أزمة الاقتصاد العالمي مجدداً

  • 12 مارس 2016

يبدو أن الاقتصاد العالمي مازالت تنتظره الكثير من الصعاب في المستقبل، وأن ما بدا عليه من مظاهر تعافي خلال الفترة الماضية لا يتعدى كونه تحسن نسبي عما كانت عليه الأوضاع في بدايات الأزمة المالية العالمية، وليس خروجاً كلياً أو حقيقياً من الأزمة. بل إن هناك الكثير من المخاطر التي تحيق بمسيرة الاقتصاد العالمي، وقد تدفعه إلى حالة من الانهيار التام في حال لم تتخذ الحكومات الإجراءات اللازمة، وفي حال عدم استعدادها لتبني خطوات حقيقة تجاه تحفيز اقتصاداتها الوطنية بشكل أكثر فاعلية واستدامة، وهذا الأمر يصدق بشكل كبير على الدول ذات الاقتصادات الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وألمانيا.

وقد جاءت التحذيرات التي أطلقها «صندوق النقد الدولي»، خلال الأيام الماضية، من إمكانية حدوث انهيار اقتصادي عالمي في المستقبل، وتحذيره كذلك من مخاطر السياسات الخاطئة التي تلجأ إليها بعض الحكومات، لتلفت الانتباه بشدة إلى حساسية المرحلة التي يمر بها الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن، حيث قال الصندوق عبر نائب مديره العام «إن هناك مخاوف من أن يكون صناع السياسات في العالم استنفدوا خيارات دعم الاقتصاد أو فقدوا الإرادة للقيام بذلك»، وهذا التحذير يؤكد أن الاقتصاد العالمي يعاني الآن عيوباً هيكلية حقيقية، وأنه يعاني كذلك عدم وجود السياسات الكفيلة بتخليصه من هذه العيوب، وأن الحكومات غير قادرة على تبني سياسات وإجراءات تحفيزية أكثر فاعلية، برغم أن السياسات والإجراءات التي اتبعتها خلال السنوات الماضية، أثبت التطورات أنها غير صالحة لتحقيق ما هو منشود منها أو غير كافية على أقل تقدير.

يحتاج الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن إلى تبني سياسات مالية ونقدية أكثر جرأة، وأكثر كفاءة، وقادرة على التمييز بين القطاعات التي من شأن تحفيزها النهوض بالأداء الاقتصادي الكلي بشكل حقيقي، وليس فقط إحداث تحسن نسبي مؤقت في مؤشرات الأداء، فالمهم في هذه المرحلة أن يعود القطاع الصناعي العالمي إلى النمو بمعدلات كبيرة ولفترات زمنية طويلة، وأن يعود المستثمرون إلى الإنفاق على المشروعات الحقيقية، من دون التركيز على الاستثمارات المالية والنقدية، ومن دون الانصراف إلى ضخ الأموال والاستثمارات في أسواق المال وأسواق العملات، أو الاقتصار على ادخار الأموال عبر اللجوء إلى الذهب والملاذات الآمنة الأخرى. فالاقتصاد العالمي يحتاج إلى تسجيل معدلات نمو حقيقية وسريعة ومضطردة، لكي يكون قادراً على توليد فرص عمل بأعداد كافية لاستيعاب أرصدة البطالة المتراكمة، وتحسين مستويات المعيشة في الدول النامية والصاعدة، وتعزيز الطلب الكلي على السلع والخدمات والمنتجات الاستهلاكية كافة، إلى غير ذلك من المتغيرات التي تعكس التعافي الحقيقي في أداء الاقتصاد العالمي، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة للنمو.

وفي حال لم تقم الحكومات بشيء، فإن الاقتصاد العالمي سيكون معرضاً لانهيار تام، وليس مجرد التراجع في معدلات النمو فقط، بل إن الانكماش والركود المزمن سيكون هو مصيره، الأمر الذي سيطال جميع دول العالم، ويعيد الاقتصاد العالمي إلى المربع الأول في رقعة الأزمة، حيث تتزايد المخاطر وتضطرب الأسواق المالية وتزداد أسعار السلع الأولية انخفاضاً. ولكي تتمكن الحكومات من إنقاذه من هذا المصير، عليها أن تفكر في المستقبل بطريقة غير تقليدية. وكما قال صندوق النقد الدولي فإن السياسة المالية، المتجسدة في زيادة الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب، والسياسة النقدية الذكية، يجب أن تتصدر السياسات الاقتصادية، مع الأخذ في الاعتبار أن العبء يقع في الأساس على كاهل دول الاقتصادات المتقدمة والكبرى، وجميع الاقتصادات التي لديها متسع للمناورة المالية والنقدية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات