أداء أسواق النفط العالمية في عام 2011 وتوقعات عام 2012

  • 15 يناير 2012

واجهت صناعة النفط العالمية تحديات عدة؛ سياسية واقتصادية، خلال عام 2011، من أهمها انقطاع الإمدادات النفطية لبعض الدول العربية التي شهدت تغيرات سياسية في إطار ما عرف باسم "الربيع العربي"، ولاسيما ليبيا، وتصاعد الأزمة السياسية بين الدول الغربية وإيران على خلفية البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل، إضافة إلى الأزمة المالية العالمية التي ضربت العديد من الاقتصاديات الكبرى، ولاسيما في منطقة اليورو. وبفضل التعاون المستمر بين كبار الدول المصدرة والمستهلكة، تم تعويض الأسواق بالنقص الذي طرأ على الإمدادات، ولاسيما تلك الآتية من ليبيا، فقد استطاعت  السعودية والإمارات والكويت زيادة الإنتاج للتعويض عن النقص في النفط الليبي، بل إن السعودية بادرت بتزويد الأسواق بأصناف من النفط شبيهة بالنفط الليبي الخفيف، ومع ذلك فقد بقيت انعكاسات هذه التطورات ماثلة في ارتفاع النطاق السعري إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، كما كان لها انعكاسات حادة داخل منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك)؛ حيث انتهى الاجتماع الوزاري في حزيران/يونيو 2011 من دون اتخاذ أي قرار، بسبب اتساع حدة الخلافات بين أعضاء المنظمة حول مستوى إنتاج المنظمة ككل أو حصة كل دولة عضو، الأمر الذي أتاح المجال لكل دولة لتحديد حجم الإنتاج الخاص بها حسب حجم الطلب على نفطها ورؤيتها لحجم الإنتاج ومستويات الأسعار.

لقد كانت المشكلة الأهم في الأسواق خلال عام 2011 هي كيفية تعويض إنتاج النفط الليبي الخفيف والمرغوب جداً في الأسواق الأوروبية، وخصوصاً في ألمانيا. فقد انخفض إنتاج النفط الليبي بسبب الثورة، من نحو 1.6 مليون برميل يومياً، إلى نحو 300 ألف برميل يومياً في بعض الأحيان، وتوقفت الصادرات في معظم فترة الثورة بسبب المعارك العسكرية على طوال الساحل الليبي، والتي طالت موانئ التصدير وألحقت أضراراً ببعضها، ناهيك عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأرضية في بعض الحقول المهمة. غير أن ليبيا استطاعت زيادة الإنتاج إلى نحو مليون برميل يومياً قبل نهاية عام 2011، وهي تخطط للعودة إلى المستوى السابق (1.6 مليون برميل يومياً) خلال منتصف عام 2012.

وتتمثل السمة الثانية المهمة التي ميزت أسواق النفط العالمية خلال عام 2011 في استمرار ارتفاع الطلب على النفط الخام (وإن بمعدلات ضئيلة) رغم الأزمات الاقتصادية التي لحقت بكل من الولايات المتحدة (أزمة القروض السكنية وارتفاع معدلات البطالة) ودول الاتحاد الأوروبي ( الديون السيادية وأزمة عملة اليورو). لكن الذي ساعد على استمرار الطلب على النفط هو النمو الاقتصادي المستديم في الدول الناشئة (الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية)، مما أعطى زخما واسعاً لصناعة النفط، وأنقذها من الوقوع هي أيضاً في براثن الأزمة الاقتصادية العالمية.

لقد أدى هذا النمو في الطلب على النفط إلى استمرار الثقة في الصناعة النفطية وزيادة الاستثمارات فيها؛ إذ تشير معلومات بنك باركليز، المبنية على استقصاء نحو 350 شركة نفطية خلال العام، إلى بلوغ معدل الاستثمارات التي تم تخصيصها خلال هذا العام إلى نحو 598 بليون دولار، وهو رقم قياسي، بالذات إذا تمت مقارنته بالرقم السابق البالغ 544 بليون دولار، الذي سُجل خلال عام 2010.

من ناحية أخرى، سجل عام 2011، ولوج النفط والغاز الحجري الأسواق العالمية. وعلى الرغم من أن البحوث في هذا المجال كانت قد بدأت منذ سنوات عدة سابقة، فإن النجاح في إنتاج هذين النوعين من الوقود غير التقليدي، قد تم فعلا خلال عام 2011، وبالذات في الولايات المتحدة. وبالفعل، بدأت الولايات المتحدة بتصدير الغاز المسيل، بدلاً من استيراده سابقاً، لأول مرة في تاريخها خلال عام 2011. وشكل الغاز غير التقليدي نحو ثلث إنتاج الغاز الأمريكي خلال عام 2011. أما النفط الحجري (غير التقليدي)، فقد بلغ إنتاجه نحو 350 ألف برميل يومياً خلال عام 2011. ومن الجدير بالذكر، أن دولاً عدة تحاول إنتاج النفط والغاز من الصخر الحجري، ولاسيما الصين (ثاني أكبر دولة مستهلكة للبترول في العالم)، رغم تحذيرات جماعات البيئة من التأثيرات السلبية المحتملة على أحواض المياه الجوفية، نتيجة استعمال الكيماويات مع المياه في تكسير الأحجار.

استمرت الصناعة النفطية في مواجهة تحد مهم خلال عام 2011، تمثل في اهتمام الرأي العام العالمي المتزايد وحكومات الدول الصناعية الغربية، بضرورة تقليص ظاهرة الانبعاثات الحرارية وتحسين البيئة؛ حيث يتم إلقاء مسؤولية التدهور المناخي على الوقود الإحفوري (النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم الحجري). وقد توصل مؤتمر الأمم المتحدة خلال الأيام الأخيرة من العام في اجتماعه في دربان، جنوب إفريقيا، إلى خطوة مهمة؛ إذ وافقت بعض الدول الكبرى، على المعاهدات البيئية التي كانت ترفض الموافقة عليها سابقاً. وتنبع أهمية موافقة هذه الدول من كونها تعد الأكثر استعمالاً للفحم الحجري المتوفر محليا لديها في توليد الكهرباء، الأمر الذي يعزز الجهود المبذولة لتقليص مخاطر ظاهرة الاحتباس الحراري.

وفيما يتعلق بتوقعات المستقبل، يلاحظ أن أسواق النفط العالمية استقبلت العام 2012 بالسجال الإيراني- الغربي حول حرية الملاحة في مضيق هرمز (حيث يعبر نحو 17 مليون برميل يومياً من النفط الخام إلى الأسواق العالمية) والخليج العربي. هذا السجال الذي تصاعد إثر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، والذي اتهم إيران بتطوير برنامج نووي متقدم وخفي للتسلح النووي، الأمر الذي دفع الدول الغربية (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد إيران، أهمها: عدم التعامل مع البنك المركزي الإيراني والمؤسسات المالية الإيرانية. ومن شأن هذا الإجراء أن يمنع أي شركة تشتري النفط الإيراني، سواء أكانت أمريكية أم غير أمريكية، من العمل أو التواجد في الأسواق الأمريكية (المصارف والبورصات)، والمبدأ ذاته ينطبق على قرار دول الاتحاد الأوروبي. كما قررت بعض هذه الدول وقف استيراد النفط الإيراني، أو تصدير معدات وخدمات نفطية لإيران (أوقفت الولايات المتحدة شراءها للنفط الإيراني منذ عقد الثمانينات، كما أنها لا تصدر أي خدمات أو مواد صناعية للإنتاج إلى إيران). والهدف الأساسي من هذه العقوبات هو الضغط على إيران لكي تتوقف عن برنامجها النووي. 

ورغم أن هذا السجال بين إيران والغرب أدى إلى تخوف الأسواق من احتمال تأثر إمدادات النفط، فإن هذه التخوفات سرعان ما هدأت مع إعلان دول رئيسية منتجة للنفط قدرتها على تعويض أي نقص ينتج عن توقف إمدادات النفط الإيراني، ومع إعلان الدول الغربية أنها لن تتسامح مع أي تحرك لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد حرية الملاحة فيه. والسيناريو المتوقع في تصوري هو استمرار الغرب في تصعيد عقوباته، ولاسيما النفطية، على إيران لوقف برنامجها النووي، خاصة بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن هذه العقوبات بدأت تجدي نفعاً في تعريض الاقتصاد الإيراني للخطر، من دون أن يعني ذلك استبعاد السيناريو العسكري، ولاسيما إذا أقدمت إيران على تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز.

ومن المتوقع أن نشهد خلال عام 2012، تزايد الاهتمام بالنفط والغاز الحجري؛ لأن شركات عالمية كبرى أخذت توليه الاهتمام الواسع وتستثمر عشرات البلايين من الدولارات في هذه الصناعة، بدلاً من الاهتمام السابق للشركات الصغيرة فيه. في المقابل هناك مخاوف وقيود تتعلق بالآثار البيئية السلبية لاستخراج النفط والغاز الحجري، بالذات على المياه الجوفية، والقوانين والأنظمة المتشددة التي بدأت تفرض على استخراجه من جانب بعض الدول والولايات، كما هو الحال في ولاية نيويورك. وسيشكل الصراع بين هذين التيارين (الشركات النفطية المعنية، التي ترغب في استثمار الاحتياطات الضخمة المتطورة وكميات النفط والغاز الممكن استخراجها من جهة، والخوف عند المسؤولين من تلويث المياه الصالحة للشرب) مدى التطور الذي سيشهده هذا المجال.

أخيرا، وليس آخراً، نتوقع ازدياداً ملحوظاً في اكتشاف الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهذه الظاهرة الجديدة، لها انعكاسات اقتصادية ملحوظة على دول المنطقة، كما لها انعكاسات جيوسياسية مهمة، نظرا للخلافات الحدودية البحرية في المنطقة، وما سيعنيه وجود إسرائيل على قائمة الدول المصدرة للغاز الطبيعي.

Share