أبعاد التدخل الروسي في جورجيا

د. أحمد منيسي: أبعاد التدخل الروسي في جورجيا

  • 26 أغسطس 2008

نشب النزاع الروسي-الجورجي على خلفية قرار، وصفه معظم المحللين بالمتهور، اتخذته تبليسي بإخضاع أوسيتيا الجنوبية عسكرياً. وهنا ارتكبت القوات الجورجية خطأً جسيماً، حين هاجمت قوات حفظ السلام الروسية الموجودة في هذا الإقليم الذي لا تزيد مساحته عن 4 آلاف كيلومتر مربع، ولا يتجاوز عدد سكانه المائة ألف نسمة؛ حيث فجّرت هذه الواقعة غضب موسكو، التي تدعم أوسيتيا الجنوبية، وكانت النتيجة هي تدفق القوات الروسية إلى داخل الأراضي الجورجية، ما أدى إلى تعقيد المشكلة، ووضع النزاع في صدارة الأحداث الدولية، بالنظر إلى إعلان الولايات المتحدة دعمها لجورجيا؛ حيث اُعتبر ذلك بداية لحرب باردة جديدة.

 ومما لا شك فيه أن هذا النزاع الروسي-الجورجي ستكون له العديد من التداعيات المهمة على أصعدة مختلفة، لا سيما فيما يتعلق بطبيعة التحالفات الدولية خلال المرحلة المقبلة؛ فقد أفرز هذا النزاع ما يشبه الانقسام بين روسيا من ناحية، والغرب من ناحية أخرى، وبدت جورجيا من خلاله وكأنها تخوض حرباً بالوكالة، نيابة عن الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، في مواجهة الدب الروسي.

 وحتى يمكن فهم طبيعة هذا الصراع، لابد من الإشارة إلى جذوره التاريخية المعقدة؛ فأوسيتيا الجنوبية هي جزء من جورجيا، وتفصلها عن أوسيتيا الشمالية، التي هي جزء من روسيا، حدود مشتركة عبر إقليم القوقاز الذي يبلغ ارتفاع معظم أراضيه أكثر من ألف متر فوق سطح البحر. وترى جورجيا أن استخدام كلمة "الشمالية" في التعريف بـ "أوسيتيا الشمالية" أمر مضلل، على أساس أن الإقليم التابع لها هو كل أوسيتيا، وهي تفضل استخدام الاسم التاريخي "ساماشابلو" أو الاسم الحديث "تسخينفالي"، للإشارة إلى إقليم أوسيتيا الجنوبية.

 تاريخياً كان للأوسيتيين علاقات جيدة مع الروس، واُعتبروا مواطنين موالين للإمبراطورية الروسية، ومن ثم للاتحاد السوفيتي، الذي ساندوه عندما احتلت قوات البلشفيك جورجيا في بداية عشرينيات القرن الماضي. وكجزء من عملية إعادة تشكيل المنطقة، التي أعقبت تلك الأحداث، أُنشئ إقليم أوسيتيا الجنوبية المتمتع بحكم ذاتي ضمن جورجيا، وإقليم أوسيتيا الشمالية في روسيا. ومع تراجع نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق عبّرت أوسيتيا الجنوبية عن نزعتها الانفصالية عن جورجيا، وأرسلت موسكو عام 1989 قوات عسكرية لحفظ الأمن في المنطقة بعد اندلاع مواجهات عنيفة بين الجورجيين والأوسيتيين في العاصمة تسخانفيلي، واندلع العنف مجدداً عام 1990، عندما أعلنت أوسيتيا الجنوبية رغبتها في الانفصال عن جورجيا. وأدى انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال جورجيا عام 1991 إلى تصاعد رغبة الأوسيتيين في الانفصال عن تبليسي، وبالفعل أعلنت أوسيتيا انفصالها؛ فتدخلت القوات الجورجية لإخضاعها، واستمر القتال المتقطع بين الجانبين حتى صيف عام 1992، عندما تم الاتفاق على نشر قوات حفظ سلام جورجية وأوسيتية وروسية. وعلى الرغم من تراجع نفوذ الانفصاليين خلال حكم الرئيس الجورجي السابق إدوارد شفيرنادزة، إلا أنهم عادوا إلى الواجهة مجدداً مع مجيء الرئيس الحالي ميخائيل ساكاشفيلي، الذي أعلن رغبته في إعادة الأقاليم "المتمردة" إلى سيطرة الدولة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2006 صوت الأوسيتيون في استفتاء لصالح الاستقلال.

 وقد سعت جورجيا في عهد الرئيس الحالي ساكاشفيلي إلى إقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة، واستضافت قوات أمريكية على أراضيها بزعم مساعدة تبليسي في مجال مكافحة الإرهاب ومطاردة إرهابيين فروا إلى داخل الأراضي الجورجية، الأمر الذي أزعج موسكو بشدة، خاصة مع إعلان جورجيا عن رغبتها القوية في الانضمام لحلف شمال الأطلنطي (الناتو)، وإلحاح واشنطن على ضمها للحلف، بشكل انطوى على تحدٍ واضح لموسكو، وهذا ما زاد من حدة الغضب الروسي على جورجيا.

 على خلفية هذه المعطيات التاريخية والسياسية، كان تفجر هذا النزاع، الذي طرح حزمة من التساؤلات، لعل أهمها التساؤل الخاص بالدوافع الكامنة خلف هذا الموقف الحازم الذي اتخذته موسكو ضد تبليسي؛ حيث سارعت روسيا إلى إرسال قواتها إلى جورجيا، ليس فقط لدعم الانفصاليين الأوسيتيين، بل قامت أيضاً بالسيطرة على معظم الأراضي الجورجية، وكانت قاب قوسين أو أدنى من دخول العاصمة تبليسي. وفي الواقع، فإن هذا الموقف الروسي، الذي تباينت تأويلاته، تكمن وراءه أسباب رئيسية عدة: أولها، محاولة وقف الطموح الجورجي في الانضمام إلى حلف الناتو؛ لأن هذا الأمر لو حدث سيلحق أضراراً جسيمة بالمصالح الاستراتيجية لروسيا؛ حيث سيحول البحر الأسود إلى بحيرة أطلسية، إذا أخذنا في الاعتبار رغبة أوكرانيا هي الأخرى في الالتحاق بالحلف، وسيطرة تركيا، العضو في الناتو، على الجزء الجنوبي من البحر الأسود، ما يعني إنهاء حلم روسيا في أن تبرز كقوة عظمى من جديد عبر وصولها للمياه الدافئة. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى التدخل الروسي في جورجيا، الذي برره بعض القادة الروس بحماية المواطنين الروس في أوسيتيا الجنوبية، باعتباره رسالة إلى أوكرانيا التي يشكل الروس نحو 17% من سكانها. ثاني هذه الأسباب، رغبة روسيا في توطين الاستقرار في منطقة القوقاز، من أجل تأمين الحماية اللازمة لخطوط أنابيب النفط والغاز القادمين من بحر قزوين عبر منطقة القوقاز، لما يعنيه ذلك من تدعيم المكانة الاستراتيجية لروسيا الساعية إلى القيام بدور القطب الدولي المؤثر. أما السبب الثالث، فيتمثل في الرد عملياً، وليس من خلال التصريحات فقط، على سياسة التوسع الأطلسي، وعلى الموقف الذي اتخذته الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بدعم استقلال كوسوفا عن صربيا، الحليف الأوربي الأهم لموسكو.

 وعلى الرغم من أهمية هذه الأسباب التي دفعت موسكو إلى التدخل الحازم ضد جورجيا؛ فإن ذلك وضعها أمام مأزق متعددة الأبعاد؛ فتأييدها لاستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا يتناقض مع معارضتها القوية لاستقلال أوسيتيا الشمالية والشيشان وبقية المناطق الإسلامية في القوقاز، كما أن ذلك يشكل مأزقاً سياسياً للدب الروسي، الذي يضم العديد من الأقاليم المتنوعة عرقياً. ومن ناحية ثانية، وهذا هو الأهم، فإن هذا التدخل وضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل العلاقات الروسية-الغربية؛ فروسيا بذلت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي جهوداً كبيرة في سبيل إقامة علاقات قوية مع أوروبا والولايات المتحدة، وهذا التدخل ستكون له حتماً انعكاساته السلبية على هذه العلاقات، ومن المؤكد أن موسكو كانت تعلم ذلك، ولكن مصالحها الاستراتيجية ورغبتها في لعب دور القوة العظمى على الساحة الدولية، فرض عليها ذلك التدخل، الذي انطوى على جملة من الرسائل والأهداف المتسقة مع هذه الرغبة. ومن هنا، يمكن توقع أن تعمل السياسة الروسية في الاتجاه الذي يعزز مكانتها على الساحة الدولية، من دون أن تسعى بالضرورة إلى الصدام مع الناتو. كما يمكن النظر إلى هذا التدخل باعتباره محاولة لتأكيد جملة من الخطوط الحمراء والمصالح التي لا يمكن لروسيا التفريط فيها.

 من التساؤلات المهمة أيضاً التي أثارها هذا النزاع، ما يتعلق بسلبية الموقف الغربي، وتحديداً الأمريكي، الذي لم يهب لنجدة تبليسي على غرار ما كان يطمح إليه ساكاشفيلي، الذي يصفه كثيرون بأنه "طفل الغرب المدلل". وما يمكن قوله هنا هو أن الأوربيين والأمريكيين ربما لم يتوقعوا رداً عسكرياً شاملاً من جانب موسكو بهذا الحجم الذي حسم الوضع عسكرياً خلال أيام، ومن هنا جاء رد فعلهما بطئياً ومرتبكاً، ولا سيما أن دخولهما على خط المواجهة مباشرة ربما كان معناه اندلاع حرب عالمية ثالثة لا يرغب فيها أحد. أضف إلى ذلك أن الحسابات الاقتصادية كانت حاضرة بقوة في الموقف الأوروبي والأمريكي؛ فروسيا التي لن تتورع عن استخدام سلاح الطاقة، كما فعلت مع أوكرانيا من قبل، تسيطر على أكثر من 25% من تجارة الغاز الطبيعي حول العالم، ومن هنا، خشيت أوروبا وأمريكا من أن تقوم موسكو باستخدام هذا السلاح ضدهما.   

 يتصل بحزمة الأسئلة التي أثارها النزاع الروسي-الجورجي، تساؤل آخر مهم يدور حول مستقبل الرئيس ساكاشفيلي، الذي غامر بقرار التدخل في أوسيتيا الجنوبية، طامحاً إلى "توريط" الولايات المتحدة مباشرة في الحرب التي تخوضها بلاده ضد روسيا وتحالفاتها المحلية في أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية، وصولاً إلى إنهاء الاستقلال الفعلي لهذين الإقليمين وإعادتهما إلى حظيرة جورجيا، وهو الأمر الذي لم يحدث، ما يعني فشلاً ذريعاً لساكاشفيلي، الذي ربما سيدفع مستقبله السياسي ثمناً لهذه المغامرة.

 ويتصل بهذا السياق، التساؤل الخاص بفرص انضمام جورجيا لحلف الناتو بعد هذه التطورات، وهو أمر يصعب التكهن به؛ فرغم صدور كثير من التصريحات الداعمة لضم جورجيا للحلف، كان أكثرها لفتاً للانتباه، التصريح الذي صدر عن المستشارة الألمانية إنجيلاً ميركل التي كانت بلادها المعارض الرئيسي لإلحاق جورجيا بالناتو، فإن إقدام الناتو على خطوات فعلية لضم جورجيا، يمكن أن تنظر إليه روسيا باعتباره إعلان حرب ضدها، ومن ثم، فإن عملية ضم جورجيا للناتو صارت أكثر تعقيداً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات