية لحماية صناعات معينة. وحتى عندما أُعلن عن قيود تصديرية في الماضي، فإنها لم تكن بسبب الخوف من المنافسة وإنما من ارتفاع أسعار الغذاء المحلية. ولذلك، هناك حاجة لأن تتسم أسواق الغذاء العالمية بمزيد من الشفافية. قد نحتاج لأن يكون هناك ما يعادل الوكالة الدولية للطاقة لتبادل المعلومات بشأن أسواق الغذاء. وبصورة مماثلة، يمكننا إيجاد قدر من التنسيق بشأن الاحتياطيات الغذائية الوطنية، أو ربما إيجاد احتياطيات دولية من الغذاء أو ما شابه؛ لأن تلك القيود التصديرية لم تكن ضرورية في المقام الأول.

Share