أبعاد الجدل الراهن حول استعمال الاحتياطي الاستراتيجي للنفط

  • 23 أبريل 2012

يتصدر ملف الاحتياطي الاستراتيجي للنفط (المخزون النفطي المتوافر لدى الولايات المتحدة حسب شروط عضويتها في وكالة الطاقة الدولية) النقاش الدائر في أوساط الصناعة النفطية العالمية في الوقت الراهن، والذي يتضمن تساؤلات عدة، مثل: هل ستوافق الحكومة الأمريكية على السحب من هذا المخزون؟ ومتى سيتم ذلك؟ وما الكميات التي سيتم سحبها؟ وهل ستتصرف الولايات المتحدة بطريقة منفردة، أم ستتعامل مع هذا الملف، حسب توصيات وكالة الطاقة الدولية، أي بالتعاون مع بقية الدول الأعضاء في الوكالة؟

لماذا الاهتمام الآن بالسحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي؟ الجواب يكمن بالطبع في الحصار الجديد الذي فرضته دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تصدير النفط الإيراني ابتداء من أول شهر تموز (يوليو) القادم، والذي يشمل مقاطعة جميع دول العالم النفط الإيراني، ومعاقبة شركات النفط وشركات الشحن البحري وشركات التأمين التي تخالف ذلك. ويشمل الحصار كذلك منع تصدير الآلات والمكائن اللازمة لصناعة النفط الإيرانية، وحجب الخدمات الهندسية عن هذا القطاع. وعلى الرغم من أن الدول الغربية قد شرّعت العديد من برامج الحصار والمقاطعة في السابق ضد صادرات النفط الإيراني، فإن تصاعد الخلاف الغربي – الإيراني حول الملف النووي الإيراني، والضغوط الإسرائيلية العلنية على الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة، لشن حرب على إيران من أجل تدمير منشآتها النووية، وتهديد إدارة الرئيس باراك أوباما باتخاذ إجراءات قوية ضد إيران في حال قررت تطوير السلاح النووي أو اتخذت الخطوات العملية بخصوصه، كل ذلك دفع الولايات المتحدة والغرب عموماً إلى فرض عقوبات قاسية غير مسبوقة ضد إيران من أجل ثنيها عن الاستمرار في تطوير صناعتها النووية، أو على الأقل جعل تكاليف هذا الخيار باهظة لدرجة لا تستطيع إيران تحمّلها. وكذلك لإقناع إسرائيل بمصداقية هذه السياسة الاقتصادية البديلة عن الحرب وفاعليتها في الوقت الحاضر.

من الطبيعي، أن تؤدي مقاطعة النفط الإيراني إلى ارتفاع أسعار النفط الخام. إذ يبلغ معدل صادرات إيران نحو 2.5 مليون برميل يومياً، يتجه معظمها إلى دول القارة الآسيوية، وجزء بسيط منها إلى الدول الأوروبية الجنوبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط (اليونان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا)، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد امتنعت عن استيراد النفط الإيراني منذ نحو عقدين من الزمن.

أدت سياسة العقوبات الجديدة هذه، والتي تم تشريعها أواخر شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، إلى ارتفاع أسعار نفط برنت من نحو 100 دولار للبرميل إلى نحو 128 دولاراً للبرميل خلال الربع الأول من هذا العام، ثم بدأت بالانخفاض لتصل في منتصف نيسان (أبريل) إلى نحو 120 دولاراً للبرميل. لكن مع بداية مسلسل ارتفاع الأسعار، تعهدت المملكة العربية السعودية بالعمل بكامل طاقتها الإنتاجية (بمعنى استعمال الطاقة الإنتاجية والفائضة المتوفرة لديها والبالغة نحو 12.50 مليون برميل يومياً)، وبالفعل أعلنت السعودية أوائل شهر آذار(مارس) الماضي زيادة صادراتها لتعويض أي نقص في الأسواق العالمية. وبهذا ارتفع إنتاج السعودية من نحو 8 ملايين برميل يومياً في أوائل عام 2012 ليصل إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً في منتصف شهر نيسان (أبريل)، وأعلنت الرياض رسمياً أنها تنوي الإنتاج بكامل طاقتها الإنتاجية في حال وجود طلب كاف على نفطها. وفي الفترة نفسها (النصف الأول من شهر مارس 2012)، أعلن الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني عن اتفاقهما على السحب من المخزون الاستراتيجي النفطي المتوفر في كلا البلدين، في حال كانت هناك ضرورة لذلك. وفي أواخر الشهر نفسه، بدأت ترتفع الأصوات أيضاً في فرنسا، من أجل السحب من المخزون الاستراتيجي النفطي فيها.

في بادئ الأمر، بدأ المراقبون يشككون بقدرة السعودية على زيادة إنتاجها قريباً إلى نحو 12.5 مليون برميل يومياً بسبب عدم وجود نقص فعلي للمعروض النفطي في الأسواق. لكن اتضح في الوقت نفسه أن الكلام حول السحب من المخزون يعود إلى أسباب سياسية داخلية بالدرجة الأولى. ففي الولايات المتحدة، ارتفع سعر البنزين إلى نحو أربعة دولارات للغالون، وهو سعر مرتفع للغاية بالنسبة للمستهلك الأمريكي. وبما أن هذه السنة هي سنة انتخابية للرئاسة، فقد بدأ زعماء الحزب الجمهوري يثيرون هذا الأمر في حملتهم ضد الرئيس باراك أوباما. وفي ردة فعل على هذه الحملات لوح أوباما باستعمال الاحتياطي الاستراتيجي كوسيلة لردع ارتفاع الأسعار. وينطبق الأمر نفسه في فرنسا؛ حيث اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في الوقت الذي تراجعت فيه شعبية الرئيس ساركوزي بشكل ملحوظ عند الرأي العام. في هذا السياق، وكرد فعل على قيام زعماء الحزب الاشتراكي المعارض بإثارة موضوع ارتفاع أسعار البنزين، قام ساركوزي بدوره بالتلويح باستعمال مخزون النفط الاستراتيجي كحل لتخفيض مستوى الأسعار. ومن اللافت للنظر أنه طوال هذه الفترة، ضغطت الولايات المتحدة وفرنسا على الوكالة الدولية للطاقة من أجل إصدار توصية للدول الأعضاء بالسحب من المخزون، لكن بعض الدول الأعضاء بالوكالة (خاصة ألمانيا) عارضت هذا الاقتراح لعدم الحاجة إليه في الوقت الحاضر؛ لأنه لا توجد هناك أزمة إمدادات فعلية في الأسواق. ورغم هذا التأخير في الإعلان الجماعي عن السحب من المخزون الاستراتيجي للنفط، فإنه يُتوقع أن يتم السحب منه خلال هذا العام، في حال استمرت إثارة هذا الأمر في حملة الانتخابات الأمريكية، وبقي سعر البنزين حول أربعة دولارات للغالون، ومن الممكن أن يزيد الضغط في هذا الاتجاه قبيل بدء تطبيق قرار مقاطعة إيران النفطية فعلاً خلال فصل الصيف، وذلك كحل احترازي من تفاقم التطورات السياسية مع إيران.

هنا، يتوجب لفت النظر، إلى أن السبب الأساسي للمخزون الاستراتيجي من النفط هو تمكين الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية من السحب منه لتلافي حدوث نقص فعلي في الإمدادات العالمية، وليس الضغط من أجل كبح زيادة الأسعار. فهذا ليس الهدف من المخزون، ومن المشكوك فيه أنه يستطيع فعلا كبح جماح ارتفاع الأسعار، كما لاحظنا في منتصف عام 2011 عندما تم استعماله عند انقطاع الصادرات الليبية وارتفاع الأسعار في حينه. فقد انخفضت الأسعار للوهلة الأولى نحو 10 دولارات للبرميل في 23 حزيران (يونيو) الماضي، ثم عادت وعوضت ذلك بارتفاعها بسرعة إلى أكثر مما خسرته.

هناك محاذير عدة لسياسة السحب من المخزون الاستراتيجي للنفط يجب أخذها بعين الاعتبار. من أبرزها أن أهمية هذا المخزون تكمن في عامل المفاجأة، كما هو الأمر مع تدخل البنوك المركزية للتأثير في قيمة العملات؛ لأنه دون الاعتماد على عنصر المفاجأة تضمحل أهمية الخطوة، ولا تعيرها الأسواق الأهمية اللازمة. كما أن الدول، ولاسيما الصناعية منها، ترى أن قرار السحب يكون لها وحدها، وتقرره حسب أولوياتها. وهذه السياسة في السحب من المخزون تتضارب مع سياسة الدول المنتجة الكبرى في توفير طاقة إنتاجية فائضة للاستعمال عند اللزوم بالتعاون مع الدول المستهلكة وشركات النفط العالمية.

إن تغيير هدف سياسة السحب من المخزون بحيث يمكن اللجوء إليه من أجل تخفيض أسعار النفط، أو لخدمة قضايا سياسية داخلية، وإثارة الموضوع من خلال وسائل الإعلام، من شأنه أن يجعل مفعول قرار السحب محدوداً للغاية، ولاسيما إذا ما تم تطبيقه بصورة انفرادية، لا جماعية، كما أثبتت التجارب حتى الآن.

Share