أبوظبي مقراً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة: أبعاد ودلالات

أبوظبي مقراً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة: أبعاد ودلالات

  • 1 يوليو 2009

في إنجاز تاريخي غير مسبوق، ليس فقط لدولة الإمارات العربية المتحدة، وإنما أيضاً للدول العربية والإسلامية ودول العالم النامي كافة، اُختيرت العاصمة الإماراتية أبوظبي لتكون مقراً دائماً لـ"الوكالة الدولية للطاقة المتجددة" (إيرينا)، وذلك خلال الاجتماع الثاني للجنة التحضيرية للوكالة الذي عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية يوم 29 يونيو 2009، لتصبح الإمارات بذلك أول دولة من دول الجنوب تستضيف المقر الدائم لإحدى المنظمات الدولية المهمة، بعد أن كان الأمر حكراً على الدول المتقدمة والغنية.

ويعكس هذا الاختيار مدى التقدير العالمي الواسع الذي باتت تحظى به دولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى العالمي بفضل قيادتها الحكيمة وسياساتها المتزنة، وصورتها كدولة داعمة للتعاون والمشاركة بين دول العالم في التعامل مع التحديات المشتركة. كما يعبر هذا الاختيار عن الثقة الدولية بتوجهات الإمارات في مجال الطاقة المتجددة وقدرتها على رفع الوعي العالمي بهذا المجال الحيوي للتنمية المستدامة، ويؤكد سلامة نهجها السياسي والاقتصادي، ونجاحها في بناء شبكة علاقات  دولية واسعة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بالشكل الذي ضمن لها الحصول على هذا التأييد العالمي الواسع، الذي وصف بالاستثنائي، لاستضافة مقر هذه المنظمة الدولية المهمة، التي يتوقع كثير من الخبراء والمحللين أن يكون لها دور بارز في المستقبل القريب مع اتجاه كثير من دول العالم إلى تنمية مواردها من مصادر الطاقة المتجددة، التي ستحل عاجلاً أو آجلاً محل مصادر الطاقة التقليدية كمحرك رئيسي للاقتصاد العالمي.

ولم يكن تحقيق هذا الإنجاز التاريخي بالأمر السهل؛ فهو أولاً جاء تتويجاً لشهور طويلة من العمل الجاد والحركة الدؤوبة للدبلوماسية الإماراتية النشطة بقيادة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، والذي جاب العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بحثاً عن الدعم والتأييد لطلب الإمارات المشروع والمستحق باستضافة مقر "إيرينا"، ولم تتوقف تحركات سموه حتى آخر لحظة قبل التصويت، ولم تهدأ الدبلوماسية الإماراتية لحظة واحدة منذ بداية عام 2009؛ حيث ذهبت الوفود الرسمية إلى أكبر الدول وأصغرها، وقامت بزيارة نحو 90 عاصمة في أفريقياً وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأستراليا في وقت محدود من أجل تحقيق هذا الإنجاز الوطني الغالي. وقد كان لهذا الأداء الدبلوماسي الرفيع والمتميز دور أساسيّ في حسم الأمور لمصلحة الدولة وجلب الاحترام الدولي للدبلوماسية الإماراتية المحنكة التي قبلت التحدّي ودخلت مضمار المنافسة الدولية الصعبة بثقة وجسارة دون تردّد أو تهيّب.

الأمر الثاني الذي ساهم في تحقيق هذا الإنجاز هو الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة من أجل إقناع العالم بأنها تستحق عن جدارة أن تكون المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة استناداً إلى حسابات الربح التي سيجنيها مختلف الأطراف. فقد أظهرت الدولة منذ فترة ليست بالقصيرة التزاماً واضحاً بضرورة امتلاك مصادر الطاقة المتجددة وتطويرها باعتبارها طاقة المستقبل الوفيرة والنظيفة، وبهدف المحافظة على وضعها الاستراتيجي المتميز في أسواق الطاقة العالمية مستقبلاً، مثلما هو الوضع الحالي في سوق الطاقة التقليدية؛ حيث بادرت الدولة بإنشاء العديد من المشروعات الاستثمارية الكبرى في هذا المجال، ومن أبرزها مشروع مدينة "مصدر"، التي ستستضيف مقر الوكالة، والتي تعد المدينة الأولى في العالم التي ستكون خالية من الكربون والنفايات؛ حيث ستعتمد بشكل كامل على الطاقة المتجددة. وقد بدأ العمل في هذا المشروع في العام 2006، ومن المقرر أن ينتهي في العام 2016 باستثمارات إجمالية تقدر بنحو 80 مليار درهم (22 مليار دولار).

وإضافة إلى مدينة مصدر، أقامت دولة الإمارات أكبر محطة لطاقة الرياح على مستوى الشرق الأوسط على جزيرة "صير بني ياس"، كما أنشأت محطة لحصد الطاقة الشمسية في إمارة رأس الخيمة بشراكة مع "المركز السويسري للتكنولوجيا الدقيقة والإلكترونيات"، وتخطط لتنفيذ مشروعات إنارة الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية في إمارة أبوظبي. وكنتيجة لهذا الاهتمام، ارتفع حجم الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة ليحتل المرتبة الثالثة ضمن أهم قطاعات الاستثمار بالدولة في عام 2008؛ حيث استثمرت الدولة نحو 7 مليارات دولار في مشروعات الطاقة النظيفة، وتعمل على زيادة هذه الاستثمارات بشكل تدريجي حتى تبلغ 500 مليار دولار في المدى المنظور، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن دولة الإمارات تستثمر بمفردها ما يزيد عن 10% من إجمالي الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة المتجددة، ما يجعلها واحدة من الدول الرائدة عالمياً في مجال التحول إلى هذا المجال.

الأمر الثالث المهم هو العرض الذي تقدمت به دولة الإمارات لاستضافة مقر الوكالة؛ حيث تعهدت الدولة بتقديم كثير من جوانب الدعم للوكالة، من أهمها: تخصيص أكثر من 135 مليون دولار للوكالة خلال السنوات الأولى من مرحلة التشغيل، منها 70 مليون دولار نقداً؛ وتمويل أبحاث "إيرينا" بقيمة 2.9 مليون دولار سنوياً حتى عام 2015، إضافة إلى دعم الخدمات التشغيلية بـ 2.9  مليون دولار، وتوفير سكن الموظفين ونفقات إعادة نقلهم بكلفة مليوني دولار سنوياً، وتوفير بنية تحتية حديثة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وبرنامج التعليم عن بعد، بإجمالي تكلفة تصل إلى 2.5 مليون دولار. كما سيتم تقديم 20 منحة دراسية سنوياً في "معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا" شاملة نفقات الطلاب كافة من دون استثناء، إضافة إلى خدمات سفر مجانية لطاقم العمل والخبراء في الوكالة في أثناء الخروج في مهام. وسيقدم "صندوق أبوظبي للتنمية" التزاماً غير مسبوق يصل إلى 50 مليون دولار سنوياً لبرنامج جديد تقوده "إيرينا" على مدار السنوات السبع التالية لدعم الوكالة في تحقيق رسالتها في تطوير استخدام الطاقة المتجددة ونشرها. ومن شأن هذا الدعم القوي الذي ستقدمه الحكومة الإماراتية أن يدعم الوضع المالي للوكالة الدولية الوليدة ويشكل نقطة انطلاق قوية لها.

الأكثر أهمية من كل ما سبق، هو وجود رؤية واضحة لدى القيادة الإماراتية، ممثلة في صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، تقوم على الاقتناع الكامل بضرورة دخول مجال الطاقة المتجددة بقوة، انطلاقاً من عوامل عدة، أولها: الاستعداد للنضوب المحتمل لمصادر الطاقة التقليدية، وفي مقدمتها النفط الذي يشكل عصب الاقتصاد الوطني حالياً، وبالتالي البحث عن مصادر بديلة ومتجددة حتى يمكن المحافظة على مستوى التنمية الراهن الذي تشهده الإمارات على المدى البعيد. وثانيها: ما تتمتع به الطاقة المتجددة من مميزات لا تتوافر في الطاقة التقليدية، وأهمها أنها طاقة نظيفة وغير ملوثة للبيئة. وثالثها: مواكبة الخطط المستقبلية في هذا المجال؛ فالتوجه نحو الطاقة المتجددة هو توجه عالمي متصاعد؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن سوق تكنولوجيا الطاقة المتجددة قد بلغ نحو 1.4 تريليون دولار في عام 2008، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 3.1 تريليون في عام 2020، ليصبح السوق الأكبر في العالم.

ويرى كثير من المحللين أن وجود مقر "إيرينا" في أبوظبي سيساعدها في تحقيق أهدافها والارتقاء بدورها العالمي في مجال الطاقة المتجددة، بفضل ما تتمتع به الدولة من بنية تحتية متميزة في هذا المجال، والدعم المالي والسياسي الكبير الذي ستلقاه من جانب الحكومة الإماراتية، فضلاً عن شبكة العلاقات الواسعة والمتميزة التي تربط الإمارات بمختلف دول العالم ومنظماته الإقليمية والدولية، وهو ما سيوفر للوكالة الظروف المناسبة لتحقيق التعاون المطلوب بين الدول النامية والمتقدمة في مجال تطوير الاعتماد على الطاقة المتجددة والنظيفة وتوسيعها.

إن نجاح دولة الإمارات في معركتها الدبلوماسية لاستضافة المقر الدائم لـ"إيرينا" يمثل شهادة اعتراف عالمية بقوة نظاميها السياسي والاقتصادي، وبرهاناً قوياً على متانة مكانتها الإقليمية والعالمية، وهي مكانة ستتعزز بالتأكيد باستضافتها لهذه الوكالة الدولية المهمة؛ حيث ستكون الدولة محط أنظار العالم ومركزاً عالمياً لصناعات الطاقة المتجددة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات