أخلاقيات الاقتصاد: مسؤولية المؤسسات المالية في تخفيف أعباء الديون

  • 19 أبريل 2020

تأتي دعوة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، يوم الأحد الماضي، إلى الدول الغنية تخطي «أي أنانية» تجاه الدول الفقيرة، في عالم «يعاني تحت وطأة الوباء العالمي الذي يشكل محنة كبرى للعائلة البشرية الواسعة»، وحثّه على التضامن الدولي «من خلال خفض، إن لم يكن إلغاء، الديون التي تلقي بثقلها على ميزانيات الدول الأكثر فقراً»، لتظهر دور رجال الدين الحقيقية وغيرهم، في استعادة روح التضامن العالمي في أثناء الأزمات والكوارث. وانسجاماً مع هذه الدعوة، ودعوات أخرى صدرت سابقاً عن دول ومؤسسات، أعلن صندوق النقد الدولي مؤخراً تقديم تخفيف فوري لخدمة ديون 25 دولة عضواً بموجب صندوقه الائتماني المخصص لاحتواء الكوارث، لتمكينها من تركيز استخدام مواردها الشحيحة، في التصدي لتداعيات كورونا. وقالت كريستالينا غورغيفا، المديرة التنفيذية للصندوق إنه تمت الموافقة «على المجموعة الأولى من الدول التي ستحصل على منح لتغطية التزامات خدمة ديونها المستحقة لصندوق النقد لفترة مبدئية 6 أشهر»، وهذه الدول هي: أفغانستان، وبنين، وبوركينا فاسو، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وتشاد، وجزر القمر، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغامبيا، وغينيا، وغينيا-بيساو، وهايتي، وليبيريا، ومدغشقر، ومالاوي، ومالي، وموزامبيق، ونيبال، والنيجر، ورواندا، وساو تومي، وبرينسيب، وسيراليون، وجزر سولومون، وطاجيكستان، وتوغو، واليمن.
وعلى صعيد متصل، قال بنك التنمية الآسيوي إنه يتجه إلى رصد حزمة بقيمة 20 مليار دولار لمساعدة الدول النامية المنضوية فيه على مواجهة تداعيات كورونا؛ ما يشير إلى انتباه هذه المؤسسة إلى الآثار التي خلفتها سياسات الإغلاق على الاقتصادات الوطنية للدول، التي تسببت بتوقف الأعمال الصناعية والتجارية؛ نظراً لالتزام السكان منازلهم. فبحسب رئيس البنك، ماساتسوغو أساكاوا، سيتم تقديم نحو 13 مليار دولار قروضاً لمساعدة الدول النامية المنضوية في البنك، التي تأثرت بالفيروس على سد النقص في موازناتها، بينما خصص نحو ملياري دولار للقطاع الخاص.
«التنمية الآسيوي» الذي تأسس عام 1966، بصفته مؤسسة مالية تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في منطقة آسيا والمحيط الهادي، من خلال توفير القروض والمنح والمساعدات التقنية والاستثمار، ويضم في عضويته 67 دولة، تنتمي 48 منها إلى آسيا والمحيط الهادي، في حين تقع بقية الدول في أوروبا (18 دولة) وأمريكا الشمالية (دولة واحدة هي كندا)، قال في وقت سابق إن «الوباء قد يكلّف الاقتصاد العالمي 4.1 تريليون دولار»؛ وهو ما يفسر اهتمامه بدعم دوله انطلاقاً من تركيز أعماله على القطاعات التنموية الحيوية، كالبنى التحتية، والتنمية الحضرية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصال، والبيئة، والتعليم، إلى جانب بعض الاهتمام بالصحة والزراعة والموارد الطبيعية، وغيرها.
لقد أشارت آخر إحصائيات صدرت في إبريل الجاري عن معهد التمويل الدولي، إلى أن الديون العالمية شهدت قفزة بنحو 10.8 تريليون دولار لتتجاوز 255 تريليون دولار في نهاية العام الماضي، حيث تُشكل هذه الديون نحو 322% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبحسب المعهد، شهدت الأرجنتين وتركيا وتشيلي وكولومبيا أكثر تراكم حدة في ديون العملات الأجنبية منذ عام 2009. كما أن الولايات المتحدة والصين تُشكلان أكثر من نصف الزيادة في الديون في العقد السابق، متوقعاً المعهد تزايد أعباء الديون العالمية بشكل حاد خلال العام الجاري، استجابة لتداعيات كورونا.
إن تلك البيانات كلها تنبئ بأهمية القرارات الخاصة بتأجيل أو إلغاء الديون عن الدول الأكثر فقراً ومديونية؛ لتمكينها من مواجهة آثار كورونا، وخاصة أن هذا الوباء تسبب في تحديات اقتصادية، تشير التوقعات إلى أنها ستسبب انكماشاً وركوداً اقتصادياً عالميين، نتيجة تراجع أرباح الشركات، وتزايد البطالة الناجمة عن فقدان الوظائف، وفاقمت أعباء خدمة الديون على الشركات والأسر، وغير ذلك؛ الأمر الذي يستدعي من الدول والمؤسسات المانحة إتاحة تخفيف خدمات الديون لفترات تصل إلى 3 أعوام للدول الأكثر فقراً والأكثر ضعفاً في تغطية التزاماتها، بوصفها تواجه الآن أخطاراً متعددة على أنظمتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
تخفيف أعباء الديون في أوقات الأزمات إحدى أهم القواعد الأخلاقية التي تتبعها الأنظمة الاقتصادية القوية، سواء أكانت دولاً أو مؤسسات مالية، وإن كان يتنافى ذلك مع مبدأ الربحية، فإنه يعدّ قيمة مهمة، وممارسة ضرورية في باب تأصيل الثقة بالدول والمؤسسات الدائنة، وتعزيز مبدأ التضامن الإنساني.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات