أزمة العلاقات التركية- الإسرائيلية: حدودها وآفاقها

  • 15 سبتمبر 2011

بعد أن كانت العلاقات بين تركيا وإسرائيل، حتى أوائل هذا القرن، تتميز بأنها ذات مستوى تحالفي عال، بدأت تظهر علامات فتور في هذه العلاقات تدريجياً، منذ تولى "حزب العدالة والتنمية" بزعامة رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا عام 2002. ومع قيام إسرائيل بشن الحرب على قطاع غزة (2008-2009)، تسارعت عملية انهيار تلك العلاقات، وفجّر أردوغان قنبلة في "مؤتمر دافوس" (أواخر 2009)، عندما اتهم الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بأنه "يعرف جيداً كيف يُقتل الفلسطينين" في غزة. وتفاقمت الأزمة بين البلدين (أوائل2010) إثر حادث "الكرسي المنخفض" الذي أجلس عليه نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون السفير التركي في إسرائيل أوغوز تشليك كول في محاولة لإذلاله والانتقام من الانتقادات التركية لإسرائيل. وبلغت الأزمة بين البلدين ذروتها بحادثة قتل القوات البحرية الإسرائيلية تسعة نشطاء أتراك (في مايو 2010) كانوا على متن سفينة مرمرة ضمن "أسطول الحرية الأول" الذي حمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة.

ومن المعروف أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، شكل لجنة للتحقيق في أحداث أسطول الحرية، برئاسة جيفري بالمر رئيس وزراء نيوزيلندا السابق، وتضم خبراء دوليين وممثلاً عن تركيا (أوزدم سنبرك) وإسرائيل (يوسف تشخنوفر). وبعدما أنجزت اللجنة تقريرها، جرى نقل مسودته إلى إسرائيل وتركيا، وفي ظل الخلاف بينهما، تم تأجيل نشره مرات عدة، من أجل إعطاء فرصة أخرى للدولتين لإصلاح العلاقات بينهما، فيما نُشرت تقديرات بأن رئيس اللجنة ونائبه الرئيس الكولومبي السابق ألفارو أوريبي مواليان لإسرائيل، وقد أعدا التقرير بالتعاون معها متجاهلين كل الطروحات التي قدمتها تركيا.

ومع نشر تقرير بالمر في نيويورك (في الثاني من سبتمبر 2011) وصلت العلاقات بين إسرائيل وتركيا إلى حد الانفجار؛ حيث ادعى التقرير أن الحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة مبرر بموجب القانون الدولي، إلا أن جنود البحرية الإسرائيلية استخدموا القوة المفرطة واللامنطقية خلال عملية السيطرة على سفينة مرمرة، الأمر الذي أدى إلى مقتل الناشطين الأتراك التسعة. ولم يتضمن التقرير توصيات بأن تقدم إسرائيل الاعتذار لتركيا، لكنه اقترح أن تعبّر عن أسفها لسقوط ضحايا.

وقد أعلنت إسرائيل ترحيبها بالتقرير، مع إبداء التحفظات ذاتها التي عرضها مندوبها في اللجنة يوسف تشخنوفر وقبلها الأمين العام للأمم المتحدة. وكان مصدر الرضا الإسرائيلي أن التقرير يمنح إسناداً قانونياً دولياً للحصار البحري على غزة، ويقضي بأن الجنود عملوا انطلاقاً من الدفاع عن النفس، بل يقرر أن تحقيق "مجلس حقوق الإنسان" في هذه الواقعة لم يكن مهنياً، وأن تحقيق الحكومة التركية لم يكن مستقلاً.

خلال فترة التحقيقات، كانت حكومة أردوغان تخوض حرباً دبلوماسية انتقامية ضد إسرائيل، حيث كرر المسؤولون الأتراك، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء أردوغان تأكيد أنه "لا يمكن التفكير" في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ما لم تعتذر عن الغارة الدموية على سفينة "مافي مرمرة"، ودفع تعويضات عن قتل النشطاء الأتراك، وكذلك رفع الحصار عن قطاع غزة.

ونُشرت تقارير عن محادثات سرية بين الطرفين جرت في جنيف، واستؤنفت في نيويورك، توصلا خلالها إلى اتفاقية من قسمين؛ حول "التعويضات" و"التطبيع"، ولكن نتنياهو لم يستطع إقناع أعضاء حكومته بصيغتها فتم تجميدها. واقترحت إسرائيل مضاعفة مبلغ التعويضات، ليصل إلى نحو 100 ألف دولار، لكل من العائلات التسع للقتلى، مقابل تراجع تركيا عن مطالبتها إسرائيل بالاعتذار، لكن تركيا رفضت هذا العرض. وظل الجانبان يحاولان التوصل إلى صيغة توافقية، عبر البحث عن الصيغة اللغوية التي تفهم باللغة العبرية على أنها "أسف" وتفهم باللغة التركية على أنها "اعتذار"، لكن هذه المحاولة أخفقت، على غرار ثلاث محاولات سبقتها.

وفور نشر المسودة النهائية لتقرير بالمر، أعلنت تركيا أنها لا تعترف بالحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، واتخذت إجراءات فورية، تتضمن سلسلة عقوبات على إسرائيل بعد رفضها تقديم الاعتذار، أبرزها؛ خفض التمثيل الديبلوماسي للدرجة الثالثة، كما تم تجميد الاتفاقات الأمنية مع إسرائيل.

وحيال هذا الموقف التركي المتصاعد، اتسمت ردود الفعل الإسرائيلية بالهدوء في محاولة لاحتواء الأزمة. لكن إسرائيل رفضت رسمياً فكرة الاعتذار، وقبلت بمبدأ إبداء الأسف ودفع التعويضات. وبتبرير نتنياهو: "لأن معنى الاعتذار أننا سنتحمل المسؤولية عما حدث، بينما كان جنودنا يدافعون عن أنفسهم". وكان موقف موشي يعلون، بصفته وزير الشؤون الاستراتيجية، أكثر تفصيلاً؛ إذ رأى "أن الاعتذار سيؤدي إلى المس بإسرائيل استراتيجياً حيال دول المنطقة، ويتيح لأردوغان الخروج إلى شوارع الشرق الأوسط لكي يعلن أن تركيا قد أنزلت إسرائيل على ركبتيها، ولو كنا اعتذرنا لكانت هذه حقاً بصقة في وجه مقاتلي الوحدة البحرية، وهذا استسلام حقاً كان سيضعنا في ضوء إشكالي جداً". ويعتقد يعلون بأنه حتى لو توصلت إسرائيل إلى تفاهم مع الحكومة التركية، فهذا لن يمنع مواطنين أتراكاً أو سواهم من رفع دعاوى جنائية ضد جنود وضباط إسرائيليين. وفي رده على موقف أردوغان، قال يعلون (في 7 سبتمبر) إنه لا يمكن الاعتماد على حكومة تصادق إيران وحركة حماس، ولا يمكن مشاركة معلومات استخبارية مع دولة كهذه تحولت من "جمهورية علمانية" إلى "جمهورية إسلامية".

وفي هذا السياق برزت أصوات إسرائيلية أكثر تشدداً، من ذلك وزير المواصلات يسرائيل كاتس الذي قال في أحد تصريحاته إن تركيا هي التي يجب أن تعتذر للجنود الإسرائيليين؛ لأن لجنة الأمم المتحدة أقرت أن "تركيا لم تمنع الأسطول وأن الحصار على غزة قانوني". وذهب بعض المفكرين الاستراتيجيين أبعد من ذلك، ومن هؤلاء على سبيل المثال أفرايم عنبار، مدير مركز بيغن- السادات للبحوث الاستراتيجية الذي حرض على الابتعاد عن تركيا على أساس أنه "ليس لإسرائيل ما تكسبه من تركيا التي أصبحت أقل ديمقراطية وأكثر إسلامية" محذراً من أن أنقرة قد تنقل معلومات سرية إلى طهران (هآرتس1/8/2011).

في المقابل ظهرت أصوات إسرائيلية كثيرة تنتقد الموقف الإسرائيلي الرافض للاعتذار، وتدعو إلى تغليب مصالح الدولتين على مسألة "الكرامة الوطنية" (وفق تصريح وزير الأمن الداخلي يتسحاق أهرونوفيتش). بينما استغلت رئيسة المعارضة وزعيمة "كديما" تسيبي ليفني مستجدات الوضع، لتوجيه انتقاد إلى رئيس الحكومة نتنياهو، وتأكيدها أنه كان على حكومة إسرائيل "العمل على منع حصول هذه النتائج السيئة".

وحول الآفاق المستقبلية للأزمة الراهنة، يكاد يكون هناك إجماع على أنه إذا لم تعتذر إسرائيل، فستتخذ تركيا خطوات تصعيدية، من بينها شن حملة قضائية ضد إسرائيل أمام محاكم عدة في أنحاء مختلفة من العالم. وفي حال تطبيق "الخطة ج"، التي تحدث أردوغان عنها، دون أن يورد تفاصيلها، فقد يتم قطع جميع العلاقات التجارية مع إسرائيل، وربما تبذل محاولات لإيقاع ضرر بإسرائيل في الساحة الدولية بسبب سياستها في المنطقة، ومن تلك المحاولات؛ قيام تركيا بتقديم الدعم الواسع لمشروع قرار الاعتراف الأممي بدولة فلسطين، وممارسة الضغوط على الأمم المتحدة ووكالة الطاقة الذرية لفرض عقوبات على البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفض المصادقة على عضوية إسرائيل في حلف "الناتو"، بعد أن قدمت طلباً إلى سكرتارية الحلف لتصبح العضو التاسع والعشرين فيه.

