أزمة البرنامج النووي الإيراني على ضوء تقرير الوكالة الدولية الأخير

  • 18 أكتوبر 2011

ترجع بدايات البرنامج النووي الإيراني إلى عهد الشاه في سبعينيات القرن المنصرم، لكنها توقفت مع اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، واستمر ذلك التوقف إلى أواسط تسعينيات القرن الماضي. ويُقدر الخبراء أن إيران تمتلك حالياً برنامجاً نووياً متطوراً؛ حيث دشنت، في سبتمبر 2011، محطتها النووية الأولى بخبرات روسية في مدينة بوشهر جنوبي البلاد، لتدخل رسمياً في نادي الدول المنتجة للطاقة النووية. وكانت الحكومة الإيرانية قد أعلنت، في ديسمبر 2010، عن امتلاك دورة الوقود النووي كاملة.

أما فيما يتصل بتقييم التطور في البرنامج النووي الإيراني، فتؤكد إيران أنه للأغراض السلمية، ولكنها تصر على حقها في استمرار تخصيب اليورانيوم على أراضيها، فيما تشكك الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في أهداف البرنامج، وتصر على أنه يستهدف إنتاج السلاح النووي. وهناك اعتقاد لدى بعض أجهزة المخابرات الغربية والإسرائيلية أن ايران طورت برنامجين نوويين، أحدهما علني والآخر سري.

وعلى المستوى الدولي، يجسد البرنامج النووي الإيراني أزمة متواصلة، صدر بشأنها عدة قرارات دولية، تضمنت سلسلة من العقوبات على أربع دفعات متتالية، كان آخرها في يونيو 2010. وقد شهدت أغلب اجتماعات محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية كثيراً من الجدل حول الملف النووي، الذي أصبح بنداً ثابتاً على جدول أعمالها. وقد أكد التقرير الأخير (الوثيقة رقم GOV/2011/54) للمدير العام للوكالة، الصادر في 2 سبتمبر 2011  "أن إيران لم تطبق عدداً من التزاماتها، بما في ذلك نصوص البروتوكول الإضافي، وتعليق الأنشطة المتصلة بمشاريع المياه الثقيلة أو تلك المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، كما تلزمها بذلك قرارات مجلس المحافظين ومجلس الأمن الدولي، ولم تتعاون مع الوكالة بشكل كامل لتدرأ الشكوك عن برنامجها النووي". وأعرب التقرير عن قلق الوكالة المتزايد من احتمال أن تكون إيران قد شرعت في تنفيذ برنامج لإنتاج مكونات الأسلحة النووية. وبصورة أكثر تحديداً، عبّر التقرير عن "قلق متنامٍ بشأن احتمال وجود أنشطة نووية في إيران، لم يتم الإعلان عنها، سواء في السابق أو الوقت الراهن، تضم منظومات عسكرية". وأشار التقرير، المؤلف من تسع صفحات، إلى شكوك الوكالة إزاء مساعي الجمهورية الإسلامية إلى تطوير أسلحة نووية، ومن بينها "أنشطة تتعلق بتطوير رؤوس نووية خاصة بالصواريخ" لم تتسلم الوكالة معلومات بشأنها.

وفي هذا الخصوص، اتهم أولي هاينونن، الرئيس السابق لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، طهران، في مقابلة مع مجلة ديرشبيغل الألمانية هذا الشهر (أكتوبر 2011)، بـ"خداع الوكالة و"تضليلها". واعتبر هاينونن أن إيران على عتبة امتلاك قدرة صنع سلاح نووي. وأشار إلى أن خبراء إيرانيين قاموا بتنفيذ تجارب بواسطة نيوترون وصواعق تفجير، وهذه، بلا شك، تطبيقات عسكرية، وقد حققوا تقدماً في مفاعل آراك الذي يعمل بالماء الثقيل. وفي تقدير هاينونن أن إيران ستمتلك بحلول نهاية العام المقبل القدرة على إنتاج يورانيوم يكفي لصنع سلاح ذري، وستراكم بحلول 2014 ما يكفي من البلوتونيوم لصنع قنبلة نووية.

وقد شهد الاجتماع الأخير لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 19 سبتمبر 2011، سجالاً وتبادلاً حاداً للاتهامات بين إيران والولايات المتحدة. فقد اتهم ستيفن تشو، وزير الطاقة الأمريكي، إيران بأنها تواصل انتهاج السلوك "المستفز" نفسه من النفي والغش والمراوغة، والذي تتبناه منذ فترة طويلة، فيما يتصل بالتزاماتها بعدم الانتشار النووي. وحذر تشو إيران من أنها "ستواجه عزلة متزايدة، إذا استمرت في تحدي المطالب الدولية بشأن أنشطتها الذرية التي يشتبه الغرب في أن لها أهدافاً عسكرية". وبالمقابل، شن عباسي دواني، رئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية، هجوماً مضاداً، فحواه أن "خطر الولايات المتحدة التي تمتلك أسلحة نووية هو مصدر قلق بالغ للسلام والأمن العالميين". وأضاف دواني إن "المواقف العدائية لبعض الدول قد تجبر بلداً مثل إيران على القيام بأنشطة نووية سراً، وتضعها تحت الأرض". وفي الواقع، تزيد مثل هذه التصريحات من قلق الغرب بشأن النوايا الإيرانية.

وفي مواجهة الاتهامات والشكوك الدولية، مازال النظام الإيراني يواصل تطوير برنامجه النووي، مدعياً أنه يقتصر على الاستخدامات النووية المدنية فقط، على الرغم من أن بعض المؤشرات تعطي الانطباع بأن الهدف غير المعلن من هذا البرنامج قد يكون استكشاف سبل تطوير التكنولوجيا النووية ثنائية الاستخدام (مدني/عسكري). ومن بين هذه المؤشرات لجوء إيران المتكرر إلى السوق السوداء للحصول على المواد والأجهزة والتكنولوجيا النووية خارج نطاق الرقابة الدولية. علاوة على ذلك، تركز إيران في علاقاتها مع الدول أو الشركات على التعاون في مجالات تعدين اليورانيوم وتصنيعه وتخصيبه، وإنتاج الماء الثقيل، وتطوير تكنولوجيا التخصيب بالليزر، وإنتاج مكونات الطرد المركزي وأجهزة التخصيب. والأهم من ذلك هو قيام إيران ببناء منشآت نووية سرية وتجهيزها، خصوصاً في ناتانز وآراك وأصفهان وفوردو (قرب مدينة قم)، ومن دون إخطار وكالة الطاقة الذرية. وفي مقابلته الصحفية سالفة الذكر، أعرب الرئيس السابق لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن ثقته بوجود "منشآت سرية" نووية في إيران.

وفي مواجهة تزايد الضغوط الدولية عليها إثر صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم تجد إيران بأساً أو حرجاً من أن تجدد على لسان وزير خارجيتها، علي أكبر صالحي، في 11 سبتمبر 2011، استعدادها للتفاوض حول إمكانية إيجاد تسوية مع الدول الست الكبرى بخصوص برنامجها النووي. وكان كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني، سعيد جليلي، قد وجه رسالة تحمل المضمون نفسه إلى كاترين آشتون، مسؤولة السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قبل أيام أعرب لها فيها عن استعداد بلاده إجراء مفاوضات جديدة مع الدول الكبرى بشأن برنامج طهران النووي. ومع ذلك، ما تفتأ إيران تكرر موقفها السابق نفسه من أنها "لن تتنازل عن حقوقها النووية". يُشار إلى أن المفاوضات بين إيران والدول الكبرى بشأن ملف طهران النووي كانت قد أخفقت، في شهر يناير 2011، على صخرة رفض إيران تجميد عمليات تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي طالبها به مجلس الأمن الدولي.

وفي إطار سياسة الشد والجذب واللعب بالوقت، أعرب الرئيس أحمدي نجاد، في مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز (20 سبتمبر 2011) خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن استعداد طهران للوقف الفوري لإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب بنسبة 20% لاستهلاكها الداخلي، بشرط أن توفره لها الدول الكبرى. وأضاف نجاد أن إنتاج هذا الوقود النووي مكلف على المستوى الاقتصادي، مؤكداً أنه "إذا ما أعطونا اليورانيوم المخصب طبقا للقانون الدولي المعمول به، وفق قواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من دون شروط مسبقة، نوقف عمليات التخصيب".

