أزمة البرنامج النووي الإيراني: جميع الحلول صعبة

د. كينيث كاتزمان: أزمة البرنامج النووي الإيراني... جميع الحلول صعبة

  • 24 يناير 2006

تتأرجح الأسرة الدولية على حافة أزمة كبرى بسبب طموحات إيران النووية، بينما تبدو الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم منقسمة على أمرها، ومفتقرة إلى ما يكفي من الضغط لكبح جماح إيران. من منظور إيران، فإن القدرة النووية هي الوسيلة المؤكدة الوحيدة التي تضمن لها الأمن في مواجهة قوى كبرى قامت بغزوها في عقر دارها واستغلتها وأذلتها طوال الحقب التاريخية. فالقدرة النووية تمثل "الخلاص" من حالة التعرض الدائم للخطر الذي تحس به إيران خاصة نحو القوة الأمريكية، وهو إحساس يغذيه التواجد الأمريكي العسكري المكثف في العراق والخليج وأفغانستان، الذي يشكل فعلياً طوقاً من القوة القتالية الأمريكية حول إيران.

ربما قررت إيران مواجهة الأسرة الدولية حول المسألة النووية الآن، وذلك لما تتمتع به من ثقل كبير يجنبها العقوبات أو الجزاءات المؤثرة. ففي منتصف يناير/كانون الثاني 2006، أخذ سعر برميل النفط، مرة أخرى، يتجه إلى 70 دولاراً، ليقترب من أعلى سعر تحقق مباشرة بعد إعصار كاترينا، الذي ضرب السواحل الأمريكية في أكتوبر/تشرين الأول 2005. فمع بلوغ أسعار النفط ذلك المستوى، يكاد يكون من اليقيني ألا توافق الأسرة الدولية على أي حظر على الصادرات الإيرانية. ولخشيتها إمكانية تخطي أسعار النفط حاجز المائة دولار للبرميل، فإن الأسرة الدولية ستكون أيضاً مترددة في اختبار مصداقية تهديد طهران بتخفيض صادراتها البترولية إذا فـُرض عليها المزيد من العقوبات.

من المحتمل أن تحاول الولايات المتحدة، وحلفاؤها الأوروبيون وبعض القوى الأخرى ذات الصلة بهذه المسألة مثل روسيا والصين، التوصل إلى صيغة فيها من القوة ما يكفي لتعديل السلوك الإيراني، دون استفزاز إيران للانتقام، أو دفع الشعب الإيراني إلى الالتفاف حول نظامه. ويعتقد البعض أن التوصل إلى مثل هذا الحل ممكن، وذلك لأن القادة الإيرانيين شديدو الحساسية لكل ما من شأنه إعطاء انطباع بأنهم معزولون أو يتعرضون لانتقادات عالمية موحدة. ووفقاً لهذا الرأي، فإن العقوبات الديبلوماسية كحرمان الرياضيين الإيرانيين من المشاركة في الأحداث الرياضية العالمية، أو حظر سفر بعض المسؤولين الإيرانيين إلى الخارج، يمكنها أن تدفع إيران إلى التراجع عن المضي قدماً في برنامجها النووي. ولكن إذا قبل المرء افتراض أن إيران مصممة على تحقيق امتلاكها القدرة النووية، مهما كان الثمن، فإنه يصعب في هذه الحالة تخيُّل كيف يمكن لمثل هذه الإجراءات أن تغير مخططات إيران.

هناك من يرى أن اتخاذ إجراءات أقوى؛ مثل تجميد الأصول الإيرانية في أوروبا، والحؤول دون حصول إيران على قروض دولية، وحظر مبيعات الأسلحة لإيران، أو حظر تصدير الجازولين المصفى إليها، هي وحدها الكفيلة بتعديل السلوك الإيراني. ولكن حتى هذه الإجراءات، بغض النظر عن صعوبة حصولها على إجماعٍ عالمي لفرضها، يمكن لإيران أن تفقدها فاعليتها. وتحسباً لمثل هذه الإجراءات، أعلنت إيران، في 20 يناير/كانون الثاني 2006، أنها ستسحب أصولها الحكومية من المؤسسات المالية الأوروبية وذلك في خطوة استباقية لتجميد أصولها المالية. ومن جهة أخرى، ليس من المحتمل أن يحظى أي حظر عالمي على مبيعات الأسلحة بموافقة المصدرين الرئيسين لإيران؛ وهما روسيا والصين. كما أنه ليس بالضرورة أن يؤثر هذا الحظر، في حال تنفيذه، في أهم ميزات إيران العسكرية، وهي قدرتها على شن حرب غير تقليدية؛ مثل تلغيم مضيق هرمز، أو شن هجمات بالزوارق الحربية الصغيرة على الملاحة في الخليج. ومن المؤكد أن قدرة إيران على شن هجمات إرهابية على منشآت خليجية لن تتأثر بأي حظر تقليدي على مبيعات الأسلحة، علماً بأنه مع زوال التهديد العسكري التقليدي من صدام حسين، فليس لدى إيران الكثير مما تخشاه من الدول المجاورة.

من المحتمل أن يكون لمقترح حظر تصدير الجازولين المصفى إلى إيران تأثير أقوى من غيره من المقترحات الأخرى، إذ إن إيران تفتقر إلى ما يكفي من طاقة التصفية لسدّ احتياجاتها المحلية من الجازولين، مما جعلها تستورد ما قيمته نحو 4 مليارات دولار سنوياً من الجازولين المصفى. ولذا فإن تطبيق الحظر على مثل هذه الصادرات سيكون له تأثير فوري وكبير على المستهلكين الإيرانيين، ويكاد يكون يقيناً أن تضطر إيران لرفع أسعار الجازولين (وهي متدنية على نحو غير طبيعي) لتقليل الطلب. ولكن، من المحتمل أن ينحي معظم الإيرانيين باللائمة في معاناتهم على المجتمع الدولي وليس على الحكومة الإيرانية، مما يخفف كثيراً من آثار الإجراءات الجزائية. لقد ظل كثير من الاقتصاديين الإيرانيين يقولون لسنوات عديدة، وقبل أن توضع العقوبات الدولية في الحسبان، إن الحكومة الإيرانية يجب عليها تخفيض أو رفع الدعم عن مشترياتها المحلية من الجازولين، وتعويم أسعار الجازولين لكي تقارب مستوياتها العالمية. وفي المدى الطويل من المحتمل أن تعثر إيران على موردين لمساعدتها في تجديد وتوسيع طاقة مصافيها لزيادة الطاقة الإنتاجية المحلية.

وفي حال فشل جميع الجهود الديبلوماسية والعقوبات الدولية في إِثناء إيران عن عزمها المضي قدماً في خطها الحالي، فمن المحتمل أن ترتفع مرة ثانية نغمة النقاش داخل الحكومة الأمريكية حول عمل عسكري محدود ضد إيران. ونظراً للتجربة الصعبة التي مرت بها الحكومة الأمريكية في العراق خلال السنوات الثلاث الماضية، فليس من المحتمل التفكير في عملية قتالية برية شاملة للإطاحة بالنظام الإيراني، ولكن من المرجح جداً أن تـُؤخذ في الاعتبار ضربات جوية وصاروخية ضد منشآت إيران النووية.

خيار الضربة العسكرية يروق كثيراً لصناع السياسة الأمريكية الذين لا يريدون لإيران أن تتمكن من امتلاك قدرات لإنتاج أسلحة نووية، كما لا يريدون أن يتركوا لحلفاء الولايات المتحدة أو غيرها من الدول حرية اتخاذ القرار حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه البرنامج الإيراني. ويتضمن هذا الخيار الأمل القوي الوحيد في تعطيل البرنامج النووي الإيراني، ربما لوقت غير محدد، وربما لفترة تكفي لتجاوز عمر النظام الحالي.

وعلى أية حال، فإن الضربات العسكرية تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ يبدو من المؤكد أن ترد إيران الضربة، ولن يكون ردها لمرة واحدة فقط، ولكن من المحتمل أن تستمر في الرد لفترة طويلة. وكذلك من المحتمل ألا تكتفي إيران بأن تحاول فقط أن "تقلب" سوق النفط العالمية ضد الولايات المتحدة، ولكن يرجح أن تحاول الثأر من القوات والمنشآت الأمريكية في الخليج، بل ربما تحاول النيل من الولايات المتحدة في عقر دارها. ستحاول إيران تحقيق الفائدة القصوى من حلفائها في العراق وأفغانستان، في حين يسيطر المقربون منها سيطرة واضحة على الحكومة في العراق، لإحباط أو إعاقة تنفيذ سياسات الولايات المتحدة في المنطقة. ومن المحتمل أن تؤدي مثل هذه الأفعال الإيرانية إلى عمل أمريكي مضاد يفضي إلى تأجيج نيران حرب أمريكية-إيرانية واسعة النطاق في الخليج، رغم أن غزواً برياً أمريكياً لإيران سيظل شيئاً غير محتمل.

ليس من الواضح تماماً مدى قدرة الضربات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية على تحقيق الغرض المأمول. إذ إن تلك الضربات يمكنها تدمير البنيات التحتية المادية وليس القدرات الفكرية. ويبدو من المؤكد أن إيران ستكون بمرور الوقت قادرة على التوصل إلى قدرات تصنيع السلاح النووي باتخاذ المزيد من التدابير السرية ووضع تقنيتها في أماكن يصعب الوصول إليها. أما السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على مقاومة التحركات الإيرانية بفاعلية من خلال تقنيات عسكرية متطورة وتكرار الضربات والعمليات الخاصة فهو سؤال ينتظر الإجابة.

خلاصة هذا التحليل أن هناك القليل من الخيارات الواضحة المطروحة للتعامل مع التحدي النووي الإيراني. ومما يزيد الأمر صعوبة أن التجارب السابقة توضح أن أي دولة مصممة على امتلاك قدرة نووية ربما يمكنها تحقيق ذلك، وأن إيران تمتلك وسائل أكثر مما تمتلكه دول أخرى كثيرة لمجابهة الأسرة الدولية. ومع إدراك الصعوبة في منع إيران من تحقيق أهدافها النووية، ربما يكون الاستراتيجيون الأمريكيون في حاجة إلى البدء في وضع تصور لكيفية مواجهة إيران المسلحة نووياً، وربما يكون ذلك عبر اتخاذ استراتيجيات الردع التي نجحت بشكل جيد في مواجهة الخطر السوفييتي.

Share