ومن النواحي الميدانية/الاستراتيجية، أعلن أردوغان أن القوات البحرية التركية ستواكب السفن التركية التي ستنقل مساعدات إنسانية إلى غزة. وبدا من التقارير المنشورة أن تركيا تعتزم زيادة وجودها العسكري في شرقي المتوسط، وعدم السماح بترك شرق المتوسط بعد الآن رهينة بيد إسرائيل وقرصنتها، فيما تحدثت تقارير أخرى عن سعي تركي لإخراج إسرائيل من منظومة الدفاع ضد الصواريخ البالستية للولايات المتحدة و"الناتو"، والتي من المفترض أن تعترض الصواريخ الإيرانية.

وبشأن البعد الاقتصادي، توضح تجربة السنوات الأخيرة أن العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل تطورت حتى في أجواء التوتر السياسي. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2010 نحو 3 مليارات دولار، منها نحو 1.3 مليار دولار صادرات إسرائيلية إلى تركيا. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين منذ مطلع العام الحالي وحتى يوليو الماضي نحو 2.3 مليار دولار. لكن التبادل التجاري الدفاعي بينهما متوقف منذ نحو عام ونصف العام.

وفي حال نفذت الحكومة التركية تهديدها بقطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، من المؤكد أن الاقتصادين الإسرائيلي والتركي سيتكبدان خسارة كبيرة. ولكن تركيا ستجد تعويضات أسهل مما في الحالة الإسرائيلية، وبشهادة محافظ المصرف المركزي الإسرائيلي ستانلي فيشر (5 سبتمبر 2011) فإن تبعات الأضرار في التجارة مع تركيا ستكون خطيرة بالنسبة لإسرائيل، بينما ستكون أقل خطورة في حالة تركيا، التي يبلغ ناتجها القومي أكثر من 700 مليار دولار، فهي الدولة الأكبر اقتصادياً في المنطقة، وتقترب من أن تصبح دولة اقتصادية كبيرة بمصطلحات عالمية، وهي تعيد بناء مكانتها كجهة مركزية في التجارة الإقليمية، مقابل دول آسيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط.

ولدى قراءة الأزمة على خلفية الظروف الراهنة، يُلاحظ أن انفجار الأزمة بين إسرائيل وتركيا جاء في بيئة استراتيجية ليست مريحة لكلا الدولتين؛ فبالنسبة لإسرائيل، هناك الاحتجاجات الاجتماعية والتوترات الداخلية، ومشكلة العلاقات مع مصر، وإطلاق الصواريخ من غزة، والتحرك الفلسطيني تجاه الأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وما يرافقه من عزلة وضغوط دولية متزايدة على إسرائيل. وبالنسبة لتركيا، فإنها تواجه تطورات غير مواتية في إطارها الإقليمي، ولاسيما في العلاقات مع سورية، التي يواجه نظامها احتجاجات شعبية واسعة تفرض على أنقرة التحرك ضد هذا النظام، فضلاً عن اشتعال الجبهة الكردية في منطقة الحدود مع العراق. كما أن الأزمة الاقتصادية في أوروبا قد تبدّد حلم تركيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي. لكن في المقابل، هناك اعتقاد متزايد بأن تأزّم العلاقات مع إسرائيل، يتيح لتركيا فرصة لزيادة حشد التأييد الشعبي العربي والإسلامي لها لتتحول إلى قوة مقررة في المنطقة من الدرجة الأولى. وبالتعبيرات التي قيلت مراراً، سيبدو الأمر في الفهم التركي وكأنه "بعث الحياة في الدولة العثمانية".

وعلى الرغم من أنه لا يوجد لإسرائيل وتركيا غير قليل من المصالح الاستراتيجية المشتركة في الشرق الأوسط، فإن تركيا ما تزال بحاجة إلى إسرائيل باعتبارها ممراً نحو الغرب وأمريكا، وإسرائيل ما تزال ترى في علاقاتها مع تركيا جسراَ مع الشرق، كدولة إسلامية كبرى في المنطقة. ويُفترض احتساب عامل التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية التي تحتاجها تركيا في المواجهة مع القوى الكردية، وفي بناء القوة التركية الشاملة. وإذا ما أخذنا بالاعتبار الضغوط الأمريكية على الطرفين لإنهاء الأزمة بينهما بأي ثمن؛ لأسباب تتعلق بالتوجهات الأمريكية إزاء المنطقة وبالتطورات الجارية فيها، فإن احتمال الوصول إلى قطيعة كاملة بين البلدين لن يكون وارداً. وقبل المجازفة بتحديد "النهاية"، يتعين الانتباه إلى أن الأزمة ما تزال مفتوحة على مستجدات تستدعي المتابعة. 

Share