أحوال العرب بين قمتين

  • 28 مارس 2006

ربما تكون إحدى العلامات الفارقة في القمة العربية التي تستضيفها العاصمة السودانية الخرطوم، اليوم، أنها القمة الثلاثون التي يعقدها القادة العرب منذ اجتماع القمة التأسيسي الذي عقد بالقاهرة عام 1946، وإحدى هذه العلامات أيضا وجود كم هائل من الخلافات البينية العربية-العربية، التي تخيم على أجواء القمة وبات -في ظل وجودها- من الصعب التكهن بأي مسار للنقاشات. ومن بين هذه العلامات أيضا مرور نحو أربعين عاما على قمة اللاءات الشهيرة في الخرطوم، وما بين الخرطوم 1967 والخرطوم 2006 حدثت تحولات هائلة وجرت مياه كثيرة في المشهد السياسي الإقليمي، ولم يعد العرب محاصرين فقط بقضية الصراع مع إسرائيل، بعد أن تحولت هذه القضية إلى واحدة من قائمة طويلة من قضايا عديدة طفا بعضها على السطح فيما يعاد فتح بعضها الآخر خلال فعاليات القمم ليشعر بالحياة مؤقتا تمهيدا لعودته إلى غياهب النسيان بانتظار قمة جديدة في عاصمة عربية أخرى.

واستثناء من بين عشرات التجمعات والتكتلات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية، تحظى القمم العربية بنصيب وافر من الضجيج والصخب السياسي حول مستوى مشاركة الدول الأعضاء قبيل انعقاد القمة، وتتحول هذه المسألة إلى هاجس للجميع، وتكاد فرص النجاح أو الفشل محصورة في مستوى التمثيل وليس في محتوى المعالجة والنقاشات والنتائج، بحيث يصبح تفادي المشكلات والصراعات والخلافات هو الهم الأعظم للدولة المضيفة، كي تلقي عن كاهلها أي تهمة جاهزة بشأن تحمل مسؤولية الفشل والإخفاق واللافت أيضا أن كل لقاءات القمة قد خالفت الظنون والتوقعات وتراجعت عن سقف طموحات الشعوب لمصلحة "تسكين المواقف" واجترار خطاب سياسي تقليدي ثبت عدم جدواه في معالجة القضايا والأزمات الطاحنة التي تعصف بالمنطقة. واللافت أيضا أن منحنى الأزمات والتحديات التي تواجه الدول العربية في تصاعد متواصل، ويضاف إلى أجندة هذه الأزمات والتحديات المزيد والمزيد سنويا، بحيث تضخمت الأجندة وتباينت الأولويات، سواء بسبب تجميد الحلول والتأجيل المرحلي والهروب إلى الإمام اكتفاء بصيغ كلامية لا ترتب أي استحقاقات فعلية، أو بفعل تفاوت المصالح والأهداف أو تحت وطأة سخونة القضايا والملفات المطروحة، بحيث بات من الصعب ترتيبها وفق نسق محدد يراعي المصالح العليا للجميع، والنتيجة أن كل قمة عربية تجد نفسها في مواجهة قضايا وإشكاليات أصعب وأشد خطورة مما كانت عليه الحال في القمة السابقة.

المشهد الإقليمي من الخليج إلى المحيط مسكون بعوامل التوتر والشحن القابل للانفجار، فهل ترتقي قمة الخرطوم إلى مستوى التحدي وتتصدى للإشكاليات وتحقق اختراقات نوعية بمواقف جدية مشتركة تراعي مصالح الشعوب بعيدا عن حماسيات الخطاب السياسي، أم تكتفي بإعادة إنتاج مخرجات القمم السابقة وتلجأ إلى خيار التأجيل والتسويف وتجاهل الأخطار والأزمات والخلافات؟

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات