أزمة الصواريخ السورية المزعومة لـ "حزب الله": أبعادها ودلالاتها

  • 10 مايو 2010

منذ انتهاء حرب إسرائيل على لبنان في يوليو 2006 لم تتوقف حملاتها وتهديداتها لـ"حزب الله"، الذي أخفقت بشكل ذريع في تجريده من أسلحته والقضاء عليه. فعلى الرغم من الآثار الكارثية التي تسببت فيها هذه الحرب للشعب اللبناني وحجم التدمير الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية، فإن نتائج هذه الحرب جاءت قاسية على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية؛ وهزت العقيدة القتالية الإسرائيلية، وأشعرت قادة هذه المؤسسة أن هناك حسابات لا بد من تصفيتها ليس فقط مع "حزب الله"، وإنما أيضاً مع سورية، نظراً للعلاقة الوثيقة بينهما.

وقد بدأت هذه الأزمة بتصريح جاء على لسان، إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، اتهم فيه سورية بتسليم "حزب الله" صواريخ "سكود" التي يستطيع الحزب من خلالها استهداف العمق الإسرائيلي. ثم جاءت تصريحات الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، خلال زيارته الأخيرة لباريس، والتي ردد فيها الاتهامات نفسها. وتوالت بعد ذلك التهديدات الإسرائيلية التي ارتفعت في حدتها وخطورتها؛ حيث كشفت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية يوم 18 أبريل 2010 أن إسرائيل وجهت تحذيراً شديد اللهجة إلى سورية مهددة بإعادتها إلى "العصر الحجري" في حال استخدم "حزب الله" اللبناني هذه الصواريخ ضد إسرائيل، وتوعدت دمشق بأنها سترد على أي هجمات يشنها الحزب، بهجوم انتقامي فوري ضد سورية نفسها، كما أوضحت إسرائيل في هذه الرسالة، طبقاً لما أوردته الصحيفة، أنها تعتبر "حزب الله" الآن جزءاً من الجيش السوري، وأن الأعمال الانتقامية ضد سورية ستكون سريعة ومدمرة".

وعلى الرغم من عدم ثبوت صحة هذه الاتهامات، فقد قامت واشنطن بمجاراة تل أبيب في اتهاماتها المرسلة، واستخدمت لغة دبلوماسية، وإن كانت ابتعدت نسبياً عن تأكيد مزاعم إسرائيل، إلا أنها حذرت في الوقت ذاته من مخاطر إمكانية حدوثها؛ حيث استدعت الإدارة الأمريكية القائم بالأعمال السوري لتعرب له عن قلقها من التقارير التي تحدثت عن نقل أسلحة متطورة من سورية إلى "حزب الله"، وحذرت دمشق من عواقب تسريب مثل هذه الأسلحة.

من جانبها أصدرت دمشق بياناً رسمياً نفت فيه بقوة المزاعم الإسرائيلية، مؤكدة على لسان وزير خارجيتها، وليد المعلم، "أن ما يزعزع استقرار المنطقة بالفعل هو تزويد الولايات المتحدة إسرائيل بالأسلحة المتطورة، ومجاراتها لمزاعم الحكومة الإسرائيلية على حسابنا"، كما وصف سعد الحريري، رئيس الحكومة اللبنانية، المعلومات التي تتحدث عن نقل صواريخ من سورية إلى "حزب الله" بأنها "مزاعم مرفوضة"، فيما جاء رد حسن نصر الله الأمين العام لـ"حزب الله" متسماً بالغموض؛ حيث أكد أن حزبه غير معني بأن ينفي أو يؤكد امتلاكه صواريخ سكود.

وفي الواقع يصعب تصور حدوث مثل هذه المزاعم الإسرائيلية. فنقل صواريخ كبيرة بحجم "سكود" من سورية إلى لبنان (طوله لا يقل عن 10 أمتار) يحتاج لشاحنات كبيرة لنقله، ويصعب ألا يتم رصده وتصويره في بلد صغير كلبنان تحلق فوقه طائرات الاستطلاع على مدار الساعة وترصد ما يدور على أرضه. وما يؤكد ذلك أن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم أية أدلة قاطعة على صحة مزاعمها، ولعل هذا هو السبب في تراجع المسؤولين الإسرائيليين عن استخدام عبارات التأكيد في تصريحاتهم إلى لغة التكهنات. فإيهود باراك عاد ليقول: "إن إسرائيل تفترض أن حزب الله سعى إلى الحصول على صواريخ سكود"، وعندما سُئل في مقابلة تليفزيونية تالية عما إذا كان بمقدوره تأكيد أن سورية سلمت الصواريخ لـ"حزب الله"، رد بإجابة مراوغة تمزج بين التهديد والوعيد، بقوله: "ليس لدينا نية شن حرب في الشمال، لكن لابد أن يفُهم أن دخول أسلحة إلى لبنان يعطل التوازن ويهدد الاستقرار". والتوازن والاستقرار في المصطلحات الإسرائيلية يعني تثبيت التفوق الاستراتيجي لإسرائيل على جيرانها العرب مجتمعين.

وبدوره اكتفى روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي بعد لقائه إيهود باراك، بالقول: "إن حزب الله يملك من الصواريخ والقذائف أكثر مما تملكه غالبيه حكومات العالم، وهو أمر يزعزع بالتأكيد استقرار المنطقة"، وهي لغة تتجاوز الحقائق وتغفل عن عمد واقع علاقات وموازين القوى في المنطقة، وعن المتسبب في عدم استقرارها، كما يعكس هذا التصريح حرص واشنطن على ضمان أمن إسرائيل أياً كانت مواقفها.

وتثير هذه التطورات العديد من التساؤلات حول حقيقة الدوافع التي حدت بإسرائيل لافتعال هذه الأزمة. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى مجموعة من الأهداف أو الدوافع، أولها: رغبة تل أبيب في صرف أنظار المجتمع الدولي عن سياساتها التعسفية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني، والتغطية على عمليات التهجير القسري التي تقوم بها للفلسطينيين، ومواصلتها لعمليات الاستيطان، وغير ذلك من السياسات المتطرفة التي أثرت بالسلب على صورة إسرائيل في أوساط الرأي العام الدولي. ثانيها: محاولة استعادة صورة إسرائيل "الضحية" في المنطقة من خلال السعي لخلق شعور لدى الرأي العام العالمي بوجود خطر داهم على أمن إسرائيل، الأمر الذي قد يسهم في تخفيف حدة الضغوط الدولية، ولاسيما الأمريكية، التي يتم ممارستها حالياً على الحكومة الإسرائيلية لدفعها لتحقيق السلام. ويلاحظ تزامن تلك الأزمة مع حملة إعلامية مدفوعة الأجر في الصحف الأمريكية الرئيسية ضد الإدارة الأمريكية مولها أثرياء أمريكيون يهود، تطالب أوباما بوقف ضغوطه على إسرائيل.

أما الدافع الثالث، فيتمثل في رغبة إسرائيل عرقلة مسيرة التقارب السوري- الأمريكي بإثارة الشكوك حول توجهات سورية الإقليمية، ومواصلة الضغط عليها بعد فشل جهود إحداث ثغرة في التحالف السوري- الإيراني. وفي هذا السياق يمكن فهم قرار الإدارة الأمريكية الأخير الصادرة في مطلع مايو الحالي والذي تم بموجبه تجديد العقوبات المفروضة على سورية، ومع أن هذا القرار كان متوقعاً، فإن لهجة البيان المرفق من أوباما للكونغرس بشأنه عكست تزايداً في التوتر بين الجانبين بعد المزاعم الإسرائيلية بشأن نقل صواريخ سكود إلى "حزب الله"؛ حيث اعتبر أوباما أن "تصرفات الحكومة السورية وسياساتها، بما في ذلك الاستمرار في دعم المنظمات الإرهابية والسعي وراء أسلحة الدمار الشامل والبرامج الصاروخية، ما زالت تشكل تهديداً غير اعتيادي واستثنائياً للأمن الوطني الأمريكي والسياسة الخارجية والاقتصاد الأمريكي".

