أبعاد الموقف الإيراني من الثورة الشعبية في مصر

  • 21 فبراير 2011

كانت الأحداث التي شهدتها مصر على مدى ثمانية عشر يوماً، وانتهت بإسقاط نظام مبارك، محط نظر واهتمام كبيرين من جانب النظام الحاكم في إيران، والذي يعاني بدوره من مأزق داخلي متواصل منذ الإعلان عن إعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية منتصف العام 2009. ويعود هذا الاهتمام -في تقديري- إلى عدد من الاعتبارات في مقدمتها: أهمية مصر ودورها الإقليمي؛ فمصر تشكل العمود الفقري في المنطقة العربية، وإسقاط نظامها السياسي، أو إضعافه، سيكون له تداعياته التي تصب في مصلحة إيران، ولاسيما أن مصر/ مبارك كانت تتبنى موقفاً متحفظاً، إن لم يكن معارضاً لسياسة طهران الإقليمية ومحاولاتها التغلغل في المنطقة العربية، كما أن مصر، التي كانت تقود "محور الاعتدال"، تكاد تكون الدولة العربية الوحيدة التي ليس لها تمثيل دبلوماسي مع طهران، وبالتالي فإن سقوط نظام مبارك من شأنه -في تقدير طهران– أن يعزز من وضع إيران الإقليمي.

لهذه الاعتبارات وغيرها، سارع النظام الإيراني إلى تبني موقف مؤيد للثورة الشعبية المصرية حتى قبل أن تستكمل دورتها النهائية بإعلان الرئيس مبارك تخليه عن منصبه، وتمثل ذلك في قيام المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، بتخصيص عشرين دقيقة من خطبة الجمعة التي ألقاها في الرابع من فبراير الحالي (2011) باللغة العربية، لتأييد المتظاهرين في مصر، زاعماً أنهم يسيرون على هدى الثورة الإيرانية، وداعياً إلى إقامة نظام ديني في مصر مماثل للنظام القائم في إيران، حيث اعتبر خامنئي أن الأحداث التي وقعت في مصر وتونس هي "بوادر يقظة إسلامية" في العالم مستوحاة من الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، داعياً الشعب المصري إلى مواصلة انتفاضته حتى "إقامة نظام شعبي يقوم على الديانة الإسلامية"، كما أعرب عن اعتقاده بأن سقوط النظام في مصر سيتيح "إقامة شرق أوسط إسلامي".

ما ذكره خامنئي في خطبته وجد صداه لدى العديد من المسؤولين الإيرانيين الذي أعلنوا عن مواقف مشابهة، ومن هؤلاء الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رافسنجاني الذي صرح بدوره في مقابلة نشرتها صحيفة "جمهوري إسلامي" الإيرانية أن "مصر تحتاج إلى إمام خميني؛ فوجود مثل هذا القائد أمر ضروري لمصر". كما اعتبر الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد أن "العالم يشهد الآن صحوة إسلامية ضد الاستبداد، تشمل مصر وتونس اللتين تؤسّس أحداثهما لشرق أوسط جديد لا مكان فيه للولايات المتحدة وإسرائيل، وينبئ بنصر وشيك"، بل إنه ذهب إلى حد القول بأن "الثورات التي تجري في المنطقة يقودها الإمام المهدي"!!.

وتنطوي محاولة النظام الإيراني إضفاء طابع إسلامي على الثورة الشعبية في مصر على هذا النحو، والزعم بتأثرها بالثورة الإيرانية في عام 1979، على كثير من المغالطات، كما أنها تمثل تجاوزاً للعديد من الحقائق التي أحاطت بهذه الثورة، وذلك بالنظر إلى اعتبارات عدة، منها:

(1) أن التيارات الإسلامية التي شاركت في هذه الثورة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، لم تكن هي التي بادرت بالدعوة إلى هذه الاحتجاجات، بل إن بعض هذه التيارات رفضت في البداية الانضمام إليها، ثم لحقوا بها بعد أن ازدادت زخماً وقوة. وشكلوا بشكل عام نسبة محدودة من جملة المشاركين في الثورة. وقد عبر عن ذلك خير تعبير، د. ناجح إبراهيم، منظر الجماعة الإسلامية، في حديثه لصحيفة الشروق المصرية يوم 11 فبراير، قائلاً: "إن هذه الثورة ملك للذين صنعوها وهم شباب الـ (فيس بوك)، فهم الذين دعوا إليها، وهم الذين ضحوا من أجلها، وحققوا النصر فيها، أما الإخوان المسلمين فقد جاؤوا بعد أن غادرت الشرطة الشارع، ومن حضر منهم حضر كغيره من أبناء الشعب المصري".

(2) أن الإسلاميين الذين شاركوا في الثورة، انضموا إليها تحت راية الحرية والديمقراطية التي رفعها الشباب الذين كان أغلبهم من العلمانيين، ولم تشهد ساحة ميدان التحرير أو أي ساحة أخرى رفع أي شعارات دينية، وإنما كانت هناك مطالب ذات طابع مدني. وهو ما أكده د. رشاد البيومي، عضو جماعة الإخوان المسلمين (الأهرام 8 فبراير 2011)، بقوله: "إن ما حدث في مصر ليست ثورة إسلامية وليست إخوانية، فالذين قاموا قام بها هم شباب يستحقون التقدير والاحترام".

(3) أن النموذج الثوري الإيراني فقد بريقه ولم يعد لحكم الملالي جاذبية، ليس في مصر فحسب بل على مستوى المنطقة والعالم ككل، ولاسيما بعد أن تكشفت سلبياته ومساوئه، وبصفة خاصة بعد تعامله بعنف مع المعارضة الإيرانية التي لم تتقبل حتى الآن نتائج الانتخابات الرئاسية لما شابهها من تجاوزات وتشويه لإرادة الناخبين.

وكان لافتاً أن موقف النظام الإيراني لم يقابل بالرفض على المستوى الرسمي فقط، وإنما امتد هذا الرفض إلى المستوى الشعبي، حيث قابل المتظاهرون في ميدان التحرير خطبة خامنئي بالاستهجان، وهتفوا ضد إيران بسبب تدخلها في الشأن المصري.

ولكن السؤال المطروح هو لماذا وضع النظام الإيراني هذه الثورة في إطار إسلامي، وزعم أنها تأثرت بالنموذج الثوري الإيراني، على الرغم من أنه لا ناقة للنظام الإيراني ولا جمل في تحريك هذه الثورة؟.

في تقديري أن ذلك يرجع إلى اعتبارات عدة: أولها، أن النظام الإيراني، يحاول من خلال هذه المزاعم تأكيد استمرار نجاح نموذجهم الثوري الذي يواجه تحدياً داخلياً هو الأقوى منذ اندلاع الثورة. وعلى الرغم من أن النظام نجح مرحلياً، في احتواء التظاهرات والاعتصامات التي نظمتها قوى المعارضة في أماكن ومواقع عدة احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية 2009، باستخدام كل الوسائل، بما فيها المواجهات الساخنة، وأساليب القمع، فإن الأزمة مازالت تتفاعل وأحدثت انشقاقاً في الجبهة الداخلية، ولم تتم معالجتها بشكل مناسب حتى الآن، فلجأ قادة النظام الإيراني إلى الأسلوب التقليدي بمحاولة إشغال الداخل بتحقيق نجاحات الخارج عبر الزعم بأن الثورة المصرية هي من نتاج الثورة الإيرانية.

ثانيها: أن للقيادة الإيرانية الحالية، كما هو معروف، تطلعات للهيمنة الإقليمية، وهي تسعى للحصول على اعتراف إقليمي ودولي بثقلها الاستراتيجي ونفوذها الإقليمي، ومن ثم فهي رأت في الثورة الشعبية المصرية فرصة للزعم بأنها جاءت نتيجة تأثيرها الإقليمي، كما أنها قد تمثل محاولة للتأثير في التوجهات المستقبلية لمصر عبر الحصول على تأييد القائمين بالثورة لها بعد الظهور بمظهر الداعم لهم في مواجهة النظام السابق.

أما الاعتبار الثالث فيتمثل، كما يرى بعض المتابعين، في حقيقة أن إيران رأت في الاحتجاجات المصرية فرصة مناسبة لصرف أنظار العالم عن برنامجها النووي لبعض الوقت. فيما يتمثل الاعتبار الرابع في أن النظام الإيراني ربما أراد من هذا الموقف قطع الطريق على المعارضة الإيرانية التي طالبت بالسماح لها بتنظيم مظاهرة تأييد للثورتين المصرية والتونسية يوم 14 فبراير 2011، لكن السلطات الإيرانية المختصة رفضت الموافقة على ذلك بحجة أن المعارضة تسعى لإحداث انقسام داخل الشعب الإيراني، وفي حين أن النظام الإيراني كان يخشى من استعادة المعارضة لمشاعر الشعب الإيراني الحقيقية المناهضة لهذا النظام.

وقد دفع هذا الموقف للنظام الإيراني بعض أقطاب المعارضة الإيرانية إلى التعبير عن غضبهم من هذا السلوك الذي ينطوي على قدر واضح من النفاق السياسي، حيث اعتبر مهدي كروبي أن قيام طهران بتصوير الأحداث في القاهرة وغيرها، باعتبارها الثمار التي طال انتظارها لثورتها الإسلامية، والقيام في الوقت نفسه بمنع إصدار تصريح للمعارضة الإيرانية بالتظاهر تأييداً لأحداث مصر وتونس، يكشف زيف الموقف الإيراني. كما عرض الموقع الإلكتروني الخاص بمير حسين موسوي صورتين معبرتين جنباً إلى جنب، أحدهما لضابط شرطة مصري يضرب متظاهراً، بينما في الجانب الآخر وضعت صورة مشابهة لقوات إيرانية تواجه المظاهرات في طهران بالعنف". وذهب قائد الحرس الثوري في طهران الجنرال حسين محمداني إلى أبعد من ذلك، حيث وجه تهديداً سافراً للمعارضين يحذرهم من القيام بالتظاهر، قائلاً: "إن على الغوغائيين (المعارضين) أن يعلموا أننا نعتبرهم أعداء للثورة وجواسيس وسنتصدى لهم بقوة".

لقد خشي النظام الإيراني من أن تحمل مظاهرات المعارضة في طياتها مخاطر تحويلها لمسيرة مناوئة للنظام الحاكم، وهو ما كشف ازدواجية المواقف الإيرانية من الثورة في مصر وانتهازيتها الواضحة، بالسعي للالتفاف حول ثورة شعبية وتصويرها على أنها نتاج للنموذج الإيراني، على الرغم من أن هذا النموذج يعاني من ثورة شعبية مضادة مازالت تتفاعل داخلياً.

Share