أزمة الدور العربي في العراق

شحاتة محمد ناصر: أزمة الدور العربي في العراق

  • 24 أبريل 2008

منذ أن غزت القوات الأمريكية العراق وأطاحت بنظام صدام حسين في عام 2003، وما نتج عن ذلك من تداعيات سياسية وأمنية كبيرة، ثمة تساؤل يتردد بين فترة وأخرى، مؤداه: أين العرب من كل ما يجري على الساحة العراقية،  وكيف ينظرون إلى العراق من منظار المصالح القطرية والقومية؟.

وبعد أن كان هذا التساؤل يُطرح تارة بفتور وتردد وتارة أخرى بتحفظ، خلال الفترة التالية للغزو مباشرة، أصبح مع مرور الوقت سؤالاً ملحاً ليس فقط على المستوى العربي، وإنما أيضاً من قبل الولايات المتحدة نفسها، وبعض القوى العراقية التي رأت أنها قد تضررت وتم تهميشها جراء ما حدث في يوم التاسع من أبريل 2003. ولم يأت هذا السؤال والإلحاح عليه من فراغ، وإنما بفعل العديد من التطورات والعوامل التي أصبحت تستدعي دوراً ووجوداً عربيين في المشهد العراقي. وأول هذه العوامل هو انفجار الوضع الأمني وبروز المخطط الإقليمي لتنظيم القاعدة انطلاقاً من العراق، وبالتالي برزت الدعوة إلى ضرورة مساهمة العرب في الحرب ضد الإرهاب على الساحة العراقية،  لمنعه من الامتداد إليها وتكرار تجربة العائدين من أفغانستان مرة أخرى مع "العائدين من العراق".

العامل الثاني هو بروز التوترات والاحتقانات الطائفية التي تحولت إلى مواجهات مسلحة بين الشيعة والسنة، وهو ما أثار المخاوف من انتقال هذا الاحتقان إلى بعض الدول العربية المجاورة، التي تتنوع تركيبتها المذهبية بين السنة والشيعة، وأنتج دعوات داخل هذه الدول للتدخل من أجل منع اندلاع حرب طائفية بين العراقيين لن تنحصر آثارها السلبية المدمرة داخل الحدود العراقية، وإنما ستمتد نارها إلى خارج هذه الحدود. ويتمثل العامل الثالث في اتضاح جوانب النفوذ الإيراني الكبير في العراق من خلال العلاقة القوية التي تربط إيران مع بعض القوى الشيعية، الأمر الذي أثار قلق العرب ودفعهم إلى الاهتمام بشكل أكبر بالشأن العراقي؛ حيث طُرح تساؤل مهم على المستوى العربي، مؤداه: إذا كانت إيران قد عرفت طريقها ووضعت مشروعها الخاص حول العراق، فأين المشروع العربي؟.

العامل الرابع هو تعثر الولايات المتحدة الأمريكية في ضبط الأوضاع الأمنية والسياسية داخل العراق؛ حيث دفعها هذا التعثر إلى ممارسة ضغوطها على العرب من أجل مساعدتها، خاصة بعد أن تراجعت عن خطة نشر الديمقراطية في المنطقة العربية التي كانت مبعث قلق أنظمة الحكم في المنطقة إلى درجة أنها لم تجد من مصلحتها تقديم أي مساعدة لواشنطن في الملف العراقي. في هذا الإطار يجيء الانتقاد الأخير الذي وجهه السفير الأمريكي في بغداد ريان كروكر إلى الدور العربي في العراق، والذي وصفه بالضعف، مشيراً إلى عدم وجود سفراء عرب في العاصمة العراقية، وندرة الزيارات رفيعة المستوى التي يقوم بها مسؤولون عرب كبار إلى هناك.

ويتمثل العامل الخامس في بروز بعض التوجهات العراقية التي أقلقت الدول العربية مثل مشاريع الأقاليم التي تعمل على تقسيم هذا البلد وفقاً للخطوط العرقية والطائفية، وخفوت البعد العربي في الدستور والسياسة الخارجية العراقية، إضافة إلى التقارير التي أشارت إلى تدخلات إسرائيلية في العراق تضر بمصالح العرب. فيما يتمثل العامل الأخير في الصراع الإقليمي بين إيران وبعض القوى العربية، لاسيما مصر والسعودية، وهو الصراع الذي تعددت جبهاته من العراق إلى لبنان مروراً بفلسطين، الأمر الذي أتاح للولايات المتحدة توجيه رسالة إلى العرب، مفادها: إذا كنتم تخشون من نفوذ إيران على الساحة العراقية، فلماذا لا تتحركون لمساعدة الحكومة في العراق على النجاح ومواجهة هذا النفوذ؟.

في ضوء ما سبق جاء مشروع المصالحة الوطنية العراقية الذي قدمته الجامعة العربية وما زال متعثراً حتى الآن، كما جاء استقبال المسؤولين العراقيين في عواصم العرب المختلفة، وإعلان بعض الدول العربية مؤخراً عن خطط لإرسال سفراء إلى بغداد.

ورغم ذلك، ما زال الدور العربي في العراق ضعيفاً، وهذا بالطبع له أسبابه العديدة، والتي منها: التردد والتأخر في التحرك وعدم امتلاك رؤية أو استراتيجية متسقة وواحدة للتعامل مع الوضع هناك، والانقسام العربي حول ما جرى ويجري في العراق، وتكييف كثير من الأمور المتعلقة بالوضع الأمني والسياسي فيه، فضلاً عن ظهور بعض الأطراف العربية بمظهر المدافعين عن السنة العراقيين والمعادين للشيعة، سواء عبر التحذير من "هلال شيعي" في المنطقة، أو التشكيك في ولاء الشيعة العرب لأوطانهم، أو السعي لدى الولايات المتحدة لإقناعها بمراجعة تحالفها مع الشيعة العراقيين، وفق ما ذكره الكاتب الشهير سيمور هيرش في مجلة نيويوركر الأمريكية في مارس 2007، عندما أشار إلى قيام السعودية بلعب دور كبير في إقناع واشنطن عبر سفيرها السابق هناك بندر بن سلطان،  بضرورة التحالف مع السنة في العراق والشرق الأوسط في مواجهة  الشيعة "حلفاء إيران" أو التصدي لـ"الخطر الشيعي". وهو ما أثار الشيعة بقوة وجعلهم يتوجسون تجاه أي دور عربي على الساحة العراقية. 

ومع أهمية الاعتبارات السابقة التي تشير كلها إلى أخطاء عربية في التعامل مع الملف العراقي بعد عام 2003، فإن ضعف الدور العربي في العراق لا يعود فقط إلى هذه الأخطاء على الرغم من أهميتها وخطورتها الشديدة، وإنما هناك أسباب أخرى مهمة؛ فقد ساهمت الولايات المتحدة نفسها في إضعاف الدور العربي في العراق حينما أوحت بأن ما حدث فيه هو المرحلة الأولى، وأن نظماً أخرى ربما يأتي دورها في المنطقة لتلقى المصير نفسه الذي لاقاه صدام حسين، وأنها تريد أن تجعل من العراق نموذجاً تعمل على تطبيقه في الدول المجاورة، إضافة إلى مبدأ الفوضى الخلاقة الذي أعلنت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية، كوندوليزا رايس، وتم النظر إليه على أنه يعمل على إعادة تشكيل المنطقة وفق اعتبارات طائفية وعرقية. وقد أحدث هذا حالة من التوجس العربي تجاه الأهداف الأمريكية في العراق والمنطقة، ودفع بعض الدول العربية إلى عدم التعاون مع واشنطن على الساحة العراقية، بل إن بعض الأطراف رأت أن من مصلحتها بقاء الأوضاع متفجرة في العراق حتى تستمر الولايات المتحدة غير قادرة على تنفيذ مشروعها لتغيير منطقة الشرق الأوسط. كما نظرت بعض الأطراف العراقية بقلق تجاه أي دور للعرب في العراق، وعملت على إبعاده وتهميشه بطرق مختلفة؛ لأنها رأت فيه إضراراً بمصالحها وتعويقاً لمشروعاتها الخاصة، وهذا ما يبدو بالنسبة إلى الأكراد إضافة إلى بعض قوى الشيعة.

الوضع الأمني الصعب كان، وما زال، سبباً آخر لا يقل أهمية عن الأسباب السابقة في إعاقة دور العرب في العراق؛ حيث تم اغتيال السفير المصري في بغداد، وتعرض دبلوماسيون عرب كثيرون إلى التهديد والاعتداء. وفي ظل التوتر الطائفي بين السنة والشيعة، والذي تحول في بعض الأحيان إلى مواجهات مسلحة دامية، تخوف كثير من العرب من أن يتم استهداف دبلوماسييهم على هذه الخلفية الطائفية، خاصة مع الاتهامات التي وجهت لبعض الدول العربية بالمساهمة في تأجيج الأوضاع الأمنية بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي ساهم في إحجام كثير من الدول العربية عن إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة العراقية.

ما سبق يلخص ما يمكن تسميته "أزمة الدور العربي" في العراق،  لكنه ليس مسوغاً للانسحاب من الساحة وتركها خالية، أو وضع المستقبل العراقي كله في أيدي الولايات المتحدة؛ لأن هذا معناه أن العرب سيتركون العراق نهباً لمشروعات التقسيم من ناحية، وتطلعات الهيمنة الإيرانية من ناحية أخرى.

هناك ضغوط كبيرة داخل الولايات المتحدة من أجل سحب القوات الأمريكية من العراق، ودعوات للحوار مع إيران والتفاهم معها كطريق للخروج من المأزق أو المستنقع العراقي. وإذا ما جاء الديمقراطيون إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإن هذه الدعوات يمكن أن تتحول إلى سياسة معتمدة، خاصة أنهم يتبنونها بقوة ويلحون عليها. وفي ظل الوضع الصعب الراهن على الساحة العراقية، سياسياً وأمنياً وطائفياً، فإن خروج القوات الأمريكية في مثل ظل هذه الظروف، سيعني ترك البلاد في مواجهة سيناريوهات خطيرة، ربما تصل إلى حالة من حالات الحرب الأهلية، وسيخلّف فراغاً كبيراً من الطبيعي أن تقوم إيران بملئه؛ لأنها تمتلك كل مقومات ذلك وأسبابه. أما أي حوار أمريكي مع طهران فإنه سيعني عمليا إبرام "صفقة" معها على حساب العرب ومصالحهم.

ويؤكد كل هذا أهمية بناء استراتيجية عربية متكاملة وموحدة للتعامل مع الملف العراقي، تتجاوز الخلافات وتتخطى صراع الأدوار التقليدي بين بعض القوى العربية، ولكن الأهم هو نجاح العرب في الوقوف على مسافة واحدة من كل الاطراف العراقية والتعاطي مع العراق والعراقيين بمعزل عن أية اعتبارات طائفية أو عرقية.

Share