أبعاد عملية التحديث السياسي في الإمارات

أبعاد عملية التحديث السياسي في الإمارات

  • 7 ديسمبر 2005

تمثل المبادرة التي أعلنها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي دليلاً ساطعاً على عزم القيادة على مواكبة الانفتاح الاقتصادي والثقافي والاجتماعي بتحديث سياسي يراعي خصوصية الواقع الإماراتي من جهة ويتسق مع ما تشهده المنطقة من تحولات من جهة أخرى.

ففي الأول من ديسمبر/كانون الأول 2005، مع حلول الذكرى الرابعة والثلاثين لعيد الاتحاد، أعلن صاحب السمو رئيس الدولة قراره ببدء تفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي، عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال مجالس لكل إمارة وتعيين النصف الآخر، مؤكداً أن هذا القرار يأتي في إطار العمل على تفعيل دور المجلس ليصبح "مجلساً أكبر قدرة وفاعلية والتصاقاً بقضايا الوطن وهموم المواطنين".

وقد وضع سموه، بتأييد من إخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، وبجهد ومعاونة صادقين من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عناوين رئيسة للمرحلة المقبلة في مسيرة العمل الوطني في دولة الإمارات العربية المتحدة تتلخص في: تكريس سيادة القانون، وقيم المساءلة، والشفافية، وتكافؤ الفرص. وهي العناوين التي اعتبرها قادة الدولة وفعالياتها الوطنية دستور عمل متكاملاً للمرحلة المقبلة، التي اختار لها صاحب السمو رئيس الدولة، في وقت سابق، وصفاً بليغاً، حين أسماها "مرحلة التمكين".

وحدد سموه سمات وآليات العملية الانتخابية، مشيراً إلى أن القرار "يقضي بأن يشكل حاكم كل إمارة مجلساً محلياً يتكون كمرحلة أولى من مائة ضعف كحد أدنى لعدد ممثلي كل إمارة في المجلس الوطني الاتحادي، وستنتخب هذه المجالس المحلية من بين أعضائها نصف ممثلي كل إمارة في المجلس الوطني، على أن يعين حاكم كل إمارة النصف الآخر لممثلي الإمارة في المجلس".

إن التطور الذي سيطرأ على تركيبة المجلس وآليات تشكيله ليس هو التغير البارز الوحيد، ذلك أن هذا التطور يأتي في سياق عملية سياسية مبرمجة متكاملة، تستهدف إحداث نقلة نوعية في العمل الوطني والحياة السياسية بالإمارات.

فقد أعلن صاحب السمو رئيس الدولة أن الحكومة ستقترح على المجلس الوطني الاتحادي بتشكيله الجديد "إجراء تعديلات دستورية تستهدف تفعيل دور المجلس وتعزيز صلاحياته لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة، وكذلك زيادة عدد أعضائه بما يتناسب وزيادة عدد مواطني الدولة".

ولم تقتصر كلمة صاحب السمو رئيس الدولة على إطلاق تلك المبادرة وشرح وتفصيل أبعادها، لكنها تعدت ذلك لتضع الملامح الرئيسة للهدف الأشمل من تدشين تلك العملية السياسية، وهو "تهيئة الشروط الدستورية اللازمة للتحضير لإجراء انتخابات مباشرة".

لقد ارتسمت بوضوح ملامح مسيرة العمل الوطني في السنوات المقبلة. فالانطلاق سيكون من قاعدة متماسكة صلبة متينة؛ قوامها إنجازات، وصفت بـ "الإعجاز"، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولحمة وطنية شديدة التفرد، وانسجام وتوافق داخلي لافت، وسياسة خارجية ناجحة عززت مكانة الدولة الإقليمية والدولية، وطموح مدروس تدعمه قدرات ملموسة.

أما الهدف فهو كما حدده صاحب السمو رئيس الدولة، الانطلاق من "مرحلة التأسيس"، التي أسس لها قادة عظام في مقدمتهم المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة وباني نهضتها، وصولاً إلى "مرحلة التمكين"، التي تستهدف ترسيخ الإنجاز، وكفاءة توزيع عوائده على أبناء الوطن، وضمان استدامته وتطوره. والآليات هي تكريس مبادئ سيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وتهيئة البيئة اللازمة لإطلاق الإبداع لدى إنسان الإمارات، وتحقيق مشاركة أوسع وأكثر فاعلية من أبناء الوطن جميعاً رجالاً ونساء في عملية الإصلاح والتنمية لترسيخ المكاسب والإنجازات التي حققتها الدولة.

إن دخول الإمارات عصر الديمقراطية البرلمانية بتلك الخطوة المحسوبة التي لها ما بعدها لا يأتي منفصلاً عن سياق شامل تهدف الدولة من خلاله إلى تعزيز مكتسبات مواطنيها والبناء عليها، وإلى توسيع مشاركتهم الفاعلة في مسيرة العمل الوطني.

ففي الخامس من ديسمبر/ كانون الأول 2005، جرت أول انتخابات من نوعها في الإمارات لاختيار أعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي. وفي الثالث من الشهر نفسه، صدر قرار المجلس الإعلى للاتحاد بإنشاء مجلس للأمن الوطني في دولة الإمارات، وهو المجلس الذي اعتبر خبراء أمنيون أن إنشاءه "يمثل خطوة حضارية رائدة، تهدف إلى التأسيس لتعامل علمي مع التحديات والأزمات الأمنية، بما يكفل تعزيز أمن المواطنين والمقيمين".

يرى خبراء واستراتيجيون أن الإمارات بدأت سلسلة خطوات على طريق عملية تحديث سياسية شاملة انطلاقاً من أساس راسخ ووعي تام بخصوصية المجتمع الإماراتي وطبيعة التحولات التي تعتمل في البيئتين الإقليمية والدولية.

والواقع أن هذه الرؤية صحيحة، وأهم ما بها أن الإمارات، التي توصف من وسائل الإعلام العالمية ذات الصدقية والتأثير ودوائر الخبرة الدولية بأنها "من أكثر الدول العربية تحرراً وتسامحاً، وتنعم بالاستقرار والرفاهية، ولا تعرف معارضة سياسية أو عنفاً وتطرفاً"، تعي أن المحافظة على تلك الإنجازات تحتاج مبادرات محسوبة وتفكيراً إبداعياً.

فعدد من تلك الدوائر كان أحياناً يشير إلى أن "الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي لا توجد بها أي هيئة منتخبة". ورغم أن الإمارات، في ظل أدائها السياسي الخارجي المعتدل والإيجابي، وبسبب انسجامها الداخلي النادر، لم تتلق أي مطالبات دولية ذات شأن بإحداث تغييرات سياسية داخلية كمعظم دول المنطقة والكثير من دول العالم الثالث، فإن هذا لم يحل دون تطلعها لاستيفاء أحد استحقاقات العصر، بالشكل الذي يتماشى مع خصوصيتها واعتباراتها الداخلية.

اليوم ترسي الإمارات قواعد انتخابات جزئية لتفعيل دور برلمانها وتعزيز إسهامه، والهدف الوصول إلى انتخابات برلمانية مباشرة، في إطار عملية سياسية متكاملة، تهدف إلى تحقيق أقصى درجات الفاعلية للمشاركة الشعبية في العمل الوطني، في ظل شروط سيادة القانون والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص. وهي في سعيها هذا لا تنشغل عن متابعة إنجازاتها الضخمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، ولا تتوقف عن تعزيز انفتاحها وتسامحها الداخلي والخارجي، والذي صنع لها مكانتها الفريدة في المنطقة والعالم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات