أربعون عاماً من عمر الاتحاد ترسخ ثقتنا بالمستقبل

  • 29 نوفمبر 2011

فيما نترقب الاحتفاء بحلول العيد الوطني لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وبمناسبة مرور أربعين عاماً على مسيرة الاتحاد، يملؤنا الفخر بالانتماء إلى هذا الوطن المعطاء وبالإنجازات الكبيرة التي يحققها في ظل القيادة الرشيدة. ومن المفيد هنا أن ننظر إلى الماضي لنستفيد من هذه التجربة الحضارية الغنية التي حققت لشعب الإمارات نهضةً تنموية كبيرة في كافة المجالات، وذلك كي نتمكن من متابعة السير بخطى واثقة، ومواجهة التحديات التي ينطوي عليها المستقبل بعزيمة قوية وثقة كبيرة. 

وإذ نذكر كيف قام الوالد المؤسس، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وإخوانه حكام الإمارات بتوحيد الكلمة ولم الشمل، وفي ضوء المكانة المرموقة التي تحظى بها اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة في المجتمع الدولي، نرى أن التعاون والتآزر وبناء جسور الصداقة والتواصل تشكل ثروةً لا تفنى ولا تنضب بمرور الزمن، ولاسيما أن هذا النهج قد تكرّس واستمر بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله؛ وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات؛ وبالجهود اللامحدودة للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ومنذ تأسيس الدولة، تم استغلال الثروة الهيدروكربونية من أجل إرساء البنية التحتية والمؤسسية الكفيلة ببناء دولة عصرية. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الموارد المالية لا تقتصر على كونها عنصراً مساعداً وأن عزيمة الإنسان هي الأهم. ففي مرحلة البدايات، كانت الموارد النفطية ضئيلة مع تصدير أول شحنة من النفط الخام من أبوظبي في عام 1962، ومع قيام دولة الاتحاد وبعد اكتشاف المزيد من المكامن البرية والبحرية في أبوظبي ودبي والشارقة، كانت الرؤية تكبر والطموحات تزداد لتنطلق مشاريع بناء المساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات الطرق والمصانع والمطارات والموانئ، ويعمّ الخير والازدهار في كافة أنحاء البلاد. وبفضل السياسة الحكيمة وحسن استثمار الثروات الطبيعية، حققت دولة الإمارات الكثير من المنجزات الحضارية، وقطعت خطوات عملاقة مقارنة بعمرها الفتي، حيث كان التركيز دوماً على استراتيجية التنمية الشاملة لتوفير كافة مستلزمات الرفاهة للمواطن الإماراتي.

وإذا أخذنا الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً لتقييم حجم الإنجاز، يتبين أنه في العام 1971 الذي شهد تأسيس الاتحاد، كان الناتج المحلي الإجمالي للإمارات نحو 6,5 مليار درهم، فيما أشار أحدث تقرير اقتصادي لإمارة أبوظبي إلى أن قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات في عام 2010 بلغت 977,3 مليار درهم، أي إنه تضاعف بنحو 150 مرة، وذلك مع زيادة مطردة في مساهمة الموارد غير النفطية في الاقتصاد.    

وتتميز مسيرة التنمية والتطوير التي شهدتها دولة الإمارات بنظرة مستقبلية بعيدة المدى لا تقتصر على تلبية الاحتياجات الآنية، وإنما تأخذ في الاعتبار مواكبة النمو المستقبلي في أعداد السكان ومتطلباتهم. وعلى الرغم من أن مصطلح التنمية المستدامة يعد حديثاً، إذ تم تعريفه رسمياً للمرة الأولى في تقرير أصدرته الأمم المتحدة في عام 1987 على أنها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تلبي متطلبات الحاضر دون المساس بقدرة أجيال المستقبل على تلبية احتياجاتها، فإن المغفور له، الشيخ زايد، أدرك بفطرته أن الموارد الطبيعية الحالية لن تدوم للأبد، وكان يحرص دوماً على التوجيه بتنويع مصادر الدخل وبناء المشاريع الاقتصادية التي تؤمن الحياة الكريمة لأبناء الوطن، مع الاهتمام بالمحافظة على الطبيعة والبيئة لضمان احتياجات أجيال المستقبل. وبذلك أرسى، رحمه الله، أسس التنمية المستدامة من خلال الممارسة العملية حتى قبل أن تصبح مصطلحاً يكثر تداوله. وتقديراً للجهود التي بذلها في مجال الحفاظ على البيئة وحماية الحياة البرية، كان أول رئيس دولة ينال جائزة بيئية عالمية، حيث حصل على جائزة الباندا الذهبية من الصندوق العالمي لصون الطبيعة.

واليوم، يجري الانتقال من مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة التمكين. حيث تم إرساء ركائز صلبة لشراكةٍ فاعلة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز التكامل الاستراتيجي بين الشركات لضمان توفير خدماتٍ ومشاريع عالمية المستوى، الأمر الذي ساهم بحيوية في تطوير الاقتصاد وأتاح المنافسة بقوة في الأسواق الإقليمية والعالمية. واستقطب هذا النمو الملايين من مختلف أنحاء العالم الذين جاؤوا ليسهموا في قصة النجاح التي تسطرها دولة الإمارات بأحرف من نور في سجل التاريخ. 

وبما أن الطاقة تعد عنصراً حيوياً لكافة أوجه النشاط الاقتصادي والصناعي والتجاري والاجتماعي، ورغم أن دولة الإمارات تمتلك مخزوناً كبيراً من الموارد الهيدروكربونية، فإن استمرار تأمين إمدادات الطاقة لتحقيق التنمية المستدامة والوفاء باحتياجات المستقبل يقتضي العمل من الآن لمواكبة النمو المتوقع وتوفير الحلول المنشودة. وفي ظل شح مصادر المياه العذبة في منطقة الخليج العربي وضرورة الاعتماد على الطاقة لتحلية المياه، تزداد أهمية ضمان أمن الطاقة بصفتها العمود الفقري لمواكبة الاحتياجات التي تفرضها معدلات النمو السكاني. ونظراً لاعتماد غالبية أنظمة توليد الطاقة في العالم على الموارد الهيدروكربونية، فإن الانتقال إلى مصادر جديدة لن يكون عملية سريعة، وربما يحتاج الأمر إلى عشرات السنين لإتمام التحول اللازم. لذا، كان الحل النموذجي هو الاعتماد على مزيج متنوع من المصادر يشمل الطاقة التقليدية مع تعزيز التقنيات النظيفة لاستخدامها، والطاقة النووية السلمية والآمنة لتكون بمنزلة  الجسر الذي يوفر إمدادات مستقرة من الكهرباء بتكلفة اقتصادية مجدية، إضافة إلى تطوير مختلف مصادر الطاقة المتجددة كطاقة الشمس والرياح والمياه والوقود الحيوي وغيرها.

وفي هذا الإطار، وبفضل التوجيهات السديدة للقيادة الرشيدة والمتابعة الحثيثة للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تم تأسيس "مصدر" في عام 2006 كمبادرة استراتيجية متعددة الأوجه مملوكة بالكامل  لشركة مبادلة، وذلك بهدف تطوير حلول الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة وتطبيقها، وذلك ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى دعم الاقتصاد الوطني عبر تنويع مصادر الدخل، والانتقال إلى اقتصاد المعرفة، والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

وتعمل "مصدر" من خلال منهجية متكاملة تغطي كافة مراحل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة المتجددة، بما في ذلك التعليم والأبحاث والتطوير، والاستثمار في التقنيات النظيفة، وتنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى بناء مدينة مستقبلية تكون مركزاً عالمياً للشركات الرائدة في القطاع.

ومع أنها مبادرة استراتيجية بعيدة المدى، نجحت "مصدر" خلال السنوات الخمس التي انقضت على تأسيسها في تحقيق مجموعة من الإنجازات، بما فيها المساهمة بفوز دولة الإمارات العربية المتحدة باستضافة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "آيرينا" التي تهدف إلى تعزيز انتشار استخدام حلول الطاقة المتجددة، وتعد هذه أول مرةٍ تتخذ فيها منظمة دولية مقرها في المنطقة، والذي ستستضيفه مدينة مصدر فور إنجاز مبنى المقر المرتقب إتمامه في نهاية عام 2013. وما كان هذا الفوز ممكناً لولا إدراك المجتمع الدولي لجدية التزام دولة الإمارات إزاء الطاقة المتجددة، والذي تجلى من خلال العرض الذي قدمته وأقنع العالم بجدوى التعامل معها في ميدان استراتيجي وحيوي.

وجدير بنا هنا إلقاء الضوء على أهمية العلاقات الوطيدة مع المجتمع الدولي، فخلال الحملة التي قادها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، لحشد التأييد الدولي من أجل استضافة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، كنا نحظى بآذان صاغية وقلوب مفتوحة حيثما ذهبنا؛ إذ كان الجميع يرحب بنا مشيداً بالسمعة الطيبة لدولة الإمارات والشيخ زايد، حيث ساهم ذلك في تسهيل مهمتنا وتكليلها بالنجاح. 

وتنفذ "مصدر" مجموعة من المشاريع المحلية والعالمية للمساهمة في تطوير القدرات في مجال الطاقة المتجددة، بما في ذلك محطة الألواح الكهروضوئية باستطاعة 10 ميجاواط في مدينة مصدر التي تعمل بكامل طاقتها منذ أكثر من عامين. ويجري العمل وفق الجدول الزمني المحدد لبناء محطة "شمس 1" للطاقة الشمسية المركزة في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي بطاقة إنتاجية مستهدفة قدرها 100 ميجاواط.

وفي ضوء توفير كافة الإمكانيات لمجتمع الباحثين والخبراء والكوادر المتخصصة، أصبحت "مصدر" مؤسسة مرجعية في قطاع الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة، وعقدت شراكات علمية مع مؤسسات رائدة في هذا المجال، كما تقدم الخبرة والمشورة العلمية للدول التي تسعى إلى تنويع مصادرها من الطاقة.

وعلى المستوى العالمي، تشارك "مصدر" في مشاريع تجارية لتوليد الطاقة المتجددة، حيث ساهمت في تنفيذ محطة "خيماسولار" للطاقة الشمسية المركزة التي تم افتتاحها مؤخراً في إسبانيا، والتي تستخدم تقنية متطورة تتيح توليد الكهرباء لمدة 15 ساعة بعد غياب الشمس. ويستمر العمل على مجموعة من المشاريع العالمية، بما فيها "فالي 1" و"فالي 2" في إسبانيا، ومشروع "مصفوفة لندن" لطاقة الرياح البحرية في المملكة المتحدة. كما تعمل "مصدر" مع شركائها لاستخدام التقنيات النظيفة من أجل خفض انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري من المنشآت الصناعية، وذلك من خلال مجموعة من المشاريع داخل الدولة وخارجها.

وتماشياً مع توجيهات القيادة الحكيمة، تركز "مصدر" على تمكين قدرات جيل الشباب من أبناء الدولة وبناتها، وإكسابهم أفضل المهارات والكفاءات التي تتيح لهم الانخراط في العمل لخدمة الوطن في المجالات المتقدمة، وذلك من خلال "معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا" الذي يعد أول جامعة على مستوى المنطقة تركز كلياً على الأبحاث في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والاستدامة، حيث شهد العام الحالي تخريج الدفعة الأولى من الطلاب. 

ولا تقتصر جهود "مصدر" على الجانب العملي لتطوير المشاريع؛ لأنها تشارك بنشاط في الحوار العالمي بشأن حلول الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والتصدي لتداعيات تغير المناخ. وتستضيف "مصدر" سنوياً في أبوظبي معرض ومؤتمر "القمة العالمية لطاقة المستقبل"، التي تستعد الآن لانعقاد دورتها الخامسة في يناير 2012، حيث تستقطب في كل عام مجموعة من قادة العالم وصناع القرار ورؤساء الشركات والخبراء والأكاديميين لمناقشة الحلول والسياسات والتشريعات التي تسهم في نمو القطاع وتطوره. وإلى جانب استضافة "آيرينا" واجتماعات الدول الأعضاء فيها، تسهم "القمة العالمية لطاقة المستقبل" في تكريس مكانة أبوظبي كعاصمة عالمية للطاقة المتجددة.

وبهدف تشجيع وحفز الابتكارات والحلول ذات الأثر الملموس في المساعدة على التصدي لتحديات الطاقة، أعلن الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في عام 2008 عن إنشاء "جائزة زايد لطاقة المستقبل"؛ وذلك تخليداً لإرث الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، والجهود الكبيرة التي بذلها لإرساء أسس التنمية المستدامة والمحافظة على الموارد الطبيعية لأجيال الغد. وتهدف الجائزة، التي تم تكليف "مصدر" بإدارتها، إلى تحفيز أصحاب الابتكارات والحلول المتقدمة في مجال طاقة المستقبل في مختلف أنحاء العالم وتكريمهم.

إن "مصدر" تعد نموذجاً للسياسة الحكيمة التي تنتهجها قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة لبناء القدرات التي من شأنها ضمان تنافسية دولتنا الفتية وترسيخ مكانتها المتقدمة في الأسواق العالمية. وإذ نفخر جميعاً بالنهضة الكبيرة التي حققتها دولة الإمارات في مختلف الجوانب، فإننا ندرك أن المحافظة على النجاح تمثل تحدياً يضاهي الجهود المبذولة لتحقيقه، وأن أفضل رسالة ولاءٍ يمكننا تقديمها للوطن هي مواصلة السير على نهج القيادة الرشيدة والعمل بجد وإخلاص لضمان استمرار الازدهار في ظل دولة الاتحاد.

Share