أبعاد الموقف الإسرائيلي من فتح معبر رفح

  • 6 يونيو 2011

تطبيقاً للقرار الذي اتخذته السلطات المصرية، باعتماد آلية دخول الفلسطينيين إلى مصر من جميع منافذها، التي كان معمولاً بها قبل سيطرة "حماس" على قطاع غزة في منتصف عام 2007، جرى في الثامن والعشرين من مايو/ أيار الماضي فتح معبر رفح بشكل دائم، لعبور الأشخاص من القطاع وإليه، وذلك تتويجاً لنهج مصري جديد بدأ بإدخال تحسينات على العمل في هذا المعبر بعد سقوط النظام السابق.

وحسب المعلومات المتاحة، جاءت هذه الخطوة دون تنسيق مع إسرائيل، وكانت المرة الأولى التي يفتح فيها معبر رفح بهذه الطريقة، على خلفية اعتبارات مصرية متعددة تتعلق بالسياسة الجديدة إزاء قطاع غزة، تنطلق من أن مسألة فتح المعبر تخص السيادة المصرية.

وقد لوحظ من التقارير الإسرائيلية أن فتح معبر رفح أضيف إلى سلسلة المفاجآت التي لم تتوقعها الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، بل إنهم في إسرائيل كانوا يقللون من إمكانية حدوث ذلك. ولدى فتح المعبر، أخذ بعض هؤلاء يحاولون التهوين من شأن هذه الخطوة، عبر التذرع بأن زيادة عدد العابرين هامشية، وأن فتح المعبر ساعات إضافية لا يغير قواعد اللعبة، وأنه في ظل وجود عشرات الأنفاق السرية التي لا تتوقف عن العمل، فإن فتح معبر رفح لا يعني تغييراً حاداً حقيقياً.

ولغرض المقارنة، اعتقد بعض كبار المهتمين الإسرائيليين (كرئيس الشاباك السابق آفي ديختر) أن فتح معبر رفح هو مسألة عادية، مقابل ظاهرة التهريب من مصر إلى قطاع غزة، وأن تاريخ مصر في كل ما يتعلق بتهريب الأسلحة ورجال المنظمات من سيناء إلى غزة سيئ جداً بالنسبة لإسرائيل، وأن جهود مصر في هذا المجال كانت قليلة جداً، حتى الجدار الفولاذي لم يساعد بشكل كبير، وانهار هذا المشروع، إذ اخترقه الفلسطينيون، وأوقف المصريون إنشاءه.

مقابل هذا التيار الذي يقلل من شأن فتح المعبر، كان هناك غضب سياسي إسرائيلي عارم حيال القرار المصري، حيث استيقظت المستويات الأمنية والسياسية على واقع جديد اعتبروه نذير شؤم لإسرائيل، وأنه جاء خلافاً للاتفاقات الموقعة بين إسرائيل ومصر، وحدث بعد الدور المصري في تحقيق المصالحة الفلسطينية، ليكون بمنزلة مكافأة لحكومة "حماس".

وكان الغضب الإسرائيلي يمتزج مع العديد من بواعث القلق إزاء السلوك المصري، وقد تم التعبير عن ذلك مثلاً بالحديث (من قبل رئيس الحكومة نتنياهو) عن أن حركة "حماس" تزداد قوة في الأراضي المصرية، وأن المصريين يواجهون صعوبات في ممارسة سيادتهم في سيناء، وأن نشاط المنظمات الإرهابية العالمية هناك يتكثف بسبب العلاقة القائمة بين سيناء وقطاع غزة. لهذا تم التشديد على أن  مسؤولية ما يجري في معبر رفح تقع على عاتق مصر التي قررت بمفردها فتح المعبر.

وانعكاساً لحالة القلق الإسرائيلية، ظهرت تفصيلات تتمحور حول وجود "تغير استراتيجي" في العلاقات بين مصر وحكومة "حماس"، التي حصلت -في المنظور الإسرائيلي-  على الشرعية والاعتراف السياسي من النظام المصري الجديد، وأنه على المدى البعيد يمكن أن تكون لذلك أبعاد سلبية؛ لأن حدثاً صغيراً قد يتدحرج بسرعة إلى حدث كبير، وعندئذ سيكون من الصعب وقف عملية التدحرج هذه، وضمناً إدخال مزيد من النشطاء بسهولة وبأعداد كبيرة، والسماح للإخوان المسلمين في مصر بإجراء اتصال وثيق جداً مع "حماس"، وتفاقم ضعف السيطرة المصرية على الحدود في سيناء، وبالتالي زيادة التهديدات المفاجئة على إسرائيل، وتعاظم قوة "حماس"، وهو ما يستوجب تجنيد موارد كبيرة إضافية من أجل تجهيز الجيش الإسرائيلي للعمل في الظروف الجديدة.