وجاءت ردود فعل بعض الأطراف الدولية المعنية لتعبر بدورها عن عدم الثقة في الدعوة الإيرانية للتفاوض. من ذلك ما أعلنه الناطق باسم الخارجية الفرنسية في 5 أكتوبر 2011 على تصريح نجاد بقوله "إن ما ننتظره هو الأفعال. ننتظر أن تبدد إيران كل هواجس المجتمع الدولي". وقد عكست هذه التصريحات وغيرها الشك في دعوة إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، واعتبارها مجرد مناورة إيرانية جديدة للتحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ولكسب مزيد من الوقت.

وفي تقديرنا أنه على الرغم من ضغوط المجتمع الدولي والعقوبات المفروضة على إيران، فإنها ستظل مصممة على مواصلة برنامجها النووي لعدد من الاعتبارات، يأتي في مقدمتها ردع القوى الإقليمية والدولية التي تفكر في مهاجمتها بالسعي إلى امتلاك السلاح النووي بغض النظر عن قوته أو نوعيته، أو حتى الإيهام بامتلاكه أي "الردع بالشك". وهذا يتسق مع ما قاله أولي هاينونن في مقابلته الصحفية فائتة الذكر من أن إيران تسعى إلى أن تكون "قوة نووية افتراضية". كما أن مواصلة تطوير برنامجها النووي يعزز – في تقدير القيادة الإيرانية – من وضع إيران كقوة إقليمية عظمى. فالجمهورية الإسلامية تنظر لنفسها كقوة إقليمية عظمى، وتريد من الجميع أن يعترفوا بذلك. وتكمن خطورة استمرار الموقف الإيراني، في أنه أصبح يهدد نظام منع الانتشار النووري، ولاسيما إذا قامت دول أخرى في الشرق الأوسط أو غيرها باتباع النموذج الإيراني الذي يهدد اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية في العالم.

وإلى أن تظهر مؤشرات إيرانية جديدة تتسم بالجدية والتغيير الحقيقي في سياساتها الراهنة، فإن إيران مازالت تمارس لعبة الوقت مع المجتمع لحاجتها إليه لاستكمال مقومات طموحاتها النووية. وضمن هذا الإطار ترسم تحركاتها لمواجهة التحركات المضادة، دون تغير جوهري في استراتيجيتها النووية، أو بمعنى آخر تمارس أسلوب الحركة في المكان نفسه. وفي الحقيقة، فإن استمرار تصلب إيران في مواقفها على هذا النحو سيقودها في لحظة ما إلى منزلق سياسي خطر؛ فمازال الخيار العسكري مطروحاً على الطاولة. وحالة تدخل القوى الغربية في ليبيا ما تزال ماثلة للأذهان. والاحتمال الأسوأ أن تتصاعد المواجهة إلى مواجهة عسكرية بين إيران وقوى التحالف الدولي، أو إلى فرض إجراءات قسرية عليها كالحصار مثلاً.

ويبدو أن لدى طهران اعتقاد بأن واشنطن لا تستطيع في هذه المرحلة توفير الموارد والتأييد الكافي من أجل فتح جبهة قتال جديدة، ومازالت جبهتا أفغانستان والعراق مفتوحتين، فضلاً عن أن العالم منشغل حالياً بالأزمة المالية والاقتصادية غير المسبوقة. وعلى الرغم من ذلك، هناك من يعتقد، استناداً للسوابق التاريخية، أن شن حرب جديدة ضد إيران قد يكون هو الحل والترياق للخروج من الأزمتين الإيرانية والاقتصادية. وإلى أن يحسم الأمر وتتبلور المواقف ستظل المنطقة في مواجهة أزمة مفتوحة ومتواصلة، وتزيد من حالة عدم الاستقرار والتوتر في منطقة الخليج.

Share