ويتمثل رابع هذه الدوافع في ممارسة أسلوب الردع المسبق لسورية ولـ"حزب الله"، ليمتنع عن محاولة استخدام صواريخ (أياً كان نوعها) ضد إسرائيل، وتحذير سورية من استمرار سياستها الداعمة لـ"حزب الله" بأي شكل من الأشكال. وكان الجنرال يوسي بيرتس من المخابرات العسكرية الإسرائيلية قد كشف جزئياً عن حقيقة ما يزعج القادة العسكريين الإسرائيليين عندما اتهم سورية بتزويد "حزب الله" بنظام صواريخ "إيجلا- أس" المحمول على الأكتاف والمضاد للطائرات الهليكوبتر والطائرات بدون طيار. ومن المعروف أن إسرائيل تعتبر مجرد امتلاك القدرة "الافتراضية" على استهداف مواقع إسرائيلية تجاوزاً للخطوط الحمر، ومبرراً لاستخدام القوة بشكل استباقي.

وتكشف مواقف إسرائيل على هذا النحو عن مواجهة قادتها لمأزق سياسي معقد. فقد افتعل نتنياهو أزمة الصواريخ هذه لتكون المبرر الذي يعتقد أنه مقبول دولياً لشن حرب تخرجه من ورطته الراهنة في التعامل مع أزمة الملف النووي الإيراني. وفي الواقع فقد أكثر القادة الإسرائيليون من تصريحاتهم عن نيتهم "تدمير" المنشآت النووية الإيرانية، وما زال هذا الخيار متداولاً في إسرائيل، ولم يحسم بعد. ولكن القادة الإسرائيليين لم يستطيعوا الحصول -حتى الآن- على "ضوء أخضر" أمريكي للقيام بتنفيذ هذا الخيار، لشعور الإدارة الأمريكية بخطورته وما قد يجلبه من دمار شامل وما يحدثه من عدم استقرار في المنطقة، وتهديد سلامة الجنود الأمريكيين المنتشرين فيها، فضلاً عن تعريض الإمدادات النفطية لمخاطر عديدة، في وقت مازال فيه الاقتصاد الأمريكي يعاني من وطأه أزمته. ولهذا رأت واشنطن تكثيف الجهود في اتجاه تصعيد العقوبات على إيران. ولكن إسرائيل لا ترى أن هذه العقوبات ستكون مجدية، ولم تتوقف عن سعيها لتحييد من تعتبرهم حلفاء لإيران في المنطقة، وهو ما يجعلها تقف من جديد أمام رهانات الحرب؛ إذا إن هناك من يرى أن الحكومة الإسرائيلية قد تلجأ إلى افتعال أي أزمة من أجل استدراج "حزب الله" وسورية إلى حرب جديدة، تمهيداً لحربها الكبرى ضد إيران، وقد يكون الهدف من هذه الحرب هو استدراج إيران نفسها إلى هذه الحرب ما يدفع إسرائيل إلى استهداف منشآتها النووية التي ترى فيها تهديداً وجودياً.

وفي تقديري، فإن هدف النفخ الإسرائيلي في موضوع أسلحة "حزب الله" قد يكون التجهيز لشن حرب جديدة على لبنان، قد لا تقع في المدى القصير، ولكنها تبقى خياراً مفتوحاً قد تلجأ إليه إسرائيل مستقبلاً كبديل لشن حرب على إيران، وهو خيار تراه إلى جانب فرض عقوبات إضافية على إيران أقل كلفة ومخاطر من مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، ومن هنا فإن المنطقة العربية، التي تعاني من فراغ القوة ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات والخيارات.

Share