أزمة الرسوم المسيئة: هل من مكان للعقلاء؟

مراد بطل الشيشاني: أزمة الرسوم المسيئة... هل من مكان للعقلاء؟

  • 6 نوفمبر 2006

في التاسع من نوفمبر الجاري (2006)، صرح "جهاد حمد"، أحد المتَهمين بمحاولة الاعتداء الإرهابي على قطارين في ألمانيا نهاية يوليو الماضي، بأن نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد (ص) كان هو الدافع، لتفكيره هو وزميله "يوسف محمد الحاج ديب"، في تنفيذ تلك العملية الإرهابية، ليؤكد بذلك ما ذهبت إليه الشرطة الفيدرالية الألمانية في سبتمبر الماضي، بأن نشر تلك الرسوم في الصحافة الغربية شكل "العامل المحفز"، الذي دفع الإرهابيين اللبنانيين إلى محاولتهما تلك"، ويؤشر، في الوقت ذاته، على ميل الكفة للمتطرفين في التعامل مع التأزم القائم بين العالمين الغربي والإسلامي، والذي عززته تلك الأزمة، التي بدأت بعد نشر صحيفة "يولاند بوست" الدنماركية في العام 2005 رسوماً أساءت لمشاعر المسلمين في العالم؛ حيث صورت النبي محمداً (ص) بشكل غير مقبول، الأمر الذي دفع إلى بروز الدعوات المطالبة بمقاطعة البضائع الدنماركية في العالم الإسلامي، تلك المقاطعة التي تسببت في إلحاق خسائر كبيرة بعدد من الشركات الدانماركية، التي سارعت بدورها إلى الاعتذار للمسلمين.

 الإشكالية في تلك الأزمة، كانت في غياب صوت التحليل لتداعياتها المتمثلة، أولاً: بدورها في تأزيم علاقة مسلمي الغرب بمجتمعاتهم المحيطة، أو تصعيد ذلك التأزم الذي كان قد بدأ يظهر منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، واتخذ بعداً أكثر تعقيداً منذ اندلاع تلك الأزمة، وهو ما انعكس بالتالي في شكل أزمة "تعايش" و"اندماج" يتحمل الطرفين مسؤوليتها، لم تكن محاول تفجير القطارين في ألمانيا المؤشر الوحيد على درجة خطورتها، بل إنها أفرزت أو عقدت من مشكلات أساسية أخرى كمسألة الهوية الإسلامية في الغرب، والحجاب، وأزمة الضواحي (كحالة فرنسا)، و"المفجرين" الذين نشؤوا في مجتمعات الغرب (كحالة بريطانيا). ولعل حال مسلمي الدنمارك أنفسهم يؤكد ذلك، فهم لم يبدؤوا الحديث عن شعورهم بالانعزالية من المجتمع المحيط، والتوتر المتزايد معه ومع السلطات التي اعتقلت مسلمين "مشتبهاً بهم" بفعل تسليط الضوء على "التطرف الإسلامي" في الغرب (رويترز 8/11/2006)، إلا بعد "أزمة الرسوم المسيئة".

 وأما التداعي الثاني لتلك الأزمة فيتمثل، بتأزم علاقة العالم الإسلامي عموماً، بالعالم الغربي، لاسيما أن تلك الأزمة جاءت في سياق سلسلة من الإساءات المتعمدة للإسلام ورموزه من جانب الغرب، وهو ما عبر عنه الباحث الأميركي من أصل لبناني، "فواز جرجس"، حين تحدث عن انطباعاته في زيارته البحثية إلى الشرق الأوسط، فقال: "لم ألتق بسائق سيارة أجرة، ولا بائع فاكهة، ولا بمدرس، لا يرى أن هناك صلة بين الرسوم الدنماركية المسيئة، واستخدام الرئيس الأميركي "جورج بوش" لاصطلاح الفاشية الإسلامية، وملاحظات البابا "بنديكت السادس عشر" التي ربط فيها بين الإسلام والعنف". ولا بد من التذكير هنا أن وضع العالم الإسلامي مقابل العالم الغربي، ينطوي على خطأ منهاجي يتمثل بالمقابلة بين أمة دينية وبين مفهوم جغرافي، وبذات الوقت يجعل من أطروحة عالم السياسة الأميركي "صمويل هنتجتون" حول "صدام الحضارات" أكثر صدقية، وهي المقولة التي انبرى كثيرون لتفنيدها، وبذات الوقت استخدمها كثير من الإسلامويين لاثبات "عداء وعدائية الغرب"، بمنطق "وشهد شاهد من أهله"، كما عبر مرة الباحث المغربي المعروف "عبد الإله بلقزيز".

 وعلى حين أن مس الرموز الدينية لأي عقيدة، بهذا الشكل الفج، قد يدفع إلى رد فعل قوي ومتوقع، فإن حملة المقاطعة كانت بالتالي متوقعة، وقد اتخذت أبعاداً واسعة، ولكن في أكتوبر الماضي من هذا العام أذاعت بعض وسائل الإعلام إدانة زعماء مسلمين في الدنمارك لحزب الشعب الدنماركي، المعروف بمناهضته للأجانب، لنشره رسوماً كارتونية مسيئة أخرى على موقعه الالكتروني. وجاءت الإدانة على إثر، ما وصفته الـ "بي بي سي" (12 أكتوبر 2006)، بتزايد "مشاعر الغضب الاسلامية" بسب شريط فيديو آخر يصور شبانا من الحزب ذاته، يسخرون من النبي محمد (ص). ولكن، هذه المرة، لم يكن حجم الإدانة، في العالم الإسلامي، بالقدر ذاته، كما في المرة الأولى، بل قد مرت الحادثة، هذه المرة، بقدر لم يتجاوز الساعات من التغطية الإعلامية.