وعلى خط موازٍ، برزت توجهات إسرائيلية تستبطن الرضى من فتح معبر رفح، وتحاول الإفادة من الحدث وتحويله إلى مكسب في مصلحة إسرائيل، فتم الإعراب عن إمكانية تحرر إسرائيل من المسؤولية عن مصير سكان قطاع غزة، ونقل المسؤولية عن وضعهم الإنساني إلى مصر، وسحب البساط الأيديولوجي من تحت ادعاءات المنظمات والنشطاء الذين يطالبون إسرائيل برفع الحصار عن القطاع. ورأى بعضهم أن ارتباط غزة بمصر، وعبرها بالعالم، قد يسهّل على إسرائيل الخروج من ورطات عدة، منها طريقة علاج القافلة البحرية القادمة.

وبقراءات أوسع نطاقاً؛ وفي ظل كون معبر رفح ليس مجرد معبر حدودي لقطاع غزة، بل إنه يوفر صمام أمان ضرورياً جداً للفلسطينيين المحبوسين في القطاع، فإن هناك من رأى أن الخطوة المصرية إنجاز (دبلوماسي، نفسي، سياسي) لحكومة "حماس" في المدى القصير. كما أن هذه الخطوة تلغي مفاعيل سياسة الحصار الإسرائيلية، الثأرية والوحشية، التي لم تحدث عصياناً مدنياً فلسطينياً ضد "حماس" كما كان مأمولاً، وجعلت غزة السجن الأكبر في العالم، وأوقعت مآسي إنسانية شديدة، وهي سياسة شوهت صورة إسرائيل في العالم، ولم تجد نفعاً في إعادة جلعاد شاليت، فضلاً عن أن أربع سنوات من الإغلاق لم تمنع نقل الأسلحة إلى القطاع أو إنتاج الصواريخ هناك.

واعترف بعض المهتمين الإسرائيليين بأنه ليس بإمكان إسرائيل أن تملي على السلطات مصرية ما الذي يجب أن تفعله، ولاسيما أن أكثر من يؤثر في مجرى الأحداث في مصر هو الرأي العام المصري، وأن الشعب يُفعّل ضغوطه على السلطات الحاكمة هناك، وأن فتح معبر رفح جاء استجابة لتلك الضغوط. ومن هذه الزاوية فإن مسألة فتح المعبر تعد مقياساً للوضع الجيوسياسي ولمضاعفات الثورة المصرية والحراكات العربية عموماً.

وفيما تحافظ مصر على وعودها بالتمسك بالاتفاقات الثنائية مع إسرائيل، يعتقد غالبية الإسرائيليين أن مصر لن تسمح بعد الآن لإسرائيل أن تفرض سياستها على الفلسطينيين، وأن فتح معبر رفح قد يُنظر إليه على أنه تجربة عملية لذلك النوع من الأمن المسؤول الذي ستحتاج إليه دولة فلسطين المستقبلية.

واستعداداً لهذا الاحتمال، يعترف بعض الإسرائيليين بأن الفلسطينيين أثبتوا قدرتهم على تشغيل معبر رفح، من دون وجود مراقبين أوروبيين على المعبر، وفق "اتفاقية المعابر" التي تم توقيعها بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي عام 2005، وذلك بعد أن أوقفت البعثة الأوروبية عملها بعد سيطرة حركة "حماس" على القطاع عام 2007. ويقدّر بعضهم أنه -في الحالة الراهنة أو لدى تطبيق المصالحة بين "فتح" و"حماس"- سيستمر العمل ببند أساس من الاتفاقية ينص على تشغيل معبر رفح من قبل السلطة الفلسطينية ومصر، كل من جانبه، طبقاً للمعايير الدولية وللقانون الفلسطيني.

وحتى لا تخرج إسرائيل من المواجهة الجديدة مهزومة، أفصحت أصوات إسرائيلية عما يمكن فعله رداً على الحدث الجديد، بطريقة يستشف منها توظيفه واستغلاله على أكثر من صعيد. فجرى التركيز على أن فتح معبر رفح بصورة دائمة يعطي إسرائيل فرصة للانفصال التام عن قطاع غزة من الناحية المدنية، ونشطت دعوات لانتهاز الفرصة؛ بتوقف إسرائيل عن تزويد قطاع غزة بالكهرباء والماء، وتحميل مصر المسؤولية بشكل كامل عنه، وبالتالي، يمكن لإسرائيل، التي تتعرض لهجمة نزع شرعية عالمية بسبب الإغلاق، أن تعرض على العالم حقيقة أنه لم يعد هناك إغلاق، وأنه عندما يكون معبر رفح مفتوحاً ستصبح المستشفيات في العريش عنواناً للمساعدة الإنسانية لسكان غزة. ويمكن لإسرائيل التعاطي مع القطاع بشكل مختلف؛ حيث يعتقد شلومو أفنيري (بروفيسور في العلوم السياسية ومدير عام وزارة الخارجية سابقاً)؛ أنه يجب على إسرائيل أن ترفع الحصار البحري والجوي عن القطاع، وأن تغلق معابرها معه تماماً، فقطاع غزة، طبقاً له، أرض معادية، ويجب أن تكون حدود إسرائيل معه كحدودها مع لبنان.

وبرأي آخرين، لا تزال في يد إسرائيل ورقة هامة تتمثل بالتهديد بتصدير "لغم غزة" إلى مصر، وأنه مادامت مصر تسمح بحركة حرة في رفح، فلا يوجد أي سبب يدعو إسرائيل إلى الحفاظ على المعابر بينها وبين القطاع مفتوحة. حتى إن أيوب قرا (عضو كنيست ليكودي ونائب وزير تطوير النقب والجليل) دعا إلى إعادة فرض السيطرة المصرية على قطاع غزة، كما كانت الحال قبل أن تحتله إسرائيل عام 1967، وتحميل مصر مسؤولية ضمان حفظ الأمن هناك.

وعلى خط التفاعلات الداخلية الإسرائيلية، انتقدت أحزاب المعارضة سياسة حكومة نتنياهو، واعتبرت أن فتح معبر رفح دون تنسيق مع إسرائيل، وضد إرادتها، يمثل إخفاقاً استراتيجياً ودبلوماسياً لحكومة نتنياهو؛ لأنها لم تتمكن من إيجاد تنسيق وتعاون مع الأطراف الدولية الفاعلة ضد هذه الخطوة، وجعلت إسرائيل معزولة، وفي وضع أمني ضعيف، وفقدت الدعم الدولي لسياسة "عزل حماس".

وحول آفاق التطورات الجارية على هذا المسار، من المرجّح أن تستمر مصر بتقديم التطمينات، التي ذكرت التقارير أن إسرائيل حصلت عليها، وفق قنوات متعددة، ومفادها أن لمصر سيطرة كاملة على حدودها، ولا تقبل بأن يتم أي عمل ضد أي دولة أخرى من خلال هذه الحدود، وأن فتح معبر رفح لا يلغي بالضرورة قوائم الممنوعين من السفر التي وضعت بالتنسيق بين أجهزة الأمن في النظام المصري السابق وجهاز الأمن الوقائي في غزة قبل سيطرة حركة "حماس".

ويميل أقطاب الطبقة السياسية الإسرائيلية إلى الأخذ بهذه التطمينات، على خلفية التصور بأن لإسرائيل ومصر مصالح أمنية مشتركة في محاربة ما يسمى "الإرهاب الدولي والممارسات العدائية التي تقوم بها حركة حماس"، وأن التعاون بينهما سيستمر. ومع ذلك، فإن ما يثير الاهتمام، هو وجود حقيقة ماثلة تتكرس واقعياً، بمضمونها السيادي الثنائي على معبر رفح، كمعبر فلسطيني- مصري، دون عودته إلى سابق عهده. إنها حقيقة لا تترك لإسرائيل خيارات سوى التسليم بها.

Share