أزمة الثقة بالاقتصاد العالمي

  • 27 يونيو 2012

يمكن القول إن استرداد الثقة بالاقتصاد العالميّ كان هو العنوان الرئيس للقمة التي التأمت بين أعضاء "مجموعة العشرين" في مدينة "لوس كابوس" المكسيكية مؤخراً، التي تعهّد فيها المجتمعون باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتعزيز النمو وترسيخ الثقة بالأداء الاقتصاديّ العالميّ، الذي سيطرت عليه حالة من الهشاشة والضعف خلال الفترات الأخيرة، بعد تعرّضه لما يمكن وصفه بالانتكاسة الشديدة، جراء تفاقم أزمة المديونية الحكومية لدى معظم الاقتصادات الكبرى، التي تجلّت بوضوح في حالة اقتصادات "منطقة اليورو".

قُدّرت قيمة الخسائر الآنيّة التي تسببت بها "الأزمة المالية العالمية" للاقتصاد العالمي في بدايتها بنحو 50 تريليون دولار، وقد حدثت في صورة تراجع دراماتيكي وسريع في قيم الأصول الاستثماريّة الحقيقيّة، وفي قيم الأصول المالية المتداولة في أسواق المال أيضاً، وقد تتابعت الخسائر على مدار الفترات التالية لذلك، وتعمّقت جذورها، فتسبّبت بانكماش الاقتصاد العالمي، وتراجع متتالٍ في حجم الطلب الكلي، وتراجع في أحجام التبادل التجاريّ وقيمه، وانعكس ذلك بالسلب على أداء أسواق السلع الاستراتيجيّة، كما هي الحال في أسواق النفط والطاقة، وارتفعت كذلك معدلات البطالة إلى مستويات قياسيّة، كما شهدت تلك الفترات تباطؤاً في حركة السائحين وحركة رؤوس الأموال عبر الحدود، وغيرها من المظاهر السلبيّة التي اتسعت لتطول مختلف جوانب النظام الاقتصادي العالمي.

لكن برغم أهميّة هذه الخسائر التي تعرض لها الاقتصاد العالمي، التي يمكن وصفها بـ "الخسائر الماديّة"، فهي ليست على القدر نفسه من الأهميّة مقارنة بنوع آخر من الخسائر يمكن أن يطلق عليه "الخسائر المعنوية"، وهي الخسائر المتمثلة في فقدان الاقتصاد العالميّ ثقة المتعاملين به، وتعود الأهمية الكبيرة لهذه الخسائر، مقارنة بالخسائر الماديّة، إلى أن تعويضها ليس بالأمر اليسير، وهو ما أثبتته التجربة العملية خلال السنوات الأخيرة، فبرغم أن الاقتصاد العالميّ استطاع تحقيق بعض المكاسب التي ساعدته على تعويض نسبة جيدة من خسائره المادية، فإنه لم يستطع برغم ذلك الخروج من قبضة أزمة الثقة، التي لم يعد في الإمكان تصوّر أن أياً من الحلول والخطط التي يتم تبنيها سيكتب لها النجاح، أو سيكون لها آثار إيجابية في الأداء الكلي للاقتصاد العالميّ، إن لم تكن قادرة على تعويضه عن تلك الخسارة.

وتأتي تعهّدات "مجموعة العشرين" الأخيرة في إطار الجهود العالمية الحثيثة المبذولة في هذا الشأن، لكن ضعف النتائج الإيجابيّة للجهود المماثلة التي بُذلت في ما سبق يلقي بظلاله على ما يمكن أن تتمخّض عنه الجهود المزمع أن تبذلها المجموعة، ويضعها في مرمى التساؤل عمّا إذا كانت ستقوى على إخراج الاقتصاد العالمي من دائرة الشكوك، وستضعه على بداية الطريق نحو استرداد الثقة المفقودة، وهي المهمّة التي تحتاج، بدايةً، إلى تنقية الأجواء الاقتصادية العالمية من الشوائب المتطايرة هنا وهناك عبر تمكين الاقتصادات الأكثر تعثراً من قطع خطوات حقيقيّة نحو الخروج من أزمتها الحالية كمطلب أول، ومن ثمّ دفع الاقتصاد الحقيقي العالمي نحو تحقيق نمو إيجابيّ كمطلبٍ ثانٍ، وهذان المطلبان معاً يمثل الوفاء بهما شرطاً ضرورياً لإخراج الاقتصاد العالميّ من مأزق انعدام الثقة، وعطفاً على ذلك، فمن الضرورة بمكان أن تتمكّن الجهود العالمية المبذولة في هذا الشأن من المحافظة على تنقية الأجواء الاقتصادية العالمية من أيّ شوائب جديدة لفترة طويلة نسبياً، كخطوة كافية لإخراج الاقتصاد العالميّ من مأزقه، وتمكينه من استرداد الثقة المفقودة، ومن ثم مواصلة المسيرة نحو التعافي الحقيقي.

Share