 وبذلك فإن ما سبق يدلل، وللأسف، على عدة مؤشرات مهمة، أولاً: إن "أزمة الرسوم المسيئة"، هي أزمة تم توظيفها سياسياً، من قبل أنظمة وجهات سياسية متعددة، ولعب "الإعلام المحرض" دوراً أساسياً في إشعالها وتزكيتها. ثانياً: إن "العمل الإسلامي"، باعتبار أن الإسلاميين هم من قادوا حملة المقاطعة والمواجهة، مازال يدور في إطار ردات الفعل، وتجييش العاطفة الجماهيرية في الشارع، على حساب إرساء خطاب عقلاني، وعمل سياسي مؤسسي يحقق الأهداف العامة ويعمل على تنفيذها؛ فالحملة لمقاطعة البضائع الدنماركية دعا لها ورعاها منتدى إلكتروني وبعض رجال الدين، ونظراً لأنها حملة غير واضحة الأهداف والغايات، على النقيض مما يجب أن تكون عليه الحملات السياسية، فإن ذلك عمل على تعويمها، فلم يصدر رد فعل مشابه في المرة الثانية كما حدث في المرة الأولى. والأسوأ من ذلك، أن ما عده هؤلاء "نصراً" دفعهم إلى استخدام هذا الأسلوب لأي قضية أخرى لدرجة أن طالب بعضهم مؤخراً بمقاطعة شركات تعلن في مسلسل رمضاني عربي ناقد لا يحظى بقبولهم. ثالثاً: إنه إذا ما كان هناك مستفيد من تلك الأزمة، فهو التيار المتشدد من الطرفين؛ فالمتشددون في الغرب عمدوا إلى الاستفادة من الأزمة لتعميق الشرخ بين الشرق والغرب، بإثارة الموضوع ونشر الرسوم بين الفينة والأخرى، وذلك بهدف استفزاز الشارع الإسلامي من جهة وتعبئة الشارع الغربي ضد المسلمين من جهة أخرى، مما يكّون بالتالي بيئة ملائمة لقبول سياسات رسمية أقل ما يمكن وصفها، بالبعيدة عن العقلانية.

 أما المتشددون في العالم الإسلامي، وتحديداً التيار السلفي-الجهادي ممثلاً بتنظيم القاعدة، فقد شكلت الأزمة فرصة مواتية له لإعادة، ولو جزء بسيط من الشعبية التي كان التيار قد بدأ يفقدها بفعل العمليات الدموية التي نفذها ضد أهداف مدنية، خاصة في العراق. ولذا دعا زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، في تسجيل صوتي في أبريل 2005، إلى قتل الذين أساؤوا إلى النبي "محمد" (ص)، مطالباً بتسليم واضعي هذه الرسوم لتنظيمه. ولم يغب عن التعليق والتحريض "أيمن الظواهري" الذي اعتبر الرسوم "جزءاً من حملة صليبية"، ضد المسلمين. وبشكل أكثر تطرفاً حث "أبو يحيى الليبي"، الهارب من القاعدة الأمريكية في باغرام-أفغانستان، على "ضرب أوروبا بسبب الرسوم المسيئة للنبي"، ودعا المسلمين إلى "جعل أنهار من الدم تسيل في شوارع الدنمارك والنرويج وفرنسا بسبب نشرها تلك الرسوم". ولعل في تصريحات اللبناني "حمد" ما يؤشر إلى مسارات الأزمة.

 عموماً، وانطلاقاً من رفض كلي للمساس بشخص النبي محمد (ص)، أو أي من الرموز الدينية للعقائد كافة، ورغم الإشكاليات التي انطوت عليها "أزمة الرسوم المسيئة"، والتداعيات التي أفرزتها، إلا أنها حملت بعض الأبعاد الإيجابية، التي يمكن توظيفها، بشكل يفتح المجال على مصراعيه للحوار بين الطرفين، فقد أُخذ دوماً على الحوارات بين: "الشرق والغرب" أو "الديانات"، أو "الحضارات"، عدم تطرقها للمسائل الحساسة والخلافية بين الطرفين. أما الآن، وبعد أن وصل الامر إلى حد أقرب "للمواجهة"، كما يرغب المتشددون، فإن الوصول إلى صيغة "للتعايش"، لا "التوحد"، أصبح أكثر إلحاحاً لدى العقلاء من الطرفين؛ ففي مثل هذه الصيغة تخفيف للعبء الملقى على كاهل "مسلمي أوروبا"، وتحرير لهويتهم الإسلامية من اختطاف المتطرفين من ناحية، وفيه فرصة، لهم، من ناحية أخرى، لتأكيد خيارهم بالاندماج في المجتمعات التي آوتهم. والأهم من هذا وذاك، أن مجرد السعي للتوصل إلى مثل تلك الصيغة التعايشية يعني حتماً عزل المتشددين ودعاة "صدام الحضارات" من الطرفين. وهو نصر للعقلاء بحد ذاته.